منتدى العمق

بين حارة أفلاندرا وتينغيل.. قراءة في نزاع أراضي الجموع وتغليب لمنطق الحكمة

لا تزالُ بعضُ مناطق الجنوب الشرقي للمغرب، خصوصًا بالمجالات القروية ذات الامتداد القبلي والتاريخي، تعيشُ على وقع نزاعاتٍ قديمة مرتبطة بأراضي الجموع والحدود التقليدية بين الدواوير والقبائل. ومن بين هذه الملفات التي طال أمدها، يبرز النزاع القائم بين دوار حارة أفلاندرا ودوار تينغيل، التابعين لجماعة أفلاندرا بقيادة تنسيفت، دائرة أكدز، بإقليم زاكورة، باعتباره واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، بالنظر إلى تشابك أبعاده القانونية والاجتماعية والتاريخية.

هذا النزاع، الذي تشير المعطيات المتداولة إلى امتداده منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، لا يتعلق فقط بقطعة أرض أو ببئر مائي، بل يرتبط كذلك بالذاكرة الجماعية، وبالحقوق السلالية، وبالانتماء المجالي الذي ظل، عبر عقود طويلة، جزءًا من هوية الساكنة المحلية. وقد تعاقبت على الملف مراحل متعددة، من الشكايات المتبادلة إلى الأحكام القضائية، مرورًا بمحاولات الوساطة والصلح التي لم تصل، إلى حدود اليوم، إلى تسوية نهائية تُرضي مختلف الأطراف.

وبين أحكام ابتدائية واستئنافية وطعون قضائية، ظلَّ الملف لسنوات طويلة يواجه تعقيداتٍ ميدانية واجتماعية، وهو ما يعكس حساسية القضية وارتباطها الوثيق بالسِّلم المحلي والاستقرار الاجتماعي داخل المنطقة.

في خضم هذا النقاش يبرزُ للعلن أنَّ الوضع يقتضي استحضار الحكمة وبُعد النظر، تفاديًا لتأجيج الأوضاع داخل الجماعة الترابية، مع ضرورة تغليب منطق التنمية والترافع والتلاحم بين الساكنة، بدل السقوط في دوامة التصعيد والانقسام.

إنَّ المتأمل في طبيعة هذا النزاع يُدرك أنَّ الرهان الحقيقي اليوم لم يعد قانونيًا فقط، بل أصبح رهانًا مجتمعيًا وأخلاقيًا يقتضي من الجميع ـ سلطات ومنتخبين وفعاليات مدنية وأعيان القبيلتين ـ الانتصار لقيم الصُّلح والتسامح. فدوارا حارة أفلاندرا وتينغيل لا تجمعهما الجغرافيا وحدها، بل تربط بين ساكنتهما وشائجُ النسب والدَّم والجوار والمصاهرة الممتدة عبر أجيال طويلة، وهي روابطُ أقوى من أن تُفتِّتها خلافات حدودية مهما تعقّدت، وإن كان الانصاف وإظهار الحق يقتضي أن حارة أفلاندرا كقبيلة عريقة لا يمكن أن تكون بدون أرض ومسارح طبيعية وحاجز طبيعي يفصل بينها وبين دوار تنغيل.

لقد أثبت التاريخ المغربي، خصوصًا في المجتمعات القبلية بالجنوب الشرقي، أنَّ الأعراف المحلية وروح الصلح كانت دائمًا قادرة على تجاوز أصعب النزاعات حين تتوفر النية الصادقة والإرادة الجماعية. كما أنَّ الحفاظ على السِّلم الاجتماعي يظلُّ مقدَّمًا على كل أشكال التشنج، لأن أيَّ احتقان لا يخدم، في نهاية المطاف، سوى تعطيل التنمية وتعميق الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها المنطقة.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة اليوم مُلحّة إلى فتح صفحة جديدة عنوانها الحوار المسؤول والوساطة الهادئة، بعيدًا عن لغة الاتهامات والتأويلات المتشنجة، فإن العاقل الحكيم يعلم أن كثيرا من الأشياء المختلف حولها يمكن أن تكون موضوع اجتهاد قانوني أو إداري، أمَّا روابط الأخوّة والانتماء المشترك فهي رأسمال اجتماعي لا يُعوَّض.

إنَّ ساكنة أفلاندرا، بكل مكوناتها، في حاجة إلى الالتفات نحو المستقبل؛ نحو التنمية والبنيات الأساسية والتعليم والشباب، بدل استنزاف الزمن في نزاعات عمرت طويلًا. كما أنَّ المسؤولية الجماعية تقتضي تحويل هذا الملف من بؤرة توتر إلى فرصة لإحياء قيم الصلح والتعاون التي شكَّلت دائمًا جوهر المجتمع المغربي الأصيل.
وفي النهاية، يبقى الأمل قائمًا في أن تنتصر الحكمة على الانفعال، وأن يُغلَّب صوت العقل على منطق الاصطفاف، حتى تظلَّ حارة أفلاندرا وتينغيل نموذجًا للأخوّة والتعايش، بدل أن تكون عنوانًا لصراع يستنزف الجميع دون استثناء ..

تعليقات الزوار