يعرف الحقل السياسي بالمغرب، كما في العديد من السياقات المقارنة مع نماذج في دول أخرى، تحولات عميقة على مستوى العلاقة بين الشباب والأحزاب السياسية، حيث أصبحت هذه العلاقة تتسم بالتوتر وفقدان الثقة. ويطرح هذا الوضع اشكالية حول أسباب عزوف الشباب عن الانخراط في الفعل الحزبي، ومدى ارتباط ذلك بما يتداول من أحكام جاهزة حول ما يمكن أن نطلق عليه “الأمية السياسية”، أو بوجود أزمة بنيوية داخل التنظيمات الحزبية ذاتها.
يظهر من خلال الملاحظة أن جزءا من الخطاب الحزبي الراهن قد فقد طابعه السياسي بالمعنى الصحيح، أي كفضاء لإنتاج الرؤى والتصورات حول القضايا المجتمعية الكبرى والأساسية الاستراتيجية إن أردنا القول ، وتحول في كثير من الأحيان إلى خطاب ضيق أو مجال للصراعات الداخلية والحسابات الانتخابية قصيرة المدى. هذا التحول ساهم في إضعاف الوظيفة التأطيرية للأحزاب، وجعل فئات واسعة من الشباب لا تجد في هذه التنظيمات ما يعكس انتظاراتها أو يستجيب لانشغالاتها المرتبطة بقضايا التشغيل والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية.
غير أن تحميل الشباب وحده مسؤولية هذا الوضع، من خلال الحديث عن “أمية سياسية”، لا يستقيم. فالشباب اليوم يتمتع بإمكانيات واسعة للولوج إلى المعلومات بفضل ما تتيحه المنصات الرقمية، غير أن هذه الوفرة لم تواكب ببناء وعي سياسي منظم ونقدي من واجب الأحزاب العمل عليه. لذلك، نحن أمام تحول في أنماط التنشئة السياسية، حيث يميل الشباب إلى أشكال تعبير بديلة خارج الأطر الحزبية التقليدية، مثل مواقع التواصل الاجتماعي والمبادرات المدنية التي تطرح في النقاشات الجامعية حتى وإن كانت محتشمة.
وفي هذا الإطار، تكتسي التجربة الصفية داخل المؤسسات التعليمية أهمية خاصة، باعتبارها مجالا كاشفا يجسد ما يقع، فتمثل التلاميذ الشباب تجاه الفعل السياسي من خلال ممارسة ميدانية في تدريس مادة الاجتماعيات بحكم توفر وحدات تناقش موضوع الأحزاب والسياسات العمومية، نجد أن النقاشات المرتبطة بالأحزاب السياسية غالبًا ما تقابل بمواقف رافضة أو مشككة من طرف عدد مهم من التلاميذ، تختزل أحيانا في تعبيرات دارجة من قبيل: “ما كاينش مع من” أو ” كاع ولاد عبد الواحد واحد ” أو” ليس في القنافذ أملس”. هذا الموقف لا يعكس فقط عزوفا أو لا مبالاة، بل يكشف عن تمثل سلبي مترسخ تجاه الفاعل الحزبي، يغذيه الخطاب المتداول في المحيط الاجتماعي والسياسي ذاته، ووسائل الإعلام، وكذا ضعف المعرفة الدقيقة بوظائف الأحزاب وأدوارها داخل النظام الديمقراطي.
أمام هذا الوضع، يجد الأستاذ نفسه في موقع يتجاوز نقل المعرفة إلى أداء وظيفة تأطيرية قريبة من أدوار الفاعل الحزبي، من خلال السعي إلى تفكيك هذه التمثلات السلبية، وتوضيح الأدوار الحقيقية للأحزاب باعتبارها آلية أساسية لتأطير المواطنين، وتعبئة الرأي العام، والمساهمة في تأطير الاختيارات العمومية، وضمان التداول على السلطة في إطار ديمقراطي. ويقتضي ذلك اعتماد مقاربات بيداغوجية تقوم على النقاش، وتحليل المواقف، وربط المفاهيم النظرية بالواقع المعيش، بما يسمح ببناء وعي سياسي نقدي ومتوازن لدى المتعلمين.
إن إعادة بناء الثقة بين الشباب والأحزاب السياسية تظل رهينة بتكامل عدة محددات، من بينها تجديد الخطاب الحزبي، وتعزيز الديمقراطية الداخلية في صالونات الأحزاب، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، إضافة إلى تطوير آليات التواصل بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والرقمية.
إن أزمة العلاقة بين الشباب والأحزاب السياسية لا يمكن اختزالها في ضعف اهتمام الشباب أو في ما يسمى “الأمية السياسية”، بل هي تعبير عن اختلال مركب وبنيوي يجمع بين تحولات المجتمع وأعطاب الفعل الحزبي. ومن ثم، فإن تجاوز هذه الأزمة يمر عبر إعادة الاعتبار للسياسة كفضاء للنقاش العمومي الجاد، مع تمكين الشباب من أدوات الفهم والمشاركة، بما يعزز انخراطهم الواعي في بناء المسار الديمقراطي الذي نسعى له جميعا .