وجهة نظر

الإرهاب: تأمل في ديناميات التشكل والامتداد

تشهد منطقة الساحل في الآونة الأخيرة عودة ملحوظة للظاهرة الإرهابية، بما يجعل مقاربتها والتفاعل معها ضرورة لا تحتمل الإرجاء،كما أن طبيعة المرحلة تقتضي تجاوز مقاربة الظاهرة بوصفها معطى طارئا أو انحرافا عرضيا في مسار الأحداث الكونية، والتعامل معها على فرض أنها ظاهرة مركبة، وتعبير عن وضعية معقدة من العنف المنظم، الذي تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية ضمن سيرورة تاريخية ممتدة. وعلى هذا الأساس، فإن أي تحليل جاد يقتضي منا إعادة إدراج الظاهرة في أفقها الكرونولوجي العميق، بما يفضي إلى فهم منطق تشكلها وتحولاتها، بدل الاكتفاء بتوصيف تمظهراتها الحالية. واستهلالا لهذا نستحضر، المقاربة التي قدمها المؤرخ الفرنسي جيل فيراغو لما تكتسيه من أهمية خاصة، كونها لا تتعامل مع الإرهاب كمعطى جاهز، بل كإشكالية مفاهيمية مفتوحة، يصعب ضبطها ضمن تعريف جامع مانع. وهو الأمر الذي تم إثارته في كتابه «تاريخ الإرهاب» الواقع في ازيد من اربع مئة صفحة، والذي أشار فيه إلى أن ظاهرة الإرهاب على رغم من كل ما استحوذت عليه من إهتمام لدى رجال القانون، والساسة، وعلماء الاجتماع، والصحفيين، إلا أنها ما زالت غير محددة بشكل دقيق بتعريف جامع مانع، ولذلك فقد تشتبه لدى البعض مع مفاهيم أخرى موازية، أو حتى غير مشابهة لها في الدلالة. فالإرهاب، كما يتضح من تعدد تعريفاته، يتراوح بين كونه عنفا سياسيا موجها ضد أهداف غير مقاتلة، وبين كونه تقنية قالبية لإنتاج الرعب والتأثير في الوعي الجمعي، بما يتجاوز دائرة الفعل المباشر إلى مجال التأثير النفسي والسياسي.

هذا الالتباس المفاهيمي لا ينفي الامتداد التاريخي العميق للظاهرة. فالإرهاب، واقعة ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، لاحت منذ نشأة الاجتماع البشري وارتبطت بمختلف أنماط الصراع ونزعات الهيمنة والتخويف لفرض الإرادة. وقد امتدت جذوره إلى البدايات الأولى للتاريخ، كما تجسده واقعة قتل قابيل لهابيل دون اعتبار للمماثلة، قبل أن يتخذ في المجتمعات البدائية شكل العنف المجرد في ظل منطق القوة والبقاء للأقوى. وقد عرفته الحضارات القديمة، من مصر الفرعونية في مؤامرة اغتيال رمسيس الثالث (1198 ق.م)، إلى الاشوريين الذين وظفوا العنف الممنهج، مرورا بالإرثين الروماني واليوناني حيث تداخلت فيه الظاهرة مع الجريمة السياسية قبل أن تبدأ في التبلور المفاهيمي المستقل. وفي القرن الأول الميلادي، برزت في فلسطين إحدى أولى صور الإرهاب المنظم مع جماعة “الزيلوت” أو”الغيورون”، التي مزجت بين الديني والسياسي ومارست العنف ضد السلطة الرومانية وخصومها الداخليين. ومع التاريخ الإسلامي، ارتبطت الظاهرة ببروز حركات متشددة كالخوارج، قبل أن تبلغ درجة أعلى من التنظيم مع طائفة الحشاشين في القرن الحادي عشر، التي اعتمدت الاغتيال السياسي كأداة لتحقيق غاياتها.

وخلال العصور الوسطى، تجلى الإرهاب في أشكال قمعية مؤسساتية كمحاكم التفتيش، ثم بلغ ذروته إبان الثورة الفرنسية، حيث اتخذ طابعا رسميا ترعاه الدولة. وفي القرن التاسع عشر،برزت تنظيمات ثورية مثل “نارودنايا فوليا” و التي تعني “الإرادة الشعبية” في روسيا، التي كرست العنف وسيلة للتغيير السياسي، ليتسع بعدها حضور الظاهرة في الوسط الأوروبي والأمريكي مع تصاعد الحركات الراديكالية. ومع مطلع القرن العشرين، شكل اغتيال ولي عهد النمسا سنة 1914 لحظة مفصلية في تدويل الظاهرة، إذ كانت شرارة مباشرة في إندلاع الحرب العالمية الأولى، في حين مارست الأنظمة الشمولية، وعلى رأسها النازية، إرهاب الدولة على نطاق واسع، مما أسهم في تفجير الحرب العالمية الثانية. وفي أواخر القرن ذاته، شهدت الظاهرة تحولا نوعيا في خططها، حيث انتقلت من الأفعال المعزولة إلى منطق استنزاف الدول وإضعاف بنياتها. وأمام تصاعد حدتها، غدت الظاهرة الإرهابية في صلب الاهتمام الدولي، فاعتمدت الأمم المتحدة سنة 1972 مفهوم “الإرهاب الدولي” وأقرت آليات لدراسته. ومع بداية الألفية الثالثة، دخل الإرهاب مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، خاصة عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، في سياق نظام عالمي غير مستقر. في هذه المرحلة، برز تنظيم “داعش” كأحد أبرز تمظهرات الإرهاب المعاصر، و تم إعتباره كأحد أكثر تمثلات الإرهاب المعاصر راديكالية وتركيبا، إذ نشأ في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق بوصفه محصلة تاريخية لانهيار بنية الدولة، وتصاعد الانقسامات الطائفية، واختلال توازنات القوة في المجالين الإقليمي والدولي.

و بالموازات مع هذا التشكل، توسعت و تعددت المقاربات النظرية لمفهوم الإرهاب وتباينت تصنيفاته، فبينما لخصته بعض الأدبيات في العنف المنظم الموجه لبلوغ غايات سياسية، عممت أخرى نطاقه ليشمل عنف الدولة ذاته حين يتحول إلى أداة ممنهجة للإخضاع والترويع. كما ظل الفصل بين الإرهاب وحق الشعوب في المقاومة والتحرر محل تجاذب حاد، كاشفا عن البعد السياسي والإيديولوجي الكامن في تعريف الظاهرة، وعن خضوعها المتكرر لمنطق الانتقائية والمعايير المزدوجة. غير أن المستوى الأشد عمقا في فهم الظاهرة يظل رهينا بجذورها الفكرية والمنهجية، حيث أُعيدت صياغة بعض المفاهيم ضمن تأويلات عقائدية متشددة، كما تجسد في أطروحات سيد قطب، المتأثرة بفكر أبي الأعلى المودودي، والتي بلورت تصورا ثنائيا صراعيا للعالم، يؤسس للمفاصلة، ويضفي على العنف مشروعية تأويلية معتبرا إياه أداة لإعادة تشكيل الواقع وفق تصور عقدي مغلق. وفي ظل هذا الامتداد، عرف الإرهاب تحولا جوهريا مع صعود تنظيمات عابرة للحدود، في مقدمتها تنظيم “داعش” كما سبق و أن ذكرنا، والذي مثل ذروة “العنف المعولم” من حيث قدرته على تجاوز الجغرافيا التقليدية للدولة، وإعادة إنتاج للفوضى ضمن شبكات قتالية مرنة و متباينة الامتدادات. كما أن انهياره في المشرق لم يؤدي إلى انحسار الظاهرة، بل أسهم في إعادة انتشارها وتموضعها داخل فضاءات رخوة جديدة، وعلى رأسها منطقة الساحل والصحراء، التي تحولت، بفعل ترهل المؤسسات الرسمية، وتفكك البنى الأمنية، وتداعيات التدخل العسكري لحلف الناتو في ليبيا والانتشار الواسع للسلاح، إلى حاضنة جيواستراتيجية لإعادة تشكل الإرهاب وتحوره.

ولعل أبرز تجليات ما تم عرضه، هوا ما تشهده مالي خلال الفترة الأخيرة من هجمات منسقة وواسعة النطاق تبنتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، بتنسيق مع متمردي الطوارق، مستهدفة العاصمة باماكو ومواقع عسكرية استراتيجية في كاتي وغاو وكيدال، في واحدة من أجرأ العمليات التي عرفتها البلاد منذ سنوات. هذه الهجمات التي تعكس تصعيدا غير مسبوق في مستوى التنظيم والقدرة العملياتية للمهاجمين، وسط إغلاق للمطار، واستنفار أمني واسع، وتحذيرات دولية في حق رعايا الدول الأجنبية. وعلى نفس المضمار، تنشط تنظيمات أخرى مثل بوكو حرام وتنظيم القاعدة في فضاء يتسم بتداخل الإرهاب مع الجريمة المنظمة، ضمن ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد العنف”، حيث تتحول الأنشطة غير المشروعة إلى مورد أساسي للاستمرار. كما أن “خوالف التنظيمات” تمثل بنية كامنة لإعادة إنتاج الظاهرة، في ظل غياب معالجات فكرية عميقة. أمام هذا التعقيد النسقي، تتكشف محدودية المقاربات الأمنية الصرفة، مما يفرض تبني مقاربات شمولية متعددة الأبعاد.

وفي هذا الصدد، نستحضر التجربة المغربية نظرا لكونها اصبحت نموذجا متقدما في تدبير الظاهرة، أساسها التصور التنظيمي الذي يجمع بين الأمني والفكري والمؤسساتي. وهو ما أكده مؤشر الإرهاب العالمي (GTI) لسنة 2026، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، الذي وضع المغرب ضمن الدول الأكثر مناعة وقدرة على التحصن ضد التهديدات الإرهابية، في تصنيف يعكس صلابة النموذج الأمني المغربي وفعالية المقاربة متعددة الأبعاد التي تنتهجها المملكة في التصدي للإرهاب والتطرف العنيف. فضلا عن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية التي تضع المغرب دوليا ضمن النماذج الإقليمية الأكثر فاعلية في احتواء الظاهرة الإرهابية، بالنظر إلى نجاعة مقاربته الأمنية والاستباقية وتكامل أبعاده المؤسساتية والفكرية. هذا الاعتراف لم يكن مجرد إشادة عابرة أوخطاب مجاملة، بل جاء ثمرة لمجهود مؤسساتي جاد وملموس، تجسد في اعتماد مقاربة استباقية قائمة على اليقظة الاستخباراتية وتفكيك الخلايا قبل انتقالها إلى التنفيذ، مستفيدا في ذلك من حركة تأهيل و إصلاح عميقة للأجهزة الأمنية منذ مطلع الألفية، خاصة بعد أحداث 2003، وهو ما أفضى إلى تطوير و تحسين الأداء والكشف عن قدرة عالية في رصد التهديدات وتحييدها في مراحل مبكرة. هذا التقدم المطرد لم يكن بمعزل على الاطار القانوني الصارم،الذي نجح في تأطير التدخلات الأمنية ضمن إطار مؤسساتي شرعي واضح، فضلا عن تحقيق نتائج ملموسة وموثوقة.

أما على المستوى الفكري والديني، فقد تبنى المغرب سياسة متقدمة في إعادة تنظيم الحقل الديني، تقوم على ترسيخ نموذج ديني وسطي معتدل، وتعزيز دور المؤسسات الدينية في تأطير الخطاب، ومواجهة التأويلات المتشددة من داخل المرجعية نفسها، بما يحول دون احتكارها من قبل التيارات الراديكالية. كما تم الاستثمار في برامج إعادة تأهيل السجناء المدانين في قضايا الإرهاب، في إطار مقاربة تستهدف تفكيك البنية الفكرية للتطرف، لا مجرد معاقبة تمظهراته.

وعلى المستوى الدولي، عزز المغرب موقعه كشريك موثوق في مكافحة الإرهاب، من خلال تطوير آليات التعاون الأمني وتبادل المعلومات، والمساهمة في الجهود الدولية الرامية إلى الحد من انتشار الظاهرة، خاصة في الفضاء الإفريقي. كما أن احتضان الرباط لمبادرات أممية في مجال مكافحة الإرهاب يعكس الاعتراف الدولي بنجاعة هذا النموذج. ما يؤكد تميز التجربة المغربية بطابعها التركيبي، بحيث أنها لا تنحصر في معالجة الانعكاسات، بل تسعى إلى تفكيك الشروط المنتجة للعنف، عبر الربط بين الأمن والتنمية، وبين الوقاية والمعالجة، وبين المحلي والدولي. وبهذا المعنى، فإنها تقدم نموذجا لإعادة تعريف مفهوم الأمن، باعتباره عملية استباقية شاملة، لا مجرد استجابة لتهديد قائم.

وعليه يمكن التأكيد على أن الإرهاب، في امتداده التاريخي وتحولاته الراهنة، يمثل ظاهرة متغيرة و معقدة، غير أن تفكيكها يظل ممكنا من خلال مقاربات شمولية تستوعب جذورها العميقة. انسجاما مع المقاربة المغربية، التي فرضت نفسها كأحد النماذج القليلة التي نجحت في الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي، بما يفتح إمكانات واقعية لإعادة بناء استراتيجيات أكثر نجاعة في مواجهة هذا التهديد المتحول.