وجهة نظر

الهاربون إلى الشرق: مأساة الهوية المكسورة

تعيش فئة داخل المجتمع المغربي حالة قلق هوياتي عميق، تدفع أصحابها نحو البحث عن انتساب بعيد يمنحهم شعورا بالتفوق الرمزي ويرمم صورة الذات داخل وعيهم. هذه الرغبة تنمو داخل بيئات ثقافية تعاني ارتباكا حادا في فهم القيمة الإنسانية، فتربط المكانة الاجتماعية بأصل الدم، وتربط الشرف باسم العائلة، وتربط الاعتبار العام بحكايات الأسلاف. ويُولِّد هذا التصور علاقة مضطربة مع الهوية الوطنية، علاقة يطغى عليها التردد والانقسام، لأن الإنسان يفقد ثقته في محيطه القريب، ثم يشرع في صناعة نسب متخيل يعوض عبره شعوره بالنقص الرمزي.

تتجذر هذه الظاهرة عبر تراكمات تاريخية طويلة. فقد عرف المجال المغربي عبر قرون متتابعة سلطة رمزية ارتبطت بالمركز الديني والسياسي والثقافي، ثم اكتسبت بعض الأنساب مكانة استثنائية داخل المخيال الشعبي، فصار الانتساب إليها وسيلة تمنح صاحبها امتيازا معنويا داخل الجماعة. ومع مرور الزمن، ترسخت هذه الذهنية داخل الثقافة العامة، ثم تسللت نحو تفاصيل الحياة اليومية، فصار الاسم العائلي يؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز التعريف الشخصي، وصارت بعض الألقاب تفتح أبواب التقدير المسبق، وتمنح صاحبها سلطة رمزية تسبق فعله وسلوكه ومعرفته.

وتعكس هذه الحالة أزمة أعمق ترتبط بطبيعة الوعي الاجتماعي ذاته. فالإنسان الواثق من حضارته ينطلق من أرضه ومن تاريخه ومن مساهمة مجتمعه في بناء الحياة الإنسانية، أما الإنسان القلق فيتعلق بصورة بعيدة يظن أنها تمنحه قيمة إضافية. لذلك يكثر الحديث عن جذور قادمة من المشرق أو من الأندلس داخل بعض الأوساط، وكأن الأرض المحلية تعجز عن إنتاج الشرف والمعنى والمكانة. وتكشف هذه النزعة عن خلل ثقافي خطير، لأن صاحبها يتعامل مع هويته الأصلية بروح مترددة، ثم يذهب نحو استعارة مجد رمزي جاهز، فيعيش انفصالا داخليا بين واقعه الفعلي والصورة التي يرغب في تصديرها عن نفسه.

هذا السلوك يحمل أيضا مفارقة لافتة. فصاحب النسب المتخيل يعيش فوق أرض صنعت حضارة عريقة، ويتكلم لغة تشكلت عبر قرون داخل بيئة مغربية غنية، ويتحرك داخل مجتمع ساهم في إنتاج الفكر والعمران والفنون والتجارة والروحانية، ثم يقرر تجاهل هذا الرصيد الحضاري بأكمله، ويسعى نحو استعارة قيمة جاهزة من خارج المجال المحلي. وتكشف هذه المفارقة عن ضعف شديد في فهم معنى الانتماء الحقيقي، لأن الانتماء الحي يرتبط بالمشاركة في بناء المجتمع، ويرتبط بالفعل الثقافي والأخلاقي والإبداعي، ويرتبط بالإسهام في تطوير الحياة العامة.

وتتغذى هذه الظاهرة أيضا عبر التربية الاجتماعية. فالطفل يسمع منذ سنواته الأولى أحاديث تمجد بعض الأنساب وتمنحها قداسة رمزية، ثم يكتشف مع مرور العمر أن المجتمع يعامل أصحاب الألقاب المعروفة بطريقة مختلفة، فيترسخ داخله اقتناع بأن القيمة ترتبط بالسلالة أكثر من ارتباطها بالجهد والمعرفة. ومن هنا تنشأ أجيال تحمل وعيا طبقيا مقنعا برداء ثقافي أو ديني، أجيال تؤمن بالتفاضل الوراثي وتتعامل مع المجتمع بروح تراتبية قديمة. وتنتج هذه التربية عقلا محافظا يقدس الماضي ويخشى النقد ويبحث دائما عن شرعية مستمدة من الأسلاف.

وتقود هذه الذهنية نحو نتائج ثقافية خطيرة. فالإنسان المنشغل بالنسب ينصرف غالبا عن بناء ذاته الحقيقية. ينفق جهده في حراسة صورة متخيلة عن العائلة والأصل والامتداد التاريخي، ويهمل تطوير فكره ومعرفته وخبرته الإنسانية. ومع مرور الوقت يتحول الماضي نحو عبء ثقيل يعطل الطاقة الخلاقة داخل المجتمع، لأن الناس ينشغلون بمعارك الهوية الرمزية أكثر من انشغالهم بصناعة المستقبل. ويصبح الانتماء الوراثي بديلا عن الكفاءة، ويصير اللقب وسيلة للحصول على الاعتراف الاجتماعي، فتتراجع قيمة العمل والإبداع والاستحقاق.

وتكشف هذه الحالة عن أزمة في مفهوم الشرف نفسه. فالشرف داخل المجتمعات الحية يرتبط بالنزاهة والإنتاج والإسهام الحضاري والالتزام الأخلاقي، أما المجتمعات الغارقة في تمجيد السلالة فتربط الشرف بالدم والاسم والامتداد العائلي. ومن هنا تنشأ مفاهيم جامدة تعطل حركة المجتمع وتغلق أبواب الحراك الاجتماعي أمام الكفاءات الجديدة. ويعيش الإنسان داخل دائرة مغلقة تمنحه التقدير عبر ما ورثه عن أسرته، عبر ما صنعه بجهده وفكره.

و هذه المعركة تحمل بعدا أخلاقيا عميقا أيضا، لأن الإنسان الذي يبحث عن قيمته داخل عظام الأسلاف يعيش اغترابا داخليا مؤلما. فهو يعجز عن التصالح مع نفسه كما هي، ثم يسعى نحو ارتداء قناع تاريخي يمنحه شعورا مؤقتا بالتميز. ومع مرور الزمن يتحول هذا القناع نحو عبء نفسي وثقافي، لأن الهوية الحقيقية تحتاج صدقا وشجاعة وثقة بالذات.

وتستحق الحضارة المغربية قراءة مختلفة تنطلق من عمقها التاريخي والثقافي الحقيقي. فقد صنعت هذه الأرض عبر قرون طويلة نموذجا حضاريا غنيا بالتفاعل والتنوع، وأسهم أهلها في مجالات الفكر والعلم والعمران والتجارة والتصوف والأدب والسياسة. وتحمل الذاكرة المغربية رصيدا إنسانيا ضخما يمنح أبناءها أساسا متينا لبناء ثقة حضارية صحية. لذلك تبدو الحاجة ملحة نحو إعادة الاعتبار للذات المحلية، عبر وعي ثقافي جديد يحرر الإنسان من عقدة الأصل البعيد، ويدفعه نحو اكتشاف القيمة الكامنة داخل تجربته الحضارية الخاصة.

فالإنسان الذي يتصالح مع أرضه وتاريخه ومجتمعه يكتسب قدرة أكبر على الإبداع والمشاركة والتأثير. أما الإنسان المنشغل بحراسة نسب متخيل فيستهلك طاقته داخل معركة رمزية عقيمة، ثم يبتعد تدريجيا عن الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالمعرفة والتنمية والحرية والعدالة. ومن هنا ترتبط معركة الوعي الهوياتي بمعركة التحديث الثقافي نفسها، لأن المجتمع الذي يقدس الأنساب يعجز عن بناء عقل مدني حديث يؤمن بالمساواة والاستحقاق.

فالمستقبل تصنعه العقول الحية، وتصنعه المجتمعات الواثقة من ذاتها، وتصنعه الإرادة الإنسانية الحرة. أما الارتماء داخل أحضان الماضي طلبا للتفوق الرمزي فيقود نحو مزيد من الضياع الثقافي والاغتراب النفسي. والكرامة الحقيقية تنبع من الإنسان الحاضر، الإنسان القادر على التفكير والإبداع والعمل، الإنسان الذي يحمل شجاعة مواجهة ذاته دون أقنعة وراثية أو أوهام تاريخية.

تعليقات الزوار