وجهة نظر

حين تتحول الشوارع إلى فضاءات خاصة.. عن فوضى استغلال الملك العمومي بين الأعراف الاجتماعية وغياب هيبة القانون

في أحد الأزقة الهادئة، وسط حي سكني يبدو في ظاهره عاديا، تنتصب خيمة كبيرة بألوان زاهية، تحتل الطريق بالكامل، فلا تترك منفذا للمرور، لا للراجلين ولا للسيارات. المشهد، كما توثقه الصور، قد يبدو للبعض مألوفا بل وحتى “طبيعيا”، خصوصا إذا كان مرتبطا بفرح أو عزاء، لكنه في العمق يكشف عن ظاهرة مقلقة تتكرر في مدن مغربية عديدة.. استغلال للملك العمومي دون ضوابط، إلى حد إلغائه مؤقتا وكأنه ملك خاص.

هذا التحول الصامت في علاقة المواطن بالفضاء العام لم يحدث بين عشية وضحاها، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من التساهل، والتطبيع مع المخالفات، وغياب الصرامة في تطبيق القانون. فالملك العمومي، الذي يفترض أنه مجال مشترك بين الجميع، أصبح في كثير من الحالات عرضة للتصرف الفردي، حيث يقرر البعض، دون استشارة أو ترخيص، كيف ومتى وكيفية استعماله، ولو كان ذلك على حساب الآخرين.

من الناحية القانونية، لا يختلف اثنان على أن الطرقات والأرصفة والساحات تدخل ضمن الملك العمومي، الذي يخضع لتدبير الجماعات الترابية وفق ضوابط دقيقة. استغلال هذا الملك، حتى بشكل مؤقت، يفترض أن يكون مؤطرا بتراخيص واضحة، وشروط تضمن عدم الإضرار بالمصلحة العامة أو عرقلة السير. غير أن ما نراه في الواقع يبتعد كثيرا عن هذا التصور، حيث تنصب الخيام، وتغلق الأزقة، وتحول الشوارع إلى فضاءات خاصة، دون أدنى اعتبار لحق الآخرين في المرور.

 

قد يقال إن هذه الممارسات مرتبطة بعادات وتقاليد متجذرة، وأنها تعبير عن روح التضامن التي تميز المجتمع المغربي، خاصة في المناسبات الاجتماعية. وهذا صحيح جزئيا، إذ لا يمكن إنكار البعد الثقافي والإنساني لنصب الخيام خلال الأعراس أو الجنائز. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الممارسات من تعبير اجتماعي إلى سلوك يعلو فوق القانون، ويبرر به كل تجاوز، حتى وإن كان ذلك على حساب السلامة العامة وحقوق الجيران.

في مثل هذه الحالات، يجد المواطن نفسه في وضعية حرجة. فهو من جهة لا يريد أن يتهم بعدم التضامن أو الوقوف ضد “الفرح” أو “العزاء”، ومن جهة أخرى يحرم من حقه في استعمال الطريق، وقد يجبر على تغيير مساره أو تعطيل مصالحه. الأسوأ من ذلك أن هذه الوضعيات قد تشكل خطرا حقيقيا في حالات الطوارئ، حيث يمكن أن تعيق مرور سيارات الإسعاف أو رجال الإطفاء، وهو ما قد تكون له عواقب وخيمة لا تحمد عقباها.

اللافت في هذه الظاهرة ليس فقط انتشارها، بل أيضا الصمت الذي يحيط بها. فقلما نسمع عن تدخل حازم للسلطات لمنع نصب خيمة تغلق طريقا بشكل كامل، وقلما يشتكي المواطنون بشكل علني، وكأن الأمر أصبح جزءا من “الواقع المقبول”. هذا الصمت الجماعي، سواء من طرف السلطات أو المجتمع، يساهم في تكريس الظاهرة، ويجعل من الصعب مواجهتها أو حتى مناقشتها بجدية.
ولا يمكن هنا إغفال مسؤولية الجهات المكلفة بتدبير الشأن المحلي، التي يفترض أن تسهر على تنظيم استغلال الملك العمومي وضمان احترام القانون. فالتراخي في المراقبة، أو التغاضي عن بعض التجاوزات بدعوى “الخصوصية الاجتماعية”، يفتح الباب أمام المزيد من الفوضى، ويضعف هيبة القانون. وفي المقابل، فإن تدخلات متفرقة أو موسمية، في إطار حملات لتحرير الملك العمومي، تبقى محدودة الأثر، لأنها لا تعالج جذور المشكلة، بل تكتفي بمظاهرها.

غير أن تحميل المسؤولية للسلطات وحدها لا يكفي، لأن المجتمع نفسه يساهم، بشكل أو بآخر، في استمرار هذه الظاهرة. فالتسامح مع المخالفات، بل أحيانا الدفاع عنها، بدعوى العرف أو التضامن، يفرغ القانون من محتواه، ويجعل من الصعب فرضه بشكل عادل ومتوازن. فهل يمكن أن نستمر في تبرير خرق القانون باسم التقاليد، دون أن ندفع الثمن على مستوى تنظيم حياتنا المشتركة؟

إن ما تعكسه هذه الصور ليس مجرد خيمة في شارع، بل اختلال في تصورنا للفضاء العمومي. فهذا الفضاء ليس ملكا للدولة فقط، ولا للفرد، بل هو ملك مشترك، يقوم على مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات. حين يستغل هذا الفضاء بشكل مفرط أو غير منظم، فإن ذلك لا يؤثر فقط على حركة المرور، بل يمس بجوهر العيش المشترك، ويضعف الثقة في المؤسسات.

ومن هنا، فإن معالجة هذه الظاهرة تقتضي مقاربة شمولية، لا تقتصر على المنع أو الزجر، بل تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والثقافي. فمن جهة، يجب تفعيل القانون بشكل واضح وصارم، دون انتقائية، لأن العدالة في التطبيق هي أساس احترامه. ومن جهة أخرى، ينبغي التفكير في بدائل عملية، مثل توفير فضاءات عمومية مخصصة للمناسبات، أو تنظيم استعمال الشوارع بشكل مؤقت وفق شروط محددة تضمن عدم الإضرار بالغير.

كما أن التوعية تبقى عنصرا أساسيا في هذا المسار، لأن تغيير السلوك لا يتم فقط عبر القوانين، بل أيضا عبر ترسيخ قيم جديدة، تقوم على احترام الفضاء المشترك، والاعتراف بحقوق الآخرين. فليس من المقبول أن يتحول الفرح إلى مصدر إزعاج، أو أن يبرر الحزن إغلاق طريق بأكمله.

فأي مدينة نريد؟ هل نريد مدينة تدار بمنطق الأعراف غير المكتوبة، حيث يفرض كل فرد منطقه الخاص؟ أم مدينة يحكمها القانون، حيث تحترم الحقوق، وتوازن بين الخصوصية الاجتماعية والمصلحة العامة؟

الجواب، في تقديري، لا يكمن في الاختيار بين هذا أو ذاك، بل في إيجاد توازن ذكي بينهما. توازن يسمح بالحفاظ على تقاليدنا، دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة للفوضى، ويضمن في الوقت نفسه احترام القانون، دون أن يبدو كأنه قطيعة مع المجتمع.

فالمدينة، في نهاية المطاف، ليست مجرد بنايات وشوارع، بل هي عقد اجتماعي غير مكتوب، يقوم على التفاهم والاحترام المتبادل. وحين نغلق شارعا بخيمة، دون إذن أو اعتبار، فإننا لا نغلق طريقا فقط، بل نحدث شرخا صغيرا في هذا العقد. وربما آن الأوان لإعادة ترميمه، قبل أن تتسع الشروخ أكثر.

تعليقات الزوار