تعيش المنطقة الواقعة بين طريقي “إيموزار” و”صفرو”، وتحديدا بمحاذاة الأحياء السكنية وجامعة سيدي محمد بن عيد الله سايس بمدينة فاس، كل يوم أحد، على وقع شلل مروري تام وفوضى عارمة، بطلها السوق العشوائي المفتوح لبيع السيارات المستعملة.
وأصبح يوم الأحد، بالنسبة للساكنة المجاورة لشوارع مقاطعة سايس، كابوسا أسبوعيا يقض مضجعهم، في ظل توافد عشرات السماسرة والتجار الذين يعمدون إلى احتلال الشارع العام وتحويله إلى معرض مفتوح لسياراتهم، ضاربين بعرض الحائط القوانين المنظمة للسير والجولان وحق المواطنين في بيئة سكنية هادئة.
شلل مروري و”حصار” مضروب على الساكنة
عدسة جريدة “العمق” انتقلت إلى عين المكان ورصدت مشاهد تعكس غيابا تاما للتنظيم؛ حيث تجتاح عشرات السيارات المعروضة للبيع جنبات الطرق الرئيسية والممرات المؤدية إلى الإقامات السكنية بالتجزئات المجاورة، بل وتمتد إلى وسط الشارع، مما يخلق شللا مروريا تاما يمتد لساعات طوال، ويحول المنطقة إلى عنق زجاجة يخنق حركة السير، مما يؤجج موجة من الغضب والاحتقان في صفوف السائقين العابرين وساكنة الحي على حد سواء.
وأكدت التصريحات المستقاة من عين المكان أن المتضرر الأكبر من هذا السوق العشوائي هم ساكنة الإقامات المجاورة. ورغم أن تواجد السوق قرب الجامعة لا يؤثر على الطلبة لكون يوم الأحد يوم عطلة، إلا أن الساكنة تجد نفسها في حالة “حصار” حقيقي.
وأشار المواطنون إلى أن ساكن الحي الذي يرغب في العودة إلى منزله رفقة أسرته يوم الأحد، يجد نفسه مجبرا على قضاء ساعة كاملة من الانتظار وسط طوابير السيارات فقط للوصول إلى باب عمارته، مما يصادر حقهم في الراحة والسكينة في يوم عطلتهم الأسبوعية.
من جهته، وصف “محمد”، وهو أحد ساكنة منطقة بنسودة بفاس، المشهد بالمنطقة بأنه “خارج عن السيطرة”، مبرزا في تصريح لجريدة “العمق” أن الباعة والسماسرة يتجاهلون المساحات التي يمكن الاصطفاف فيها، ويعمدون إلى ركن سياراتهم وسط الطريق العام، بل إن البعض يترك سيارته وسط الشارع ويغادرها، مما يتسبب في شلل تام لحركة السير.
وحذر المتحدث من التبعات الأمنية لهذا العشوائية، مشيرا إلى أن هذا الاكتظاظ يولد احتكاكات يومية بين المواطنين، تتطور غالبا إلى مشادات كلامية وشجارات، ناهيك عن الأخطار المحدقة بالمارة والسائقين بسبب غياب التنظيم.
أحد السائقين، أكد أيضا في حديثه للجريدة أنه احتُجز لأكثر من ساعتين داخل سيارته من أجل عبور مقطع طرقي صغير لا يتجاوز بضعة أمتار، مشددا على أن الوضع بات خارج السيطرة، وأن التدخل العاجل للسلطات المحلية والأمنية لتنظيم حركة السير وتحرير الملك العام أصبح ضرورة ملحة ولا تقبل التأجيل.
وتساءل المتحدث بحرقة عن مصير الحالات الطارئة في ظل هذا الاختناق، قائلا: “السيارات تُركت مركونة في وسط الشارع العام بشكل يعرقل حركة السير تماما.. نتساءل: من أين سيمر المريض؟ أو الشخص الذي لديه حالة مستعجلة برفقة عائلته وأبنائه؟”، محملا السلطات المحلية والأمنية المسؤولية الكاملة عن هذا الوضع، مطالبا بضرورة تواجدها الميداني لفرض النظام وحماية مستعملي الطريق.
وفي السياق ذاته، عبر ياسين، عضو مكتب ودادية البساتين، في تصريح لجريدة “العمق”، عن تذمر الساكنة الشديد من هذا الوضع، قائلا “إن أصوات المحركات العالية، وضجيج المنبهات المتواصل، والصراخ والملاسنات التي ترافق عمليات البيع والشراء، حرمت السكان بشكل كامل من الراحة الأسبوعية التي ينتظرونها بعد أسبوع من العمل”.
وأوضح الفاعل الجمعوي أن “الحصار” المضروب على الحي يدفع العديد من العائلات إلى إلغاء التزاماتهم أو تفادي الخروج صباح يوم الأحد لقضاء أغراضهم خوفا من الاكتظاظ، مبرزا أن ذلك يشكل عبئا نفسيا وماديا في الحالات الاستعجالية أو المرضية؛ حيث يجد السكان أنفسهم عاجزين عن إخراج سياراتهم، أو إدخال سيارات الإسعاف، مما يضطرهم للبحث عن مسالك ترابية بديلة أو الدخول في مشادات لفتح الطريق.
من سوق للسيارات إلى “جوطية” عشوائية
عبد الغني بلقاضي، أحد المواطنين المتابعين للوضع، كشف لجريدة “العمق” أن غياب المراقبة شجع على تحول الفضاء إلى ما يشبه “الجوطية”، موضحا أن المكان لم يعد يقتصر على عرض السيارات، بل استغله باعة جائلون لنصب خيام وعربات لبيع الملابس المستعملة، والخضر والفواكه، وحتى المأكولات الخفيفة والعصائر، مما زاد من حدة الاكتظاظ وتلويث المحيط البيئي للحي السكني.
وأمام هذا الوضع، أجمع المتحدثون على ضرورة إيجاد حل جذري لهذه الأزمة. ووجه المواطنون نداء عاجلا للمجلس الجماعي لمدينة فاس والسلطات الولائية، من أجل التدخل لتغيير مكان هذا السوق، ونقله إلى وعاء عقاري بديل ومناسب.
وطالبوا بتوفير فضاء منظم يخضع للقوانين، تتوفر فيه شروط السلامة والتنظيم، بما يضمن للتجار مساحة لائقة لممارسة نشاطهم التجاري، وفي الوقت ذاته يحمي الساكنة من الضجيج والفوضى، ويعيد الانسيابية لحركة السير بشوارع المدينة.