وجهة نظر

خريف الرمزية في ربيع المعرض الدولي للكتاب والنشر

قراءة في مآلات اتحاد كتاب المغرب

تقديم:

في غمرة انعقاد أكبر احتفالية ثقافية وطنية، حيث تشرع أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب أبوابها كواجهة مصقولة للسيادة الثقافية المغربية، يتجلى الاغتراب المؤسساتي في أبهى صوره؛ حيث يغيب اتحاد كتاب المغرب ككيان تنظيمي مستقل يمتلك جناحاً خاصاً يبسط فيه هويته وبرنامجه، ليتحول حضوره إلى مجرد أطياف بروتوكولية. حضورٌ مستتر خلف واجهات الأجنحة المشتركة، أو متمثل في أشخاص من هيئاتٍ منتهية الولاية، التي استمرت في تسيير المؤسسة رغم انتهاء مددها القانونية، يتقلدون مقاعد الصفوف الأولى في الافتتاحات الرسمية، دون أن تلمس للمؤسسة أثراً في دينامية الأروقة أو نبض الكتابة، مما يكرس منطق الحضور بالاسم والغياب بالفعل.

هنا، في قلب هذه التظاهرة الدولية التي تحتفي بالكلمة والوعي، يبدو الاتحاد كمن يمارس الوجود بالاستعارة؛ يحضر بصفته الرسمية، ويوزع بياناته، دون أن يجرؤ أحد على طرح السؤال الذي يفرضه سياق المؤسسة والقانون: بأي صفة، ومن أي نبع شرعي، ينهض هذا الكيان اليوم وسط محفل دولي يراقبنا فيه العالم؟ إن حضور الاتحاد في المعرض بهذا الشكل ليس مجرد تفصيل تنظيمي، بل هو تجسيد للمفارقة المغربية بامتياز: مؤسسة تعيش خريفاً تنظيماً موحشاً، لكنها تصر على الظهور بمظهر الربيع المؤسساتي الدائم.

الاستمرار الشكلي في مواجهة الفراغ التنظيمي

إن الوقائع لا تجامل أحداً، والذاكرة التنظيمية للاتحاد تسجل مساراً من الانحدار بدأ منذ مؤتمر طنجة (المؤتمر 19) في يونيو 2018. ذلك المؤتمر الذي كان يُفترض أن يكون محطة للتجديد، انتهى إلى ما يشبه الطلاق الخلعي بين مكونات الاتحاد، حيث لم يفرز إلا مكتباً تنفيذياً دخل فوراً في دوامة من الطعون والانسحابات. ومنذ ذلك التاريخ، والاتحاد يعيش حالة موت سريري تنظيمياً، تتخلله محاولات يائسة للإيحاء بالحياة، وهي محاولات فضحتها الوقائع التالية:

– محطة العيون (2023): بعد سنوات من الصمت والجمود الذي برره البعض بالجائحة، جاءت محاولة عقد مؤتمر استثنائي بالعيون. لم تكن هذه المحطة سعياً وراء الشرعية بقدر ما كانت محاولة لـهروب إلى الأمام. انتهت المحطة بفشل ذريع وصراعات علنية، حيث لم يكتمل النصاب ولم تتوفر الشروط الأدبية والمادية لعرس ثقافي، بل تحولت إلى منصة لتكريس الانقسام وتبادل الاتهامات بين تيار الاستمرارية وتيارات التصحيح.

– محطة الرباط (فبراير 2024): وهي المحطة الأكثر إحراجاً في تاريخ الاتحاد؛ حيث كان من المقرر عقد مؤتمر لتسوية الوضعية، لكن كلمة الفصل لم تكن للمثقفين، بل كانت للقضاء. حيث صدر قرار قضائي استعجالي بإيقاف المؤتمر قبل انعقاده، بناءً على طعون استندت إلى عدم قانونية الهياكل الداعية له. هنا سقط القناع تماماً، فمؤسسة المثقفين التي ترفع شعار دولة الحق والقانون تجد نفسها عاجزة عن احترام قانونها الأساسي، وتُساق إلى المحاكم لتُمنع من ممارسة حقها في الاجتماع بسبب اختلالات مسطرية يندى لها الجبين.
بين هذه المحطات، تناسلت بلاغات عن لجان تحضيرية واجتماعات للمكتب التنفيذي الذي فقد نصف أعضائه بالاستقالة أو التجميد. استُخدمت لغة خشبية تتحدث عن تجاوز حالة الجمود ولمّ الشمل، لكنها كانت مجرد مسكنات لإطالة أمد وضعية الرئيس المنتهية ولايته.

هذا المسار الفاشل يثبت أننا لسنا أمام خلل إجرائي عابر، بل أمام إرادة لتعطيل المؤسسة. لقد تحول التأجيل من ضرورة تقنية إلى استراتيجية بقاء، حيث يقتات الوضع الحالي من استمرار الفراغ؛ ففي غياب المؤتمر، يظل الوضع القائم هو السيد، وتظل الختوم والبيانات حكراً على من يملك مفتاح المقر، لا من يملك ثقة القواعد. إن فضح هذه المسيرة المتعثرة هو المدخل الوحيد لفهم كيف تحولت منظمة عتيدة إلى رهينة في يد حسابات تنظيمية ضيقة، أجهزت على ما تبقى من وقار المثقف المنظم في المغرب.

معضلة المال العام والحكامة المفقودة

خلف واجهة العرض الأنيقة في المعرض الدولي، تختبئ أسئلة براغماتية حارقة:

– بأي غطاء قانوني وأخلاقي يتصرف مكتب منتهي الصلاحية في الدعم العمومي والميزانيات المرصودة للاتحاد؟ إن الاتحاد ليس جمعية أدبية خاصة، بل هو مؤسسة ذات نفع عام تتلقى دعماً من ميزانية الدولة، وتتحرك بإمكانيات دافعي الضرائب في المحافل الوطنية والدولية. وهنا يبرز التناقض الصارخ في منظومة الحكامة الثقافية:

– كيف تستمر وزارة الثقافة، أو الجهات المانحة، في صرف الميزانيات والاعتراف بالتوقيعات المالية لمكتب يعترف هو نفسه في بلاغاته بضرورة “تسوية وضعيته القانونية”؟ إن قبول التعامل المالي مع هيئة تفتقد للشرعية الانتخابية يضعنا أمام حالة استثناء مالي غير مبررة، تضرب مبدأ المحاسبة في مقتل.

– في ظل غياب برلمان الاتحاد، المؤتمر الذي يحاسب المكتب على أوجه الصرف، من يراقب اليوم ميزانية الاتحاد؟ ومن يصادق على التقارير المالية؟ إن الصمت عن هذا الجانب المادي يكرس فكرة أن المثقف فوق القانون، وأن الرمزية التاريخية صك مفتوح لتجاوز معايير الشفافية التي تسري على أبسط جمعيات المجتمع المدني. إن تدبير المال العام في ظل فراغ هيكلي ليس مجرد هنّة إدارية، بل هو فضيحة تدبيرية تجعل من الاستمرار في صدارة المشهد نوعاً من الاستيلاء الرمزي والمالي على مؤسسة هي ملك لجميع الكتاب المغاربة لا لفئة بعينها.

المثقف في مواجهة بيته المهدم

من المثير للسخرية السوداء أن الاتحاد الذي تأسس ليكون ضمير الأمة وحامل لواء الوعي النقدي والدفاع عن استقلالية المثقف، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن تدبير بيته الداخلي؛ فكيف يمكن لمؤسسة تعجز عن عقد مؤتمر ديمقراطي شفاف أن تنتج خطاباً نقدياً يوجه الدولة والمجتمع؟ إن هذا العجز ليس مجرد عطب تقني، بل هو منزلق يؤدي بالضرورة إلى تآكل المشروعية الرمزية؛ فالمثقف الذي يقبل بالاستمرار في هيكل مغصوب يساهم، بوعي أو بدونه، في تمييع المشهد الثقافي وتحويله إلى مجرد ملحق إداري لوزارة الثقافة، يفقد معه استقلاليته وقدرته التاريخية على التأثير.

وفي هذه المساحة تحديداً، يواجه المثقف مرآته بعيداً عن منطق الامتيازات، ليكتشف أن الأزمة الحقيقية لاتحاد كتاب المغرب ليست في بنوده القانونية فحسب، بل في تلك السلطة الرمزية التي تآكلت حين قبل المثقفون بأن يتحول بيتهم إلى مظلة لامتيازات صغيرة وريع معنوي. إذ كيف يستقيم أن يكتب المثقف مقالات تفيض بالنقد لسياسات الدولة، بينما يلوذ بالصمت تجاه مؤسسة يسكنها الاستبداد التنظيمي؟

إن القبول بالتمثيل داخل هيكل جامد هو، في جوهره، تخلٍّ عن الوظيفة النقدية للذات قبل الآخر، وهو الصمت المتواطئ الذي حوّل الاتحاد من مختبر للأفكار إلى نادٍ للمصالح المتبادلة، حيث تُقايض الرمزية بالحضور العابر في المحافل. وفي نهاية المطاف، فإن المثقف الذي لا يملك شجاعة نقد بيته يفقد أهليته الأخلاقية لنقد الفضاء العام، ويصبح شريكاً في تحويل الاتحاد إلى جثة إدارية يرفض الجميع دفنها، فقط احتراماً لماضٍ لم يعد يشبه الحاضر في شيء.

خاتمة: من مأزق الترميم إلى سؤال الجدوى

إن إنقاذ اتحاد كتاب المغرب لا يبدأ بحشد الكتاب لعقد مؤتمر متعثر آخر، يكرر إنتاج النخب ذاتها بنفس الأدوات المهترئة، بل يبدأ بفتح نقاش قارس حول الجدوى: هل ما زلنا، كمثقفين ومجتمع، بحاجة لهذا الهيكل بصيغته المتكلسة الحالية؟ إن الهروب إلى الأمام تحت مبرر الاستمرارية المؤسساتية ليس فعلاً لإنقاذ الاتحاد، بل هو قتل بطيء وممنهج لما تبقى من رصيده الرمزي؛ فالمؤسسات التي تعيش على ذاكرة الشرعية دون ممارسة الشرعية تتحول بالضرورة إلى عبء على المستقبل.

المطلوب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، هو وقفة شاملة للمحاسبة تتجاوز منطق التوافقات العابرة؛ محاسبة قانونية لمساءلة تدبير سنوات الجمود التي عطلت المؤسسة، ومحاسبة مالية شفافة لافتحاص ميزانيات صرفت في غيبة الهياكل الرقابية والديمقراطية، والأهم من ذلك كله، محاسبة فكرية تعيد تعريف دور الكاتب والوسيط الثقافي في مغرب اليوم. فبدون هذه المكاشفة الجذرية، سيظل الاتحاد حاضراً في معرض الكتاب كطيف يطارد الحاضر، يوزع بيانات جوفاء لا تجد لها قارئاً، ويدافع عن كراسي خشبية لم يعد يجلس عليها سوى الفراغ.

إن الأزمة الحقيقية هنا ليست في تأخر مؤتمر، بل في موت فكرة لم تعد كافية لإقناع كاتب واحد بأن هذه المؤسسة تمثله أو تعبر عن قلقه الإبداعي. والدليل الساطع يتجسد في أولئك الشباب والمبدعين الحاضرين في أروقة المعرض اليوم؛ فهم لا ينظرون إلى هذا السيرك التنظيمي بجدية، ليس لأنهم ضد التنظيم، بل لأنهم يصنعون جمهورهم وشرعيتهم في فضاءات مفتوحة لا تعترف بالتراتبية الهرمية التي يقدسها المكتب التنفيذي. لقد تحولت القلعة القديمة من حصن للمثقفين إلى جدار يعزلهم عن العصر، تاركة الاتحاد أمام مفترق طرق حتمي: إما أن يكون جسراً حقيقياً نحو أفق ثقافي جديد، أو أن يظل مجرد أطلال إدارية تحرسها أشباح لا تملك من الثقافة سوى ذكريات مؤتمرات لن تُعقد.