وجهة نظر

الإنسانية الجريحة وسؤال الدين.. مقاربة مقاصدية في تدبير الحروب والأزمات

لم يعد العالم المعاصر يعيش أزمة عابرة يمكن احتواؤها بأدوات السياسة التقليدية أو بمعالجات اقتصادية ظرفية، بل دخل مرحلة تاريخية مركبة تتشابك فيها الحروب مع الأزمات القيمية، ويتداخل فيها الانهيار الأخلاقي مع التوترات الجيوسياسية، حتى غدا الإنسان المعاصر يعيش حالة قلق وجودي غير مسبوقة، رغم ما تحقق للبشرية من تطور علمي وتقني هائل. فالحروب اليوم لم تعد مجرد صدامات عسكرية بين الدول، بل أصبحت حروباً مركبة تستهدف الإنسان في وعيه، وهويته، وأمنه النفسي، واستقراره الاجتماعي، وتوازناته الروحية. كما أن الأزمات الاقتصادية، والهجرات الجماعية، وصعود الشعبويات، وتنامي خطابات الكراهية، واتساع الفجوة بين الشمال والجنوب، كلها مؤشرات تدل على أن العالم يعيش خللاً عميقاً في فلسفة تدبير الإنسان والعمران والحياة.

وفي خضم هذا التحول العالمي المتسارع، يبرز سؤال الدين بوصفه سؤالاً مركزياً لا يمكن تجاوزه أو تهميشه، لأن الدين لم يكن في يوم من الأيام مجرد طقوس معزولة عن حركة التاريخ، بل كان دائماً حاملاً لرؤية كونية تؤطر علاقة الإنسان بذاته، وبالآخر، وبالوجود، وبالقيم العليا التي تمنح للحياة معناها الأخلاقي والروحي. ولذلك فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حضور الدين داخل المجال العام، وإنما في طبيعة هذا الحضور: هل يكون حضوراً باعثاً على السلم والعدل والتعارف، أم يتحول إلى أداة للصراع والتوظيف والانغلاق؟.

لقد أثبت التاريخ أن الأديان حين تُفهم في إطارها المقاصدي الرحب تصبح قوة أخلاقية هائلة لبناء الحضارات وترميم المجتمعات وتخفيف آثار الأزمات، بينما تتحول إلى عنصر توتر حين تُختزل في القراءات الجامدة أو التوظيفات الإيديولوجية الضيقة التي تفصل النص عن حكمته، والدين عن مقاصده، والشرع عن مصالح الإنسان والعمران. ومن هنا تظهر الحاجة الملحة إلى تجديد التفكير الديني في سياق عالمي جديد، لا من أجل تغيير ثوابت الدين أو التفريط في أصوله، وإنما من أجل استعادة وظيفته الحضارية الكبرى في تحقيق الرحمة والعدل وصيانة الكرامة الإنسانية.

إن الإسلام، في جوهره المقاصدي، دين جاء لحفظ الإنسان لا لإهداره، ولإقامة العدل لا لتبرير الظلم، ولتحقيق السلم لا لتغذية الحروب. ولذلك فإن كل قراءة دينية تُنتج الكراهية أو تؤسس للاقتتال أو تنفي الآخر من دائرة الإنسانية، هي قراءة فاقدة للاتصال بالمقصد الأعلى للدين. فالقرآن الكريم حين تحدث عن الاختلاف لم يقدمه باعتباره لعنة تاريخية، بل اعتبره جزءاً من سنن الله في الكون، ووسيلة للتعارف والتكامل الإنساني، فقال تعالى: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”. إن التعارف هنا ليس مجرد تواصل شكلي بين البشر، بل هو فلسفة حضارية تؤسس للاعتراف المتبادل، والاحترام المتبادل، والتعاون من أجل الخير العام.

وإذا كانت الحروب المعاصرة تكشف عن أزمة عميقة في الضمير الإنساني، فإن من واجب الفكر الإسلامي اليوم أن يتجاوز منطق ردود الأفعال إلى بناء رؤية أخلاقية عالمية تسهم في ترشيد العلاقات الدولية وتخفيف منطق الهيمنة والاستقواء. فالعالم لم يعد يحتمل المزيد من خطابات الكراهية والتصنيفات العقائدية الحادة التي تُحوّل الاختلاف إلى مبرر دائم للصراع. إن البشرية اليوم بحاجة إلى خطاب ديني عقلاني ومقاصدي يعيد الاعتبار لقيم الرحمة والعدل والتعاون، ويؤسس لفكرة “الأمن الإنساني” بدل الاكتفاء بالأمن العسكري.

ومن أخطر ما تعانيه الإنسانية اليوم أن الآلة التكنولوجية تطورت بسرعة مذهلة، بينما بقي الضمير الأخلاقي متأخراً عن مواكبة هذا التحول. لقد أصبح الإنسان قادراً على تدمير مدن بأكملها بضغطة زر، لكنه عاجز عن بناء الثقة بين الشعوب، أو إنهاء الحروب، أو حماية الأطفال من المجاعة والتشريد. وهنا تتجلى الحاجة الملحة إلى الدين باعتباره رصيداً أخلاقياً وروحياً قادراً على إعادة التوازن إلى الحضارة المعاصرة، لأن الأزمة في جوهرها ليست أزمة علم، بل أزمة معنى، وليست أزمة تقدم تقني، بل أزمة ضمير.

إن الفكر المقاصدي الإسلامي يمتلك قدرة كبيرة على الإسهام في معالجة هذه التحديات، لأنه فكر ينطلق من مركزية الإنسان واعتبار مصالحه الحقيقية في الدنيا والآخرة. فمقاصد الشريعة الكبرى، من حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والمال والعمران، ليست مجرد أحكام تجريدية، بل هي منظومة متكاملة لبناء مجتمع متوازن يحفظ الحقوق ويمنع الفوضى ويحقق الاستقرار. ولذلك فإن إعادة إحياء الفكر المقاصدي اليوم لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت ضرورة حضارية لمواجهة اختلالات العالم المعاصر.

إن تدبير الأزمات في المنظور الإسلامي لا يقوم فقط على الحلول الأمنية أو الإجراءات الظرفية، بل يقوم على بناء الإنسان أخلاقياً وفكرياً وروحياً، لأن الأزمات الكبرى تبدأ غالباً من انهيار القيم قبل انفجار الوقائع. فحين يغيب العدل تنتج الحروب، وحين تغيب الرحمة يتسع العنف، وحين تنهار الثقة ينتشر الخوف والكراهية. ولذلك فإن وظيفة الدين ليست فقط تفسير العالم، بل المساهمة في إصلاحه أخلاقياً وإنسانياً.

لقد كشفت الأزمات العالمية الأخيرة أن العالم بحاجة إلى فلسفة جديدة للتعايش، تتجاوز منطق الصدام الحضاري، وتبني بدلاً عنه منطق الشراكة الإنسانية. فالإنسان مهما اختلفت عقيدته أو لغته أو قوميته، يبقى شريكاً في المصير الكوني المشترك، لأن التحديات المعاصرة لم تعد تخص شعباً دون آخر. فالأوبئة، والتغير المناخي، والحروب، والانهيارات الاقتصادية، والهجرات الجماعية، كلها أزمات عابرة للحدود، ولا يمكن لأي أمة أن تواجهها وحدها بمنطق الأنانية القومية أو الاستعلاء الحضاري.

ومن هنا فإن المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق العلماء والمفكرين والمؤسسات الدينية اليوم، هي الانتقال من خطاب الانغلاق إلى خطاب الشهادة الحضارية، ومن عقلية الصراع إلى عقلية الإسهام في بناء السلم العالمي. فالدين الذي ينفصل عن قضايا الإنسان يفقد جزءاً كبيراً من رسالته، بينما الدين الذي يتحول إلى طاقة أخلاقية لبناء الجسور بين الشعوب يصبح قوة تحرير وإنقاذ.

إن العالم الإسلامي مدعو اليوم إلى إعادة تقديم الإسلام بوصفه مشروعاً أخلاقياً عالمياً يخدم الإنسان حيثما كان، لا باعتباره مجرد هوية مغلقة أو رد فعل على الآخر. فالإسلام في جوهره رسالة رحمة كونية، وليس مشروعاً لإنتاج العداوات أو صناعة الخوف. والرسول صلى الله عليه وسلم حين أسس أول مجتمع في المدينة، لم يبنه على الإقصاء، بل على التعاقد والعدل والتعايش وتنظيم الاختلاف داخل المجتمع الواحد. وهذا النموذج النبوي يقدم للعالم المعاصر دروساً عميقة في إدارة التنوع وبناء السلم الأهلي.

كما أن من أهم التحديات الفكرية التي تواجه المسلمين اليوم، ضرورة التمييز بين الثابت والمتغير، وبين جوهر الدين وتراكمات التاريخ، لأن كثيراً من الأزمات المعاصرة تنتج عن تحويل بعض الاجتهادات البشرية إلى مقدسات لا تقبل المراجعة، مما يؤدي إلى جمود فكري يعطل قدرة الأمة على التفاعل الإيجابي مع تحولات العالم. إن المقاصد الشرعية جاءت لتحقيق مصالح الإنسان المتجددة، ولذلك فإن الاجتهاد الواعي بمتغيرات العصر ضرورة شرعية وحضارية في آن واحد.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات الدينية المجردة، بقدر حاجته إلى نماذج أخلاقية عملية تجسد قيم الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية. فالقوة الحقيقية للدين لا تقاس بحدة الخطاب، وإنما بقدرته على بناء الإنسان الصالح والمجتمع المتوازن والعلاقات الإنسانية العادلة. ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام الفكر الإسلامي المعاصر هو كيف يحول القيم القرآنية الكبرى إلى مشاريع واقعية في التربية والسياسة والثقافة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

وفي زمن تتزايد فيه النزاعات والهويات القاتلة، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لفكرة “الإنسانية المشتركة” باعتبارها إحدى القيم الكبرى التي يؤكدها الإسلام. فالقرآن حين تحدث عن تكريم الإنسان لم يربطه بلون أو عرق أو جغرافيا، بل قال: “ولقد كرمنا بني آدم”. وهذا التكريم الإلهي يمثل أساساً فلسفياً عميقاً لبناء منظومة حقوقية وأخلاقية عالمية تحمي الإنسان من الاستغلال والإقصاء والعنف.

إن الأزمة الكبرى التي يعيشها العالم اليوم ليست فقط أزمة موارد أو مصالح، بل أزمة رؤية ومعنى. ولذلك فإن أي مشروع لإصلاح العالم دون إصلاح البعد الأخلاقي والروحي للإنسان سيظل مشروعاً ناقصاً وعاجزاً عن تحقيق السلام الحقيقي. فالسلم لا يصنع فقط بالاتفاقيات السياسية، وإنما يصنع أيضاً ببناء ثقافة الرحمة والعدل والاعتراف المتبادل بين البشر.

ومن هنا فإن الحاجة اليوم أصبحت ملحة إلى نهضة فكرية مقاصدية جديدة تعيد قراءة الدين في ضوء أسئلته الكبرى: كيف نحفظ الإنسان؟ كيف نبني العدل؟ كيف نمنع الحروب؟ كيف نصنع التعايش؟ وكيف نجعل من الدين قوة لتحرير الإنسان من الخوف والكراهية والظلم؟ إن هذه الأسئلة ليست ترفاً فلسفياً، بل هي أسئلة مصيرية تتعلق بمستقبل الإنسانية كلها.

إن الدين حين يتحرر من التوظيف السياسي الضيق، ويعود إلى وظيفته الأخلاقية الكبرى، يصبح قادراً على الإسهام في بناء عالم أكثر إنسانية وتوازناً. أما حين يُختزل في الصراعات والهويات المغلقة، فإنه يفقد كثيراً من قدرته على الهداية والإصلاح. ولذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على إقصاء الدين من المجال العام، بل على تجديد حضوره المقاصدي والإنساني، بما يجعله شريكاً في صناعة السلم العالمي وتدبير الأزمات وبناء مستقبل أكثر عدلاً وكرامة للإنسان أينما كان.