منتدى العمق

دور مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في ترسيخ الأمن الروحي بإفريقيا جنوب الصحراء

تقديم

أضحى الدين، خلال العقود الأخيرة، أحد أهم محددات الاستقرار والاضطراب في إفريقيا جنوب الصحراء، لا بوصفه معطًى عقديًا صرفًا، بل باعتباره مجالًا لإنتاج المعنى والشرعية وإعادة تشكيل الولاءات داخل مجتمعات تتسم بهشاشة الدولة وتعدد أنماط التدين. وقد جعل هذا الوضع الحقل الديني فضاءً مفتوحًا للاختراق الإيديولوجي، حيث تلتقي التأويلات المتشددة مع الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، فيتحول الدين من رافعة للتماسك إلى عامل مضاعف للصراع.

وأمام محدودية المقاربات الأمنية الصِّرفة في معالجة التطرف العنيف، تبلور مفهوم الأمن الروحي باعتباره مقاربة وقائية تعالج الجذور الرمزية والقيمية للهشاشة، عبر إعادة تنظيم المجال الديني، وضبط إنتاج الخطاب العقدي، وترسيخ المرجعيات المعتدلة القادرة على تحصين المجتمع من الانزلاق الراديكالي. وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة في السياق الإفريقي، حيث تتسم البنيات الدينية بضعف التأطير المؤسسي وانتشار شبكات دعوية عابرة للحدود.

في هذا السياق، برزت المقاربة المغربية في تدبير الشأن الديني كنموذج متميز، يقوم على ثلاثية مرجعية متكاملة: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، بما يوفر وحدة عقدية وفقهية وروحية تضمن الوسطية والاستقرار. ولم يظل هذا النموذج حبيس المجال الوطني، بل تحول إلى رصيد استراتيجي في السياسة الإفريقية للمغرب، حيث جرى توظيفه في إطار دبلوماسية دينية قائمة على نقل نموذج التأطير بدل تصدير الخطاب.

ضمن هذا الأفق، أُحدثت مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2015 باعتبارها آلية مؤسساتية عابرة للحدود، تهدف إلى توحيد المرجعية الدينية الإفريقية، وتأطير العلماء، وبناء جبهة فكرية من داخل الحقل الديني نفسه لمواجهة التطرف. وبذلك، جسّد إحداث هذه المؤسسة انتقالًا من التأثير الروحي التقليدي إلى نموذج مؤسساتي للأمن الروحي، يسهم في تحصين إفريقيا دينيًا، ودعم استقرارها وتنميتها في أفق استراتيجي مستدام.

إشكالية البحث

انطلاقا من التحولات العميقة التي يعرفها الحقل الديني في إفريقيا جنوب الصحراء، وما يرافقها من تصاعد للتطرف، وتعدد في المرجعيات، وهشاشة في التأطير المؤسسي، برز مفهوم الأمن الروحي باعتباره مدخلًا تفسيريًا جديدًا لمعالجة اختلالات المجال الديني.

غير أن هذا الطرح يثير إشكالًا مركزيًا يتمثل في مدى قدرة المقاربات الدينية المؤطرة مؤسساتيًا، وعلى رأسها النموذج المغربي، على الانتقال من مستوى التأطير الرمزي والخطابي إلى مستوى التأثير الفعلي في بنية الحقل الديني الإفريقي، خاصة في ظل تعقيد السياقات المحلية، وتداخل العوامل الدينية والسياسية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، تطرح مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة نفسها بوصفها آلية مؤسساتية لتفعيل هذا النموذج خارج حدوده الوطنية، مما يثير تساؤلات حول حدود نجاعتها، وطبيعة تأثيرها، وإمكانات استدامة تدخلها في بيئة دينية متعددة الفاعلين والمرجعيات.

وعليه، تتمحور إشكالية هذا البحث حول السؤال المركزي الآتي:

إلى أي حد استطاعت مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة أن تُسهم في ترسيخ الأمن الروحي بإفريقيا جنوب الصحراء؟وهل يمثل تدخلها نموذجًا فعّالًا لإعادة بناء المرجعية الدينية، أم أنه يظل محدود الأثر أمام تعقيدات الحقل الديني الإفريقي؟

 أهداف البحث

يهدف هذا البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية المترابطة، التي تسعى إلى بناء فهم تحليلي وتقييمي لدور الأمن الروحي في السياق الإفريقي، وذلك من خلال:

    • تأصيل الأمن الروحي وتحليل دينامياته، من خلال بناء إطار مفاهيمي شامل للأمن الروحي لفهم دوره في استقرار المجتمعات الدينية بإفريقيا جنوب الصحراء. 
    • دراسة آليات اشتغال مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة .
  • تقييم فعالية النموذج المغربي في الأمن الروحي

المنهج المعتمد

يعتمد هذا البحث مقاربة منهجية متعددة الأدوات، منسجمة مع طبيعته التحليلية والتقويمية، وذلك من خلال:

  • المنهج الوصفي التحليلي: لتحديد المفاهيم المركزية (الأمن الروحي، الحقل الديني، المرجعية)، وتحليل بنية مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ووظائفها.
  • المنهج الاستقرائي: لتتبع النصوص التأسيسية للمؤسسة، والخطب الملكية، والوثائق الرسمية المؤطرة للنموذج الديني المغربي في إفريقيا.

خطة البحث

يعالج البحث اشكاليته وفق خطة منهجية تتمثل فيما يلي:

مقدمة

🔸   المطلب الأول: الأمن الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء: المفهوم والسياق

🔸 المطلب الثاني: مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: النشأة والمرجعية والوظائف

🔸 المطلب الثالث: أدوار المؤسسة في ترسيخ الأمن الروحي بإفريقيا جنوب الصحراء

خاتمة

المطلب الأول: الأمن الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء: المفهوم والسياق

  يُشكِّل مفهوم الأمن الروحي أحد المفاتيح التحليلية الجديدة لفهم ديناميات الاستقرار والاضطراب في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث لم يعد الدين مجرد عنصر ثقافي أو طقوسي، بل أضحى فاعلًا مركزيًا في إنتاج الشرعية، وتشكيل الهويات، وتوجيه السلوك الفردي والجماعي. وفي فضاء تتقاطع فيه الهشاشة المؤسساتية مع كثافة التدين، يغدو الحقل الديني ساحةً للتنافس الإيديولوجي، تتنازعها مرجعيات محلية تاريخية وتيارات عابرة للحدود تسعى إلى إعادة تشكيل المعنى الديني بما يخدم مشاريعها الرمزية والسياسية.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة رهانات الاستقرار في المنطقة من زاوية أمنية أو عسكرية صرفة، بل يقتضي الأمر تفكيك البنية الروحية والرمزية التي تُنتج أنماط التدين، وتؤطر العلاقة بين الدين والمجتمع والدولة. ذلك أن الأمن الروحي لا يتعلق فقط بصحة الاعتقاد الفردي، بل باستقرار المجال الديني العام، وضبط آليات إنتاج الخطاب الديني، وحماية المرجعية من التفكك والاختراق.

وعليه، يسعى هذا المطلب إلى بناء الإطار المفاهيمي والسياقي الضروري لفهم هذه الرهانات، وذلك عبر ثلاث مستويات متكاملة:

أولها، تأصيل مفهوم الأمن الروحي وتمييزه عن غيره من مفاهيم الأمن العقدي والديني؛
وثانيها، تحليل خصوصية الحقل الديني الإفريقي بما يحمله من هشاشة مرجعية وتعدد الفاعلين؛
وثالثها، تشخيص التحديات الناتجة عن التدين غير المؤطر وما يتيحه من فرص للاختراق الإيديولوجي والتطرف

الفقرة الأولى: مفهوم الأمن الروحي وتمييزه عن الأمن العقدي والأمن الديني

 يُقصد بالأمن الروحي ذلك النمط من الأمن الذي يستهدف حماية البنية العقدية والقيمية للمجتمع من الاختراق، والانحراف، والتوظيف الإيديولوجي للدين، عبر تأمين المرجعية الدينية، وضبط إنتاج الخطاب الديني، وتنظيم الفاعلين داخل الحقل الديني بما يضمن الاستقرار الرمزي والوجداني للجماعة. فهو لا يقتصر على سلامة الاعتقاد الفردي، بل يشمل سلامة الفضاء الديني العام من التفكك والصراع والتطرف.()

ويختلف الأمن الروحي عن الأمن العقدي الذي ينصرف أساسًا إلى حفظ صحة المعتقد ومطابقته للأصول العقدية، كما يختلف عن الأمن الديني الذي يُعنى غالبًا بحماية ممارسة الشعائر والمؤسسات الدينية من التهديدات المادية أو القانونية. فالأمن الروحي مفهوم أشمل، يجمع بين البعد العقدي، والتنظيمي، والقيمي، والسياسي، باعتباره أحد مكونات الأمن المجتمعي الشامل.()

وقد أظهر النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني أن استقرار الدولة لا يتحقق فقط عبر الأمن المادي، بل يمر كذلك عبر ضبط المجال الرمزي للدين، باعتباره مجالًا لإنتاج المعنى والشرعية والهوية، وهو ما جعل مفهوم الأمن الروحي ركيزة في السياسة الدينية العمومية.()

الفقرة الثانية: خصوصية الحقل الديني في إفريقيا جنوب الصحراء

يتميز الحقل الديني في إفريقيا جنوب الصحراء بخصائص بنيوية تجعل مسألة الأمن الروحي أكثر تعقيدًا من غيرها من المجالات، من أبرزها:

  • ضعف التأطير المؤسسي: إذ يغلب على التدين الطابع التقليدي القائم على الزوايا، والمشايخ، والتدين الشفوي، دون وجود سلطة علمية مركزية تضبط المرجعية.()
  • التعدد المرجعي: حيث تتعايش أنماط الإسلام الصوفي التاريخي مع تيارات سلفية، وحركات دعوية مستوردة، وتنظيمات ذات مرجعيات جهادية.()
  • الارتباط العضوي بين الدين والهوية الاجتماعية، ما يجعل أي اختراق ديني يتحول سريعًا إلى توتر اجتماعي أو سياسي.()

 هذه الخصائص تجعل الحقل الديني الإفريقي فضاءً مفتوحًا للتنافس الإيديولوجي، حيث لا تُنتج الشرعية الدينية داخل مؤسسات علمية وطنية، بل في شبكات عابرة للحدود، وهو ما يضعف المناعة الروحية للمجتمعات.

 ومن هنا، يبدو أن الرهان الحقيقي في إفريقيا اليوم ليس القضاء على الجماعات المتطرفة فقط، بل استعادة السيادة على المجال الديني، أي إعادة بناء منظومة المرجعية، والتكوين، والشرعية العلمية، داخل المجتمعات نفسها. وهذا ما يجعل مقاربة الأمن الروحي، كما تبلورت في النموذج المغربي، أكثر نجاعة على المدى المتوسط والبعيد عن  أي مقاربة عسكرية منفردة، لأنها تشتغل في مستوى إنتاج المناعة لا في مستوى رد الفعل.

الفقرة الثالثة: تحديات التدين غير المؤطر وخطر الاختراق الإيديولوجي

أدت هشاشة البنية التأطيرية للحقل الديني في إفريقيا جنوب الصحراء إلى بروز أنماط من التدين غير المؤطر علميًا ومؤسساتيًا، وهو ما فتح المجال أمام حركات راديكالية لتقديم تأويلات متشددة للدين، تستثمر في الفقر المعرفي وضعف التكوين الشرعي لنشر خطاب تكفيري أو إقصائي.()

 وقد بيَّنت دراسات إفريقية معاصرة أن الجماعات المتطرفة لا تنتشر أساسًا عبر القوة العسكرية، بل عبر إعادة تشكيل المرجعية الدينية داخل المجتمعات المحلية، من خلال المدارس القرآنية غير المراقبة، والدعاة غير المؤهلين، وشبكات التمويل الخارجي.(.) وفي هذا السياق، يتحول غياب الأمن الروحي إلى ثغرة استراتيجية تُستغل لإعادة إنتاج العنف وعدم الاستقرار.

ومن هنا تبرز أهمية المقاربة القائمة على تحصين المجال الديني بدل الاقتصار على تفكيك البنى المسلحة، لأن التجربة الإفريقية، كما تكشفها الوقائع الميدانية، تُبيِّن أن القضاء على التنظيمات المتطرفة عسكريًا لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التطرف، ما دامت الشروط الرمزية والمعرفية التي أنتجته لا تزال قائمة. فالعنف الجهادي ليس سوى الوجه الصلب لاختلال أعمق يتمثل في انهيار منظومة المرجعية الدينية، وغياب مؤسسات قادرة على ضبط إنتاج المعنى الديني داخل المجتمع.

وعليه، فإن استدامة الاستقرار لا يمكن أن تُبنى فقط على منطق الردع، بل على إعادة هندسة الحقل الديني عبر مرجعية مؤطرة، وتكوين علمي رصين، ومؤسسات قادرة على إنتاج خطاب ديني وطني وقاري يجمع بين الأصالة والانفتاح. فالأمن الروحي، في هذا المعنى، ليس ترفًا فكريًا، بل هو شرط بنيوي للأمن المجتمعي والسياسي في إفريقيا جنوب الصحراء، لأنه يشتغل على مستوى الوقاية لا على مستوى العلاج، وعلى مستوى بناء المناعة لا على مستوى إطفاء الحرائق.

المطلب الثاني: مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: النشأة والمرجعية والوظائف

  معلوم أن تعزيز الأمن الروحي لا يقتصر على خطاب نظري، بل يستلزم بنية مؤسساتية قادرة على إنتاج المعنى الديني المعتدل، وتنظيم الفاعلين، وتأطير المجتمعات.

 وقد جاءت مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة استجابةً لتحديات مركبة في الحقل الديني الإفريقي، أبرزها هشاشة التأطير المؤسسي، تعدد المرجعيات، وانتشار تيارات راديكالية، ما جعل توحيد المرجعية على أسس العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني ضرورة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار الروحي والاجتماعي.

 وتتجاوز وظائف المؤسسة النصح والإشراف على العلماء إلى إنتاج خطاب ديني متكامل، وتعزيز السلم المجتمعي عبر برامج تكوينية ومؤتمرات وشبكات علماء منتشرة في البلدان الإفريقية، مما يجعلها حلقة وصل مركزية بين السياسة الدينية المغربية والأمن الروحي القاري.

الفقرة الأولى: سياق الإحداث وأبعاده الاستراتيجية 

 تأسست مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة سنة 2015 بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.15.75، في إطار السياسة المغربية الرامية إلى تفعيل الدبلوماسية الدينية وتعزيز الأمن الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء(.)

 ويأتي إحداث المؤسسة استجابةً لمجموعة من المتغيرات الاستراتيجية العميقة التي شكلت رهانات استقرار الحقل الديني والإقليمي، وتستدعي قراءة مركبة بين البعد الديني والسياسي والاجتماعي.

أول هذه المتغيرات هو تصاعد التطرف الديني والانقسامات العقدية، الذي أفرزته هشاشة مؤسسات التدريس الديني في دول الساحل وغرب إفريقيا، وانتشار المدارس القرآنية غير المنظمة، والهيمنة الرمزية لشبكات دينية غير مؤهلة.() وقد أثبتت الدراسات أن هذه الظاهرة لا ترتبط بالقوة العسكرية فحسب، بل بغياب إطار مؤسسي قادر على ضبط المرجعية وإعادة إنتاج الخطاب الديني المعتدل.

ثاني المتغيرات هو الحاجة إلى توحيد المرجعية الدينية، وهو رهان أساسي لحماية الفضاء الروحي الإفريقي من الانحرافات الإيديولوجية. فقد أصبح من الضروري تقديم نموذج وسطي متكامل قائم على العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، لضمان الاستقرار العقدي والاجتماعي، وتأطير العلماء المحليين، وتعزيز قدرة الفاعلين الدينيين على مواجهة الخطاب الراديكالي داخليًا.()

ثالثًا، يمثل تعزيز القوة الناعمة المغربية بعدًا استراتيجيًا في السياسة الخارجية المغربية. إذ لا يقتصر الدور المغربي على تقديم نموذج معرفي فقهي، بل يمتد إلى استثمار البعد الروحي المشترك مع الشعوب الإفريقية، عبر إشراف علماء مؤطرين، وتنظيم برامج تكوينية ومؤتمرات علمية، وتأسيس شبكات علماء متصلة، بما يضمن نقل نموذج الأمن الروحي المغربي إلى مستوى قاري مؤثر(.)

ومن هذا المنظور، يتضح أن المؤسسة ليست مجرد جهاز إداري أو هيئة استشارية، بل أداة استراتيجية متعددة الوظائف: فهي تعمل على استقرار المجال الديني، حماية المجتمعات من الاختراق الإيديولوجي، وترسيخ حضور المغرب الرمزي والمؤسسي في القارة. كما تمثل المؤسسة حلقة وصل بين السياسة الدينية المغربية والأمن الروحي الإفريقي، ما يجعلها نموذجًا فريدًا للتكامل بين الدبلوماسية، المرجعية الدينية، والاستقرار المجتمعي(.)

الفقرة الثانية: المرجعية الدينية للمؤسسة 

 تستند المرجعية الدينية لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة إلى إطار معرفي متكامل يجمع بين العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني. ويُعد هذا التكامل من العناصر الجوهرية للنموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، إذ يربط بين البُعد العقدي والفقهي والروحي، ويوفر للمؤسسة أساسًا معرفيًا قويًا لإنتاج خطاب ديني معتدل قادر على مواجهة تحديات التطرف وتحقيق الأمن الروحي داخل المجتمعات الأفريقية.

  • العقيدة الأشعرية

تمثل العقيدة الأشعرية الإطار العقدي المرجعي الذي يضبط الاعتقاد ويحمي المجتمع من الانحرافات الفكرية والغلوّ، من خلال تأصيل منهجي يجمع بين النقل والعقل. ومن أشهر النصوص التي تلخص هذا التكامل العقدي متن ابن عاشر لعالم المغرب الكبير عبد الواحد بن عاشر، الذي جمع في منظومته بين أصول الإيمان والفقه المالكي والطريقة الصوفية في هيكل معرفي واحد . ويمثل هذا النص مرجعًا تاريخيًا في الترابط العقدي-الفقهي-الروحي في غرب إفريقيا، وقد استخدم تاريخيًا في مؤسسات التعليم التقليدي والكتاتيب، مما يعكس عمق انصهاره في الثقافة الدينية المغربية والمغاربية.

  • المذهب المالكي

 يشكل المذهب المالكي الإطار الفقهي المرجعي السائد في المغرب وشمال وغرب إفريقيا، لما يمتاز به من مرونة فقهية وتوافق مع الواقع الاجتماعي المحلي. ويبرز خالد زهري في كتابه الفقه المالكي والكلام الأشعري كيف يمكن للفقه المالكي أن يجمع بين ضبط الممارسة الدينية والحفاظ على سلامة الاعتقاد، بما يعزز دور المرجعية الفقهية في حماية المجتمع من التأويلات المتشددة(.)

  •  التصوف السني

يمثل التصوف السني البعد الروحي والأخلاقي للمرجعية المغربية، وهو عنصر مهم في تعزيز التسامح والتعاون الاجتماعي والتعايش السلمي. ويُظهر التراث الصوفي المغربي أهمية هذا البعد في تكامل شخصية المسلم بين العقيدة والفقه والأخلاق الروحية. ومن أبرز الأعمال التي توضح هذا التكامل تفسير أبو حفص أحمد بن عجيبة المعروف بـ البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، الذي يجمع بين التفسير الظاهري والقراءات الروحية العميقة في ضوء فهم سني معتدل() .

   ويُمكّن هذا التكامل العلماء الأفارقة من مواجهة التيارات المتشددة والتأويلات الراديكالية ، وهو ما يجعل خطاب المؤسسة متماسكًا، ومبنيًا على الحجة والمرجعية العلمية الشرعية. كما يمنح المؤسسة القدرة على أداء دور مؤسساتي محوري في الأمن الروحي والاستقرار المجتمعي، من خلال تأطير العلماء، وتنظيم الدورات التدريبية، وإنتاج المؤلفات والمنشورات العلمية، وإقامة المنتديات والملتقيات القارية التي تجمع مختلف الفاعلين الدينيين.

الفقرة الثالثة: وظائف المؤسسة وأجهزتها وأنشطتها الإقليمية 

تعدّ مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة نموذجًا متقدّمًا في التدبير المؤسسي للأمن الروحي على المستوى القاري، إذ لا تشتغل كهيئة دعوية تقليدية، بل كجهاز استراتيجي لإنتاج وتنظيم الشرعية الدينية داخل الفضاء الإفريقي. وقد حدّد الظهير الشريف رقم 1.15.75 المنظم للمؤسسة وظائفها الأساسية في توحيد جهود العلماء، ونشر قيم الإسلام الوسطي، وترسيخ المرجعية الدينية المشتركة، وتعزيز التعاون العلمي والدعوي بين بلدان إفريقيا، بما يخدم الاستقرار الديني والاجتماعي(.)

وتتوزع هذه الوظائف عبر بنية تنظيمية متكاملة، يتصدرها المجلس الأعلى للمؤسسة برئاسة أمير المؤمنين، ويضم رؤساء فروع المؤسسة في الدول الإفريقية الأعضاء، ويضطلع بوضع التوجهات الاستراتيجية، والمصادقة على البرامج، وتقييم حصيلة الأنشطة. ويُعدّ هذا المجلس آلية غير مسبوقة لتوحيد القرار الديني الإفريقي داخل إطار مرجعي مؤسساتي، بما يحدّ من التشتت الذي طالما ميّز الحقل الديني في القارة(.)

أما على المستوى التنفيذي، فتتولى الفروع الوطنية للمؤسسة تنفيذ البرامج التأطيرية والتكوينية داخل الدول الإفريقية، وفق مقاربة تشاركية تحترم الخصوصيات المحلية، لكنها تشتغل ضمن مرجعية عقدية وفقهية وروحية موحّدة. ويؤدي هذا النموذج إلى خلق ما يسميه باحثو الدين والسياسة بـ“شبكة سيادة روحية عابرة للحدود”، حيث يتم إنتاج الخطاب الديني داخل المجتمعات المحلية، ولكن ضمن إطار معرفي مشترك يمنع الاختراق الإيديولوجي(.)

وتتجسد أنشطة المؤسسة الإقليمية في برامج عملية ذات أثر مباشر على الأمن الروحي، من أبرزها تنظيم المسابقات القرآنية القارية، ومسابقات الحديث النبوي الشريف، والملتقيات العلمية للعلماء الأفارقة، وهي أنشطة لا تقتصر على البعد التعبدي، بل تؤدي وظيفة استراتيجية في إعادة بناء الهيبة العلمية للمرجعية المالكية الأشعرية داخل المجتمعات الإفريقية. فقد بيّن تقرير رسمي لوزارة الأوقاف أن هذه الأنشطة تستقطب سنويًا مشاركين من أكثر من أربعين دولة إفريقية، ما يجعلها أكبر شبكة تواصل علمي ديني في القارة(.)

كما تضطلع المؤسسة بدور مهم في تكريم العلماء الأفارقة ودعم البحث الشرعي، عبر جوائز علمية ومنح، وهو ما يساهم في إعادة الاعتبار للعلماء المحليين كوسطاء شرعيين لإنتاج المعنى الديني، بدل ترك هذا الدور لشبكات دعوية غير مؤهلة أو ذات ارتباطات أيديولوجية خارجية. وقد أظهرت دراسة لمعهد الدراسات الإفريقية أن دعم العلماء المحليين هو أحد أهم آليات تحصين المجتمعات من التطرف، لأنه يعيد بناء الثقة بين المجتمع والمرجعية الدينية الوطنية(.)

ويبرز من خلال هذه الوظائف أن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة لا تشتغل بمنطق الوعظ أو التدخل الظرفي، بل بمنطق إعادة هندسة الحقل الديني الإفريقي عبر أدوات مؤسساتية مستدامة: تكوين، شبكات علماء، إنتاج رمزي، وشرعية علمية. وهو ما يجعلها أحد أهم تجليات القوة الناعمة المغربية في إفريقيا، وأحد أكثر النماذج تقدمًا في ربط الدين بالأمن والاستقرار والتنمية.

 المطلب الثالث: أدوار المؤسسة في ترسيخ الأمن الروحي بإفريقيا جنوب الصحراء

الفقرة الأولى: توحيد المرجعية الدينية ومواجهة التطرف

في عمق المشهد الديني بإفريقيا جنوب الصحراء تتجلّى أزمة الشرعية والمعنى كأحد أخطر الإشكالات التي تواجه الحقل الديني المعاصر، إذ لا يقتصر الخطر على مظاهر العنف الظاهرة أو النزاعات الأمنية وحدها، بل يشمل تفكّك المرجعيات العقدية والفقهية إلى منافذ معرفية متعددة غير مؤطرة، ما يجعل الخطاب الديني في حالة تشتّت معرفي دائم يسهّل أمامه المجال لإعادة التأويل من قبل تيارات راديكالية تميل إلى اختزال النص الديني في ثنائية ضيقة لا تراعي تعقيد الواقع المعاصر ولا خصوصيات الثقافات المحلية(). ويكمن جوهر هذه الأزمة في الفراغ المعرفي الشرعي؛ فهو ليس مجرد نقص معرفي بسيط، بل هو خلل منهجي يؤدي إلى انتشار سرديات بديلة تتبنّاها الجماعات المتشددة لتبرير أفعالها وتغذية خطابها، بعيدًا عن ضوابط علمية ومرجعيات ثابتة.

وفي مواجهة هذا الواقع المفكك، تبرز مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة كفاعل مؤسسي قادر على تقديم مرجعية دينية موحدة ومتوازنة، لا بوصفها منظومة معيارية جامدة، بل كإطار فكري وعقائدي شامل يجمع بين العقيدة الأشعرية، المذهب المالكي، والتصوف السني، باعتبارها عناصر تأسيسية للتقاليد الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء، ما يمنحه قدرة على قراءة النص الديني في أبعاده التاريخية والاجتماعية والثقافية دون تجزئته إلى مفاهيم متناثرة.

وما يميّز هذا النموذج أيضًا أنه لا يسعى إلى فرض توحيد قسري للمرجعيات، بل إلى إعادة تأسيسها على قواعد علمية واضحة يشعر بها الفاعلون المحليون كجزء من هويتهم ومنظومتهم الثقافية، مما يعزز قدرتها على مواجهة محاولات التفسير المتشددة من داخل المجتمع نفسه. 

وعند المقارنة مع نماذج مؤسسية أخرى في الحقل الإسلامي – مثل مدرسة الأزهر الشريف التي تعتمد في خطابها على مركزية التكوين واستقطاب الطلبة من مختلف البلدان داخل منظومات تعليمية مركزية – يتبيّن أن النموذج المغربي يتجه نحو إدماج الحوار المحلي في بناء المرجعية، بحيث يكون التأطير معرفيًا ومجتمعيًا في آنٍ واحد، مما يزيد من فعالية الاستجابة لتحديات التطرف داخل الفضاءات المحلية ذاتها، ويبرز المرجعية كرافعة حضارية لها جذور متينة في الثقافة المحلية والعالمية على حد سواء.

وتتجسد هذه الوظيفة في برامج تكوين العلماء والأئمة الأفارقة، وفي المنتديات العلمية القارية التي تنظمها المؤسسة، حيث يتم توحيد الخطاب حول القضايا العقدية والفقهية الحساسة (الجهاد، التكفير، الولاء والبراء، الخلاف المذهبي)، داخل إطار علمي مالكي–أشعري يُفكك التأويلات المتطرفة دون صدام ثقافي مع المجتمعات المحلية. وقد وثّق تقرير ISS Africa أن المقاربات القائمة على “إعادة بناء السلطة الدينية المحلية” هي الأكثر فاعلية في كبح التطرف في غرب إفريقيا مقارنة بالمقاربات الأمنية الصرفة(.).

وعليه، فإن إسهام مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في مواجهة التطرف لا يتم عبر الخطاب المضاد فقط، بل عبر تجفيف منابعه الرمزية، من خلال ترسيخ مرجعية علمية مؤطرة تُعيد للدين وظيفته الأصلية بوصفه رافعة للمعنى، والسلم، والاندماج الاجتماعي، لا أداة للصراع والإقصاء.

الفقرة الثانية: تأطير العلماء والفاعلين الدينيين الأفارقة

يمثل العلماء والفاعلون الدينيون العمود الفقري للأمن الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء، بوصفهم الوسيط الشرعي بين النص الديني والواقع الاجتماعي(). ومع ذلك، تكشف الممارسة الميدانية عن حدود في نطاق وعمق برامج التأطير العلمي، التي غالبًا ما تقتصر على نقل المعارف العقدية والفقهية، مع محدودية التركيز على مهارات التواصل المجتمعي،والتفاعل مع التحولات الفكرية والاجتماعية المعاصرة().

 من هنا يظهر التحدي الأساسي والمتمثل في تحويل التأطير من عملية معرفية تقليدية إلى آلية بناء فاعلين دينين متفاعلين مع تعقيدات الواقع المحلي، وقادرين على مواجهة الخطاب المتطرف من داخل مجتمعاتهم.

 وتجسد مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة نموذجًا رائدًا في دمج العقيدة الأشعرية، والفقه المالكي، والتصوف السني ضمن برامجها التكوينية() ،ومع ذلك يظل تطبيق هذه الوحدة المرجعية محدود التأثير في بعض السياقات الإفريقية، نظرًا للاختلافات القبلية، واللغوية، والسياسية، ما يفرض تطوير آليات دعم ميدانية وشبكات متابعة مستدامة لضمان استمرار وفعالية التأثير على مستوى المجتمعات المحلية.

وعند مقارنة هذا النموذج بمؤسسة الأزهر الشريف على سبيل المثال، يظهر فرق استراتيجي ملحوظ: فالأزهر يعتمد على مركزية التكوين واستقطاب الطلبة من مختلف الدول، ما يمنحه ثقلًا علميًا دوليًا، لكنه يظل أقل قدرة على الاستجابة الدقيقة لخصوصيات المجتمعات المحلية()،في المقابل يحرص النموذج المغربي على إدماج الحوار المحلي ودمج الفاعلين المجتمعيين في برامج التأطير، مستفيدًا من البنية الاجتماعية والثقافية القائمة، إلا أنه يحتاج إلى تعزيز الأطر المؤسساتية لدعم استدامة التأثير وتوسيع التغطية الجغرافية، بما يمنع اقتصار أثره على النخب الأكاديمية فقط.

وعلى هذا الأساس فإن مسألة إعادة إدماج العلماء في الشبكات المؤسسية يعد محورًا يحتاج إلى مزيد عمل، فالأئمة وجميع المنتسبين للحقل الديني يحتاجون إلى متابعة مستمرة وأدوات تفاعلية للتعامل مع الخطاب المتطرف المتغير ويستلزم ذلك وضع برامج تأهيل مستمر، وابتكار تقنيات ميدانية تفاعلية، وآليات دقيقة لتقييم أثر التدخلات المجتمعية، مع التركيز على إدماج المرأة والشباب لتعزيز شمولية وفعالية الأمن الروحي.

وعليه، يمكن القول إن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة تحقق إنجازات معتبرة في توحيد المرجعية وتأطير العلماء، لكنها مطالبة بتوسيع البُعد الاستراتيجي التطبيقي، وتعميق الشبكات المحلية، وتطوير أدوات مراقبة الأداء والتقييم الميداني، ليصبح نموذجها مرجعًا مؤسساتيًا متكاملاً قادرًا على تحويل المرجعية الدينية إلى رافعة حضارية صامدة أمام التحديات المحلية والدولية للأمن الروحي.

الفقرة الثالثة: تعزيز السلم الديني والتعايش المجتمعي

يمثل تعزيز السلم الديني والتعايش المجتمعي ركيزة أساسية للأمن الروحي في إفريقيا جنوب الصحراء، إذ يكشف الواقع أن النزاعات الطائفية والتمزقات المجتمعية غالبًا ما تنشأ من ضعف البنية المؤسسية للحقل الديني وفراغ المرجعية الشرعية(). وقد أكّد تقرير الأمم المتحدة حول التعددية الدينية في الساحل الإفريقي أن “غياب التنسيق بين المرجعيات الدينية المحلية يفتح المجال للاحتكاكات بين الجماعات المختلفة، ويزيد من هشاشة المجتمع أمام الانقسامات الطائفية والإيديولوجية().

وفي هذا الإطار، تسعى مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة إلى ترسيخ ثقافة السلم والتعايش عبر مقاربة شاملة تدمج التأطير العقدي، والتعليم الفقهي، والتربية الروحية، لتنشئ فضاءً دينيًا متنوعًا ضمن ضوابط علمية مشتركة(). ويشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن “السلم الديني لا يتحقق عبر القوانين وحدها، بل عبر إنتاج خطاب ديني معتدل قادر على استيعاب الاختلاف وإرساء الثقة بين الفاعلين المحليين”().

ويبرز الدور الميداني للمؤسسة عبر ثلاثة محاور رئيسية:

  1. البرامج التعليمية والتكوينية المشتركة: تنظيم الدورات والملتقيات العلمية بمشاركة علماء ومؤسسات إفريقية متعددة، بهدف تبادل الخبرات، وترسيخ قيم التسامح، والحد من الصراعات الطائفية( ).
  2. التثقيف المجتمعي والتواصل الديني: عقد ورش عمل ولقاءات محلية للأئمة والوعّاظ لتعليم مهارات الحوار وإدارة الخلاف وتوضيح مفاهيم الوسطية. 
  3. الدعم الرمزي للقيادات الدينية المحلية: من خلال منح وجوائز وندوات علمية تعيد الاعتبار للمرجعيات التقليدية وتمنحها قدرة على احتواء النزاعات قبل تصاعدها.

 ويتجلى التحدي الجوهري في تعزيز هذه البرامج لضمان استدامتها، وذلك من خلال ربطها مباشرة بالواقع الاجتماعي والسياسي المحلي، وابتكار أدوات تقييم أثر فعّالة، لا سيما في المناطق التي تشهد توترات قبلية أو لغوية أو طائفية. ومن هذا المنظور، يظهر التباين الاستراتيجي مع نموذج الأزهر الشريف، الذي يركز على المركزية واستقطاب الطلاب من مختلف أنحاء العالم، ما يمنحه قوة علمية دولية لكنه يقلل من التكيف مع خصوصيات المجتمعات المحلية. في المقابل، يستثمر النموذج المغربي البنية الاجتماعية والثقافية القائمة، ويعزز الحوار المجتمعي، إلا أنه يحتاج إلى توسيع شبكاته الميدانية لضمان شمولية التأثير وتحويل المرجعية إلى رافعة حضارية للتعايش الاجتماعي(.).

وعليه، يمكن القول إن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة تحقق إنجازات ملموسة في بناء السلم الديني وتعزيز التعايش المجتمعي، لكنها مطالبة بتطوير الأطر المؤسساتية المستدامة، وتكثيف البرامج التكوينية الميدانية، وإدماج أدوات تقييم أثر متقدمة، بما يجعل المرجعية الدينية رافعة حضارية متينة، صامدة أمام التحديات المجتمعية والإيديولوجية المتغيرة.

خاتمة

يتضح من خلال هذا البحث أن الأمن الروحي لم يعد خيارًا تكميليًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لاستقرار إفريقيا جنوب الصحراء، في سياق تتداخل فيه الهشاشة المؤسسية مع تعدد المرجعيات الدينية وغياب التأطير الموحد. وقد أظهرت الدراسة أن الدين، عندما يغيب عنه التأطير المؤسسي والعلمي، يتحوّل من رافعة للتماسك الاجتماعي إلى أداة محتملة للتفكك والصراعات الرمزية والإيديولوجية.

من هذا المنطلق، يشكّل النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة على وجه الخصوص، تجربة فريدة في تحويل المرجعية الدينية إلى أداة استقرار ورقابة روحية وقائية، حيث:

  • أسهمت المؤسسة في توحيد المرجعية العقدية والفقهية والروحية عبر دمج العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني، مما أتاح إنتاج خطاب ديني معتدل قادر على مواجهة التطرف من الداخل، دون فرض نموذج قسري على المجتمعات المحلية. 
  • أطلقت برامج تأطير العلماء والفاعلين الدينيين، مع التركيز على التكوين المعرفي ومهارات الحوار المجتمعي، وهو ما أظهر أثرًا ملموسًا في تعزيز قدرة هؤلاء الفاعلين على احتواء النزاعات ومنع الانزلاق نحو التطرف. 
  • ساهمت في تعزيز السلم الديني والتعايش المجتمعي من خلال برامج تعليمية وورش عمل ومسابقات قرآنية وندوات علمية، أسست لثقافة الحوار والاعتراف بالاختلاف، وجعلت الفضاء الديني إطارًا للاندماج الاجتماعي وليس للتمزق الطائفي. 

كما بينت النتائج أن النموذج المغربي يمتاز بمرونته وقدرته على التكيف مع الخصوصيات المحلية مقارنة بالنماذج المركزية الأخرى، مثل الأزهر الشريف، مع ضرورة العمل على توسيع الشبكات الميدانية، وتعزيز أدوات تقييم الأثر، وإدماج الشباب والمرأة لضمان استدامة التأثير.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ليست مجرد هيئة مؤسساتية، بل رافعة حضارية قارية قادرة على إعادة بناء المرجعية الدينية، وخلق مناعة اجتماعية وثقافية ضد التطرف، وتحويل الدين إلى عامل توازن واستقرار، وليس مجرد إطار طقوسي أو رمزي. إن النجاح المتحقق حتى الآن يشكل قاعدة صلبة لتوسيع التجربة، ويؤكد أن الأمن الروحي يمكن أن يكون أداة استراتيجية للتنمية والاستقرار، ومحرّكًا لحوار حضاري فعال في إفريقيا جنوب الصحراء.

قائمة المصادر والمراجع

  • الأمم المتحدة. التعددية الدينية في منطقة الساحل الإفريقي. نيويورك، منشورات الأمم المتحدة، 2018.
  • بوصوف، عبد الله. المرجعية الدينية المغربية وإمارة المؤمنين. الرباط، المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، 2015.
  • بوصوف، عبد الله. الدبلوماسية الدينية للمغرب في إفريقيا. الرباط، المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، 2017.
  • بلقزيز، عبد الإله. الدين والسلطة في المجال الإسلامي. ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2012.
  • بكار، عبد الكريم المرجعية الدينية ودورها في الأمن الفكري، دار الفكر العربي، القاهرة
  • الريسوني أحمد ، الوسطية والتأطير الديني في إفريقيا، المجلة المغربية للدراسات الإسلامية، العدد 12، 2020.
  •   بلحسن، محمد، مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: رؤية واستراتيجية، المركز المغربي للأبحاث الإسلامية، الرباط، 2019،
  • علي جمعة، الأزهر الشريف والتكوين الديني العالمي، دار الشروق، القاهرة، 2017.
  • التازي، عبد الهادي. الإسلام في إفريقيا الغربية. ط1، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1999.
  • التوفيق، أحمد. إمارة المؤمنين والأمن الروحي. الرباط، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2016.
  • حجي، محمد. الزاوية والتصوف في المغرب وإفريقيا. ط1، منشورات كلية الآداب، الرباط، 2001.
  • الريسوني، فقه الثورة ومراجعات في الفكر الإسلامي، دار الكلمة، القاهرة، 2013.
  • زهري، خالد. الفقه المالكي والكلام الأشعري. ط1، دار الأمان، الرباط، 2013.
  • العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. ط3، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2005.
  • ظريف، محمد. الدين والدولة في المغرب وإفريقيا. ط1، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2014.
  • محمد يسف. إمارة المؤمنين وحماية الأمن الروحي. الرباط، منشورات المجلس العلمي الأعلى، 2018.
  • مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. التقارير السنوية والوثائق التنظيمية. الرباط، 2015–2024.
  • الأزهر الشريف، التقارير السنوية لبرامج التكوين الدولية، القاهرة، 2020.
  • وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. تقارير تكوين الأئمة الأفارقة والسياسة الدينية الخارجية. الرباط، 2013–2023.
  • الظهير الشريف رقم 1.15.75 بإحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، عدد 6354، سنة 2015.
  • Kepel, Gilles. Le djihad: Expansion et déclin de l’islamisme.
  • Triaud, Jean-Louis. Islam, confréries et sociétés en Afrique de l’Ouest.
  • African Center for Strategic Studies. Religious Extremism in the Sahel.
  • ISS Africa (Institute for Security Studies). Reports on Religion and Security in West Africa.
  • Programme des Nations Unies pour le Développement (PNUD / UNDP). Rapports sur l’extrémisme et la crise du sens en Afriqu