في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات المعرفة والبحث العلمي، تبرز أهمية الانفتاح الأكاديمي والتكامل الثقافي بين الدول بوصفهما ركيزتين أساسيتين لبناء الإنسان المعرفي القادر على الإسهام في نهضة مجتمعه. ومن هذا المنطلق، تُعد جامعة محمد الخامس الرباط وبالأخص كلية الاداب والعلوم الانسانية باب الرواح منارات علمية راسخة أسهمت في ترسيخ هذا التوجه واحتضنت الطلبة الدوليين، ومن بينهم الطلبة العُمانيون، في بيئة أكاديمية تتسم بالرقي والانفتاح والتكامل المعرفي.
لقد استطاعت المملكة المغربية أن ترسّخ نموذجًا متميزًا في دعم الطلبة الوافدين، قائمًا على توفير بيئة تعليمية متكاملة تجمع بين الأصالة الأكاديمية والمعاصرة المنهجية. ولم يكن ذلك ليتحقق لولا ما تزخر به مؤسساتها الجامعية من كفاءات علمية رفيعة، وبنية معرفية متقدمة، تُمكّن الباحث من التفاعل مع مختلف المدارس الفكرية والنقدية.
وتُعد كلية الآداب والعلوم الإنسانية باب الرواح من الكليات العريقة التي راكمت إرثًا علميًا متميزًا، جعلها فضاءً خصبًا للبحث العلمي الرصين. فهي لا تكتفي بتقديم المعارف النظرية، بل تسهم بفاعلية في تكوين الباحث القادر على التحليل والاستنتاج والنقد، في إطار منهجية علمية دقيقة. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على مستوى طلبة الدكتوراه، الذين يجدون في هذه المؤسسة بيئة محفزة على الإبداع والتفكير العميق.
ومن خلال تجربتي كباحث دكتوراه عُماني في هذه الكلية، أجد لزامًا عليّ أن أشيد إشادة خاصة بالكادر الأكاديمي، الذي يتميز بعلو كعبه العلمي، وسعة اطلاعه، ورقي تعامله. فقد لمست من الأساتذة حرصًا كبيرًا على توجيه الطلبة، ومتابعتهم بشكل دقيق، وتقديم الدعم العلمي والمنهجي بكل تفانٍ وإخلاص. كما أن أسلوبهم القائم على الحوار العلمي الهادئ، والنقاش البنّاء، يعكس مستوى راقيًا من الوعي الأكاديمي، ويُسهم في صقل شخصية الباحث وتعزيز ثقته بنفسه.
ولا يقتصر التميز في هذه الكلية على الجانب الأكاديمي فحسب، بل يمتد ليشمل كافة العاملين فيها، من أطر إدارية وتقنية، الذين يقدمون نموذجًا مشرفًا في حسن التعامل، وروح التعاون، والحرص على تيسير شؤون الطلبة. وهو ما يخلق بيئة جامعية متكاملة، يشعر فيها الطالب بالراحة والاستقرار، مما ينعكس إيجابًا على عطائه العلمي.
وما يميز تجربتي في هذه الكلية أيضًا، هو ذلك الإحساس العميق بالانتماء، حيث أشعر وكأنني في وطني الثاني، بين إخوة يجمعني بهم الاحترام والتقدير. وقد أسهم هذا الشعور في تعزيز اندماجي في الوسط الجامعي، وجعل تجربتي العلمية أكثر ثراءً وعمقًا.
كما أن هذا التفاعل اليومي يعكس عمق الروابط الثقافية والتاريخية التي تجمع بين سلطنة عُمان والمملكة المغربية، وهي روابط تتجسد بوضوح في المجال الأكاديمي، من خلال هذا التبادل العلمي والمعرفي المثمر. فالعلم هنا لا يُعد مجرد وسيلة للتحصيل، بل جسرًا للتواصل الحضاري، وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
وفي هذا السياق الثقافي المشرق، تكتسب تجربتنا العلمية في الرباط بُعدًا إضافيًا، لا سيما مع تتويج الرباط بلقب العاصمة العالمية للكتاب، وهو تتويج يعكس المكانة الثقافية المرموقة التي تحتلها هذه المدينة، ويؤكد دورها الريادي في نشر المعرفة وتعزيز القراءة ودعم الإبداع الفكري. ولا شك أن هذا الحدث يشكل حافزًا إضافيًا للباحثين والطلبة، لمواصلة العطاء العلمي في بيئة تُقدّر الكتاب والعلم، وتحتفي بالمعرفة كقيمة حضارية راسخة.
إن ما تقدمه كلية الآداب والعلوم الإنسانية باب الرواح، من دعم علمي، وتأطير أكاديمي رفيع، وبيئة إنسانية راقية، يجعلها بحق واحدة من المؤسسات التي تسهم في إعداد جيل من الباحثين القادرين على حمل مشعل المعرفة، والإسهام في بناء مستقبل أفضل لمجتمعاتهم.
وفي الختام، فإنني أعبّر عن بالغ امتناني وتقديري لهذه المؤسسة العريقة، بكل مكوناتها، لما تقدمه من جهود مخلصة في سبيل خدمة العلم وطلابه، وتعزيز قيم التعاون والتآخي بين الشعوب.