منتدى العمق

قانون 16.22 وصراع المشروعيات: حينما تحسم “الأغلبية العددية” استحقاقات “الديمقراطية التشاركية”

تصدير:

بمصادقة البرلمان المغربي بالأغلبية على مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، دخلت “خطة العدالة” منعطفاً تشريعياً جديداً يضع أسس الممارسة المهنية في ميزان التحول الرقمي والتحديث المؤسساتي. ومع ذلك، فإن هذا العبور التشريعي لم ينهِ الجدل المحتقن، بل كرس تساؤلات عميقة حول منهجية الوزارة الوصية التي اختارت المراهنة على “الحسم العددي” داخل المؤسسة التشريعية، بدلاً من اجتراح “توافق نوعي” مع الجسد المهني يضمن السلم والاستقرار.

أولاً: تجليات الديمقراطية التشاركية في المسار التشريعي

تقتضي الديمقراطية التشاركية، كما كرسها دستور المملكة، إشراك المهنيين والمعنيين بالقرار في صناعة النص القانوني لضمان “المشروعية المجتمعية” بجانب “الشرعية القانونية”. وفي سياق القانون 16.22، يمكن رصد الملاحظات التالية:

الحوار الشكلي مقابل الحوار المنتج: شهد مسار إعداد المشروع جلسات حوار بين وزارة العدل والهيئة الوطنية للعدول، إلا أن المخرجات النهائية أظهرت أن بعض المقتضيات الجوهرية لم يتم التوافق عليها.

الحق في المعلومة والتشاور الموسع: تفرض الشفافية عرض المسودات للنقاش العمومي الموسع، وهو ما دفع التنسيقيات العدلية للمطالبة بتوسيع وعاء الاستشارة ليشمل كافة الأجيال المهنية.

ثانياً: نقد المنهجية.. “تشاركية اللحظة الأخيرة”

تعتبر المصادقة بالأغلبية دليلاً على تفضيل الوزارة الوصية لسلوك “الطريق المختصر” لتمرير النص. وتتجلى المآخذ المنهجية في:
النزعة الاستعجالية: الهروب إلى الأمام عبر تسريع وتيرة المصادقة رغم تحفظات الهيئة الوطنية، يمثل نوعاً من “الوصاية التشريعية” التي تفرغ مبدأ التشارك من غايته الأسمى.
الاستقواء بالانضباط الأغلبي: اعتماد الوزارة على التحالف الحكومي لتمرير النص “بسرعة البرق” جعل من المؤسسة التشريعية مجرد “محطة تصديق” إجرائية بدلاً من “منصة تحكيم” تنصت للملاحظات التقنية والحقوقية.

ثالثاً: مفارقة القانون والواقع *الديمقراطية في الميزان*

إن منهجية “فرض الأمر الواقع” قد تنتج قانوناً قابلاً للتطبيق تقنياً، لكنه يفتقد لـ “الأمن المهني” الضروري لاستقراره:
شرعية مبتورة: يرى العدول أن القانون قد غيّب مطالب وجودية ومحورية، وعلى رأسها الاستقلال المالي الكامل وتوسيع الاختصاصات لصالح رؤية إدارية ضيقة.
تكريس الازدواجية: المصادقة على القانون بصيغته الحالية تعمق الهوة بين المهن التوثيقية في المغرب، وهو ما يمثل “خروجاً منهجياً” عن فلسفة بناء دولة الحق والقانون.

رابعاً: ما بعد المصادقة.. تحديات التنزيل والرقمنة

إن تغليب الإرادة السياسية على التوافق المهني يضع الوزارة أمام تحديات كبرى في مرحلة التنفيذ:

أزمة الامتثال والتمثل: القوانين التي تولد في أجواء من الاحتقان تصطدم غالباً بمقاومة ميدانية، مما قد يعيق ورش الرقمنة والتحديث الذي تراهن عليه الدولة.
كلفة الإصلاح المتعثر: إن تجاوز المقاربة التشاركية الحقيقية قد يؤدي إلى استمرار حالة اللاستقرار المهني واللجوء للطعون الدستورية.

خلاصة:

إن الديمقراطية التشاركية ليست مجرد “جلسات استماع”، بل هي إدماج فعلي للمطالب التي تحقق “الأمن التوثيقي”. لقد حسمت الوزارة “المعركة التشريعية” بالأغلبية، لكنها لم تحسم بعد “معركة الثقة”. إن ديمقراطية المؤسسات لا تكتمل إلا بديمقراطية الإشراك، ويبقى السؤال قائماً: هل سينجح هذا القانون في تطوير المهنة، أم سيظل نصاً “فوقياً” يفتقر لروح التشارك التي نص عليها أسمى قانون في البلاد؟