كثرت في السنوات الأخيرة التعاسة والحرمان والحسرات في حياة أصحاب الدخل المحدود بسبب كثرة المصاريف والديون وغلاء المعيشة وهزالة الرواتب، ولم نعد نشعر بالسعادة والطمأنينة وراحة البال، أما الرفاهية وجودة الحياة فهما مفقودتان من حياتنا اليومية منذ مدة طويلة. وقد تسبب لنا كلٌّ من الملل والروتين في الضجر، وأفقدانا طعم الحياة التي نتمنى أن تكون طيبة وسعيدة في المستقبل.
لن تنصلح أحوالنا إلا بإيقاف عدة أمور تشتت انتباهنا، مثل كثرة الدخول إلى الإنترنت، وكثرة مشاهدة التلفاز، والاهتمام المبالغ فيه بعامة الناس. ومن الكياسة والتفطن اغتنام الوقت في فضائل الأعمال، مثل عبادة الله، والإكثار من القراءة والكتابة، وممارسة رياضة المشي، والاهتمام بالأمور الشخصية، والتركيز على جلب المصالح والأمور التي ستعود علينا بالنفع والخير. كما يُستحسن تنظيم الوقت وحسن تدبيره وصرفه في أعمال إبداعية وخلاقة.
مطلوب منا أن نجاهد أنفسنا، وأن نمنعها من التمادي في المحرمات، وأن نبتعد عن الشبهات سعيًا إلى سلوك طريق الهداية والاستقامة. ومن الجميل أن ننشغل بالأفكار المبدعة والملهمة والراقية فقط، وأن نتوقف عن الدوران حول الأحداث والأشخاص والأشياء. وكلما قرأنا كتبًا في تخصصات مختلفة حاربنا الروتين الذي نشعر به في حياتنا. ومن الجميل أيضًا أن نتصف بالصبر وسعة الصدر، وكلما ابتعدنا عن الأماكن والأمور التي تقلل من شأننا فإننا سنسير حينئذ في الطريق الصحيح.
أنواع البر والمعروف كثيرة، منها الصدقة وأعمال التطوع، وخدمة المجتمع المغربي بطرق متعددة، وإدخال الفرح والسرور على المقربين ثم عامة الناس، والدفاع عن المبادئ والقيم والأخلاق، والمساهمة في حل مشاكل الآخرين الفردية والجماعية، وإغاثة الملهوف، والدفاع عن الإنسان المستضعف والمظلوم، ونشر التدين والوعي والمعرفة والثقافة بين أفراد المجتمع بطرق متعددة في الواقع والإنترنت.
يطلب الدين الإسلامي من المسلم أن ينتصر على نفسه، وأن يقودها برفق إلى الله، وأن يسعى ليكون بكليته لله. قال تعالى: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”. ومن الجميل أن يقصد المسلم بجميع أقواله وأعماله وجه الله والدار الآخرة، وكلما أقبل المسلم على الله وتصالح معه، وقام بأعمال صالحة كثيرة تكون مخبوءة، أمكنه أن يسأل الله بها عند الشدة والعسر.
كلما قَوِيَت عقيدة المسلم وحرص على أن تكون صحيحة، قوي إيمانه بالله، وعمل صالحًا من جديد. وعندما يتفكر المسلم في بديع صنع الله، وفي السماوات والأرض، وفي نفسه، فإنه يتيقن بأن الله عظيم، ومالك الملك والملكوت، وهو رب الدنيا والآخرة، وهو الرقيب على أعمالنا، وهو وحده المستحق للعبادة بحق.
جاء في حديث قدسي أن بكاء التائبين أحب إلى الله من صراخ العابدين، وكل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون. وكلما تاب المسلم إلى ربه وأناب إليه واستقام على دين الله، وسعته رحمة الله وشملته. وإن ابتعاد المسلم عن الرذائل والنقائص وسفاسف الأمور والمغريات، إضافة إلى بعده عن النواهي الإلهية والنبوية والمحرمات والشبهات، وقيامه بالفرائض ومحافظته على السنن، سبيلٌ إلى عفو الله عنه، ومحبة الله له، وإنزال البركة في رزقه.
قال ابن القيم الجوزية في كتاب الفوائد:
“الطريق ناح فيه نوح، وأُلقي في النار إبراهيم، ونُشر بالمنشار زكريا، وقُطع رأس نبي الله يحيى، وأُدميت قدما النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ورُمي بالحجارة، وجُلد أحمد بن حنبل بالسياط… وها نحن على الطريق”.
وهذا صحيح، لأن طريق الله ليست مفروشة بالورود والرياحين، بل مليئة بالمطامع وقطاع الطرق.
وقال أحمد الراشد:”إذا دخل النور والعرفان إلى القلب خرج منه الزور والبهتان ووساوس الشيطان”.وإلزام النفس بالفرائض،وإبعادها عن النواهي والشبهات، وعن لغو الكلام، دليل على توفيق الله لصاحبها. قال الله تعالى: “والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم”، وقال أيضًا: “فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم”.
جاء رجل إلى سفيان الثوري فقال له:”إني أشكو مرض البعد عن الله”، فقال:”عليك بعروق الإخلاص، وورق الصبر، وعصير التواضع، ضع ذلك في إناء التقوى، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد عليه بنار الحزن، وصفِّه بمصفاة المراقبة، وتناوله بكف الصدق، واشربه من كأس الاستغفار، وتمضمض بالورع، وأبعد نفسك عن الحرص والطمع، تُشفَ من مرضك بإذن الله”.