وجهة نظر

قصف مدينة السمارة.. حين توظف البوليساريو الإرهابية الدين لترويع المدنيين

في خضم التحولات المتسارعة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، تبدو قيادة البوليساريو اليوم في حالة ارتباك سياسي وتنظيمي غير مسبوقة، بعدما فقدت الكثير من أوراقها الدعائية والدبلوماسية، هذا التراجع دفعها إلى تبني خطاب متناقض يجمع بين الشعارات الثورية البالية والاستغلال الانتهازي للدين في محاولة يائسة لاستنهاض ما تبقى من قواعدها المنهكة من أبناء اللاجئات داخل مخيمات تندوف.

لقد نشأت هذه الحركة الانفصالية في ظروف إقليمية معقدة، حيث تم استقطاب شباب مغاربة ذوي توجهات يسارية وقومية خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يتم توظيفهم من طرف أجهزة استخبارات إقليمية، وعلى رأسها النظام الجزائري، لخدمة مشروع يستهدف الوحدة الوطنية للمملكة المغربية. وتم بشكل متسرع خلق كيان سياسي وعسكري فوق الرمال، مع محاولة صنع “شعب” على المقاس من خليط سكاني متنوع قادم من جنوب المغرب، وموريتانيا، وشمال مالي، وجنوب الجزائر، في إطار مشروع جيوسياسي لا علاقة له بحقوق الشعوب بقدر ما يرتبط بتصفية حسابات إقليمية مع المغرب.

ومنذ البدايات، عانى المحتجزون في مخيمات تندوف من ممارسات قمعية خطيرة مارستها قيادة البوليساريو، حيث تم الزج بالأبرياء في المعتقلات، ومورس التضييق على القبائل والنساء والشيوخ والابرياء، وتم إخضاع المجتمع الصحراوي لسلطة أمنية يسارية متطرفة ومغلقة لا تسمح بالرأي المخالف. كما ارتبطت سنوات الجمر بالمخيمات بحملات لمحاربة مظاهر التدين والفطرة التي يعرف بها المجتمع الصحراوي النبيل، وظهرت خطابات متشددة حاولت التشكيك في بعض الثوابت الدينية، بل تسربت فتاوى غريبة تدعو إلى مقاطعة المساجد بالأقاليم الجنوبية للمملكة تحت ذرائع سياسية ودينية واهية.

وفي الوقت الذي مارست فيه القيادة الانفصالية لعقود خطابا أقرب إلى الإيديولوجيات اليسارية المتطرفة، عادت اليوم لتوظيف الآيات القرآنية في بلاغاتها العسكرية بشكل انتقائي ومثير للاستغراب. فاستعمال الآية الكريمة: “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى” في بيانات تتبنى عمليات قصف تستهدف محيط المدن والمدنيين، يكشف حجم التناقض الذي تعيشه هذه القيادة، إذ كيف يمكن توظيف النصوص الدينية لتبرير أعمال ترويع المدنيين، بينما يتم تجاهل المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية القائمة على حرمة الدماء وصيانة الأرواح؟.

إن قصف مدينة السمارة العاصمة العلمية للاقاليم الصحراوية واستهداف محيط أحيائها المدنية، وما نتج عنه من إصابة امرأة صحراوية بريئة، يؤكد مرة أخرى أن قيادة البوليساريو دخلت مرحلة اليأس السياسي والعسكري، بعدما فشلت في تحقيق أي مكسب ميداني أو دبلوماسي حقيقي. فاستهداف المدنيين لا يمكن تبريره بأي ذريعة سياسية أو عسكرية، بل يمثل انحدارا خطيرا يكشف الإفلاس الأخلاقي والتنظيمي لكيان فقد البوصلة، وأصبح مستعدا للمغامرة بأمن واستقرار المنطقة خدمة لأجندات خارجية.

ويزداد هذا التناقض وضوحا عندما نتأمل توقيت هذه العمليات التي تتم خلال الأشهر الحرم، وهي الفترات التي عظم الإسلام حرمتها ونهى فيها عن القتال والاعتداء إلا في حالات الدفاع المشروع. والحال أن هذه الهجمات لا تدخل ضمن أي سياق دفاعي، بل تأتي كمحاولة للتشويش على مسار التسوية السياسية وإعادة لفت الانتباه الدولي إلى تنظيم يعيش عزلة متزايدة. كما أن البوليساريو سبق أن رفضت مقترحات أممية لوقف إطلاق النار خلال شهر رمضان، وهو ما يفضح زيف خطابها الديني ويؤكد أن استدعاء النصوص الشرعية ليس سوى هروبا للأمام ووسيلة دعائية ظرفية.

ويبدو واضحا أن القيادة الانفصالية الفاشلة تحاول من خلال هذه الأعمال اليائسة أن تبعث برسالة أخيرة مفادها أنها ما زالت قادرة على الإزعاج والتشويش، غير أن الواقع السياسي الدولي تجاوزها بشكل كبير. فالقضية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الواقعية السياسية، وأصبح المنتظم الدولي مقتنعا بأن الحل لا يمكن أن يكون خارج السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي. كما أن مسلسل الموائد المستديرة والتفاوض الأممي يسير تحت رعاية مباشرة من القوى الدولية المؤثرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي هذا السياق، يكتسي القرار الأممي قرار مجلس الأمن 2797 أهمية بالغة باعتباره يؤكد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم لهذا النزاع الإقليمي، ويدعو مختلف الأطراف إلى الانخراط الجدي والمسؤول في المسار الأممي. وقد جاءت الإدانة الصريحة التي عبرت عنها الولايات المتحدة الأمريكية للهجوم الذي استهدف مدينة السمارة لتؤكد من جديد رفض المجتمع الدولي لأي أعمال من شأنها تهديد الاستقرار أو تقويض جهود السلام، حيث اعتبرت الدبلوماسية الأمريكية أن هذه الهجمات تتعارض مع روح المباحثات الجارية وتعرقل التقدم نحو التسوية النهائية. كما تعكس المواقف المتزايدة الصادرة عن قوى دولية بمختلف القارات، من أوروبا وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إدراكا متناميا بأن استمرار هذا النزاع لم يعد يخدم الأمن والاستقرار الإقليميين، وأن المرحلة الراهنة تقتضي تغليب منطق التعاون والحلول الواقعية بدل التصعيد والمغامرات اليائسة.