كثيرا ما افكر في اسباب ورود هذا الحديث الشريف؛ هو توجيه، بل امر، لطلب العلم، هذا واضح، لكن جغرافيته، هي قلبه الداىم النبض؛ وهذا لا يلتفت اليه.
في الشروح يتم الادلاء بالتحريض على طلب العلم، مهما تكن الصعاب، ومهما بعدت المسافات.
هذا فهم صحيح لكنه قاصر عن تغطية القصد النبوي كاملا.
ورد الحديث في وسط اسلامي، يرتل ويتعبد بكتاب ما فرط الله فيه من شيء. هذا والقران متواصل النزول.
وفي الجزيرة وجوارها اهل الكتاب والنصارى، وكان فيهم علم كثير.
حتى القباىل العربية كان لها حظ من العلم؛ في الفلك والطب، اما البيان فصفة لسانها، والشعر ديوانها.
فلماذا تتسع خريطة العلم لدى النبي، وصولا الى الصين؟
طبعا في وقت ورود الحديث، كانت الحضارة الصينية على درجة كبيرة من الاكتمال والنضج.
وكان هذا معلوما لدى الرسول والمؤمنين، والا فسيكون الامر النبوي غير ذي معنى.
ورغم هذا الطرح يظل نبض الحديث بحاجة لتخطيط
دقيق لاستجلاء السبب الحقيقي للورود.
بعد تقليب النظر بدا لي ان ورود الصين في جغرافية شحذ الهمم لطلب العلم، كان القصد النبوي منه، التوجيه الى علوم اخرى غير الدينية؛ وهذا من الرسول- والقران ينزل- بعد نظر، واستشراف لمستقبل الامة، بين امم لها مللها، وحضاراتها التي انبنت على العلوم الدنيوية البحتة، وان انبنى عندها ايضا سلم قيمي يمتح من عقاىدها: الهند، روما، فارس..
وكانه صلىالله عليه وسلم يقول: ليس العلم فقط ما بين ايديكم، اطلبوا علوما اخرى، حتى لا تتداعى عليكم الامم؛ كما يؤكد هذا الطرح الحديث الوارد في الموضوع.
مع كامل الاسف الحضاري، سارت الامور في دولة الاسلام دينية فقط، او تكاد.
بل حتى علماء وفلاسفة الاسلام قض مضجعهم، وقيد فكرهم، التوفيق بين الفلسفة والدين، والفلك والدين والطب والدين.
حتى الشعر انحط لديهم، لان اعذبه اكذبه، ولان الشعراء، في المخيال، ويتبعهم الغاوون، مجرد هاىمين تاىهين.
ان ورود الصين في الحديث، فك لعقال الفكر ليسرح بعيدا في الفهم العلمي للكون كله، ولو بالنفاذ الى اقطار السماوات؛ وهذه اقوى من التوجيه صوب الصين فقط.
ومن هنا كون القلب النابض للحضارة الاسلامية ظل فقهيا، دينيا، حتى وهو يخوض في العلوم البحتة.
ومن هنا ضاق الامر باخوان الصفا، فتستروا وهم ينتجون اعظم الرساىل في الرياضيات والفلسفة،وحتى الاخلاق .
ونكب في الغرب الاسلامي بابن رشد، الذي اقامت اروبا حضارتها علىفكره وشروحه لفلسفة اليونان.
لو فهمت “ولو في الصين” حق الفهم لقامت لدينا حضارة راىعة تتكامل فيها المعارف؛ دون خوف ودون تكفير، ودون حرق وجلد.
ولو في الصين، كانت المنفذ الذي فتحه الرسول للمسلمين، في كل العصور.
وهو صاحب الرسالة، لم يقل عليكم بما ابلغه لكم فقط.
قال عمر بن الخطاب مثل هذا، حينما رفع اليه امر مكتبة الاسكندرية الثرية جدا وقتها: ان كان فيها ما في القران فهو يكفينا، وان لم يكن فيها ما في القران فلا حاجة لنا بها. هكذا ضاعت سيدة المكتبات وقتها.
حتى في عصرنا الحديث سرنا وجهة الحداثة الغربية، بعقدة الفقيه، ووجدنا الخلاص في “اسلمة المعارف” وناخذ هذا ونكف عن هذا…
لم ننتبه الى الكفاح الصيني الحديث الذي شرع في بناء حضارة حداثية، بعيدا عن قيم الغرب.
هذه المرة وجدنا ذريعتنا في الشيوعية، وقلنا انها تطحن الدين، واياكم وهي.
لم ننضم للبناة، بل اخترنا السهل الظلي.
وحتى والصين اليوم في اوج حضارة صاعدة ومهيبة الجانب من طرف الغرب، وحتى وهي، في اعلامها، اشدتعلقا بالعرب، محترمة لثقافتهم، بيضاء التاريخ الاستعماري، لم نمنحها بعدصكوك الغفران، ولم نتخذها نموذجا، ولم نرحل اليها لطلب العلم.
فياله من حديث ضيقت العصور معناه.
وياله من استشراف نبوي لمستقبلنا، حيث تتداعى، فعلا، علينا الامم، بعلمها..
ألم اقل لكم: اطلبوا..؟
بلى، ولكن لم تطمىن قلوبنا.
وهل تبني القلوب حضارة؟