منتدى العمق

“من الحق الدستوري إلى الغياب التشريعي: معضلة إقصاء مغاربة العالم من المشاركة السياسية”

تشكل مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات أحد المواضيع التي تعود إلى الواجهة مع كل استحقاق انتخابي، لما تحمله من أبعاد دستورية، سياسية، وتنموية. فالجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي تقدر بالملايين، لم تعد مجرد امتداد بشري للوطن، بل أصبحت فاعلاً اقتصادياً واستراتيجياً يساهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني من خلال التحويلات المالية والاستثمارات، عمود فقري لاقتصاد البلد.

ينص دستور المملكة المغربية 2011 في فصله السابع عشر وبشكل صريح على حق مغاربة العالم في المشاركة السياسية، بما في ذلك التصويت والترشح. غير أن تفعيل هذا الحق ظل محدوداً، حيث لا تزال المشاركة الفعلية رهينة بإجراءات غير كافية أو بتمثيلية غير مباشرة لا تعكس تطلعات هذه الفئة. إذ أن المغاربة خارج ارض الوطن وعلى عكس جل دول العالم الأخرى، لا من المشاركة في الانتخابات التشريعية من بلاد اقامتهم من خلال تنزيل مكاتب تصويت بقنصليات وسفارات المملكة خارج ارض الوطن. الامر الذي تجلى في القانون التنظيمي للانتخابات الذي تحاشى اي ذكر للجالية او الية محددة لتنزيل النص الدستوري ذات الصلة بحقوقهم السياسية.

إن الإشكال هنا لا يكمن فقط في الجانب القانوني، بل يتعداه إلى غياب إرادة سياسية واضحة لإدماج الكفاءات المغربية بالخارج في صنع القرار. ففي الوقت الذي نجحت فيه دول عديدة في تمكين جالياتها من تمثيلية برلمانية مباشرة، لا يزال النقاش في المغرب يدور حول الصيغ الممكنة دون تفعيل فعلي على أرض الواقع.

في المقابل، لا يزال عدد من الفاعلين السياسيين من مغاربة العالم يواجهون صعوبات في الاندماج داخل التنظيمات الحزبية على المستوى المحلي. ويعزى ذلك، في بعض الحالات، إلى وجود ديناميات داخلية تجعل من بروز كفاءات جديدة أمراً غير مرحب به، خاصة حين يُنظر إليها كعامل قد يعيد توزيع موازين النفوذ داخل هذه التنظيمات. ورغم ذلك، برزت في الفترة الأخيرة تجارب تنظيمية واعدة، من بينها فرع شبيبة حزب التقدم والاشتراكية ببرلين، الذي يشكل فضاءً لتأطير الشباب المغربي وتعزيز انخراطه في النقاش العمومي وربطه بمسارات الفعل السياسي المرتبطة بقضايا الوطن، كما يمثل امتداداً لانفتاح الحزب على مغاربة العالم وسعيه إلى إشراكهم في الدينامية السياسية الوطنية. وهو ما يجعل الأحزاب والتنظيمات السياسية جزءاً أساسياً في أي مقاربة للتنزيل الدستوري وتوجيهات الملك في هذا الصدد.

من جهة أخرى، فإن إشراك مغاربة العالم في الانتخابات لا يجب أن يُفهم فقط كحق، بل كرافعة للتنمية. فهذه الفئة تمتلك خبرات وتجارب دولية عملية، خاصة المكونة منها، يمكن أن تساهم في تحسين السياسات العمومية وتعزيز الحكامة الجيدة. كما ينص النص الدستوري في فصله 18 عبر ضرورة تعبئة كفاءات مغاربة العالم ومساهمتهم في التنمية.
إن الاشراك الفعلي لمغاربة العالم، لن يقتصر اثره على الجانب السياسي بل سيعزز ارتباطهم بالوطن ويقوي ثقتهم في المؤسسات ليكونوا فاعلين اساسين تجاه بلدهم، اذ ان دراسات اخيرة عدة تشير الى كون الأجيال الاخيرة بدأت تبتعد شيئا فشيئا عن الارتباط القوي بأرض الوطن، خلافا لأسلافهم، وهذا سيكون له تأثير ثقافي وحتى اقتصادي غير محمود في المستقبل. وهنا نتحدث عن كون الانتخابات وسيلة اندماج وليست غاية في حد ذاتها.

ومع ذلك، وبكل واقعية تثار عدة تخوفات، تبقى ذات مصداقية، من بينها صعوبة التنظيم اللوجستي، وتعدد الانتماءات السياسية، إضافة إلى التساؤلات حول مدى اطلاع الناخبين في الخارج على القضايا الداخلية. غير أن هذه التحديات لا يمكن أن تكون مبرراً لإقصاء شريحة واسعة من المواطنين من حق دستوري أصيل، بل يجب ان تكون حافزا سياسيا للدولة والاحزاب من اجل حلحلة هذه العقبات من خلال الرصد السياسي والمادي تجاهها رفعا لمستوى الوعي السياسي لمغاربة العالم تجاه قضايا الوطن وتسهيلا لمشاركتهم في صياغة النموذجين الاقتصادي والسياسي من خلال تسهيل المشاركة السياسية الإيجابية.

في الختام، سيبقى تمكين مغاربة العالم من المشاركة الكاملة في الانتخابات اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بروح الدستور، وبناء نموذج ديمقراطي شامل لا يقصي أبناءه، أينما كانوا.