ظهر عندي البارحة مقطع فيديو يقول فيه أحمد عصيد إن الفقهاء يعتمدون مرجعًا يعتبر أن الطاعون قضاء وقدر، فيرفضون الحجر الصحي ويتحملون مسؤولية ما أصاب الأمة من تدهور. فجعلت كلامه فرصة لبيان ما يأتي.
كان مما توقفت عنده في رسالتي لنيل الماجستير الموسومة بـ”المحتوى الطبي في التراث التربوي الإسلامي: دراسة في الأسس الإبستيمولوجية والجذور التاريخية والبنية المنهاجية والتعليمية بالمشرق والمغرب الإسلاميين”؛ مسألة الحجر الصحي وتأصيلها في التراث الإسلامي. وقد توقف أحد أعضاء لجنة المناقشة، وهو الطبيب المتخصص في جراحة العظام والباحث المهتم بالعلوم الشرعية، عند هذه النقطة، فقال إن ما طبقه العالم في جائحة كورونا من إجراءات احترازية يجد له تأصيلا واضحا في التراث الإسلامي قبل قرون من إعادة اكتشافه في الطب الوقائي الحديث. وأبدى المُناقِش إعجابه بالعمل. كما ضمت لجنة المناقشة دكاترة فقهاء أقروا جوانب جاء بها البحث وناقشوا جوانب أخرى فيه. فكان العمل ولجنة المناقشة نموذجا آخر عن تكامل فقه الأديان وفقه الأبدان.
لكن عصيد، وهو يتحدث هنا، بأي خلفية يتحدث؟ فهو ليس طبيبا، ولا فقيها، ولا مؤرخا متخصصا في التراث الطبي والفقهي. فما الأساس العلمي الذي يبني عليه هذا التعميم الواسع؟
استند عصيد في خطابه إلى ثلاث وقائع يحاول من خلالها بناء سردية شاملة عن مسؤولية الفقه والفقهاء عن تدهور أحوال الأمة.
الواقعة الأولى استعانة السلطان المولى سليمان بفقهاء افتقروا إلى الإلمام بالشأن السياسي والاستراتيجي، فحين نصح القناصل باعتماد “الكرنتينة” ومنع الحجاج القادمين من الشرق، اعتبر الفقهاء الذين استفتاهم السلطان أن الأمر “قضاء وقدر”، فرفضوا الإغلاق، فانتشر الوباء. والواقعة الثانية ما نقله المؤرخ العراقي علي الوردي عن فتوى فقهاء بغداد للباي العثماني بمنع إغلاق المدينة عند قدوم الطاعون، مما أدى إلى وفيات كبيرة. أما الواقعة الثالثة فتتعلق برفض علماء في فترة سابقة مقترحا بتزويد الجيش الإسباني بالمؤن مقابل استرجاع سبتة ومليلية دون حرب، وهو ما اعتبره عصيد خطأ في التقدير السياسي.
وعلى هذه الوقائع الثلاث بنى عصيد محاكمة شاملة للتراث الديني، وحمّل الفقه والفقهاء مسؤولية الكوارث التي حلت بالأمة، وعمم الحكم على الفقه الإسلامي جملة وتفصيلا. وهذه قراءة تتهاوى أمام أول مراجعة جادة للتراث الفقهي والطبي الإسلامي.
الحجر الصحي إجراء مؤصل في الإسلام منذ التشريع النبوي. فالحديث الذي أورده المتحدث إلى جانب عصيد رواه البخاري ومسلم بصيغ متعددة: “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها”. وهو نص صريح يؤسس لمبدأ الحجر الصحي بمنطوقه الحرفي. وحين بلغ عمر بن الخطاب خبر الطاعون بالشام، رجع بالجيش من سرغ، وقال قولته الشهيرة: “نفر من قدر الله إلى قدر الله”. وقد جاء في البحث تأصيل صريح لهذه القاعدة، حيث طبق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في موقفه من طاعون عمواس سنة 18هـ مبدأ الحجر الصحي الذي أسسه النبي ﷺ.
القاعدة إذن نبوية، طبقها أحد كبار الخلفاء بسلطته السياسية، وورثها الفقه الإسلامي قاعدة محكمة في باب الأوبئة قبل قرون طويلة من الوقائع التي يستشهد بها عصيد. وقولة عمر “نفر من قدر الله إلى قدر الله” تكفي وحدها لإبطال دعوى أن الحجر الصحي معارضة للقدر، لأن الانتقال من قدر يفضي إلى الضرر إلى قدر يحقق السلامة داخل في مفهوم الأخذ بالأسباب، وهو أصل مقرر في كتب الأصول والفقه.
والقول إن الفقه الإسلامي تراث يعطل العلم الطبي يخالف ما هو ثابت في النصوص والتصانيف الفقهية. فقد نقلت في البحث جملة من أقوال الفقهاء تنسف هذه السردية. الإمام محمد بن إدريس الشافعي يقول كما أخرجه ابن أبي حاتم في “آداب الشافعي ومناقبه”: “إنما العلم علمان: علم الدين، وعلم الدنيا، فالعلم الذي للدين هو الفقه، والعلم الذي للدنيا هو الطب”. وفي رواية أخرى أخرجها أبو نعيم في “حلية الأولياء”: “العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان”. وللفقيه الأنطاكي ملحظ ونظر في هذه القولة والقاعدة الشافعية، حيث يقول: “قال إمامنا رضي الله عنه: العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان، وعلم الأبدان مقدم على علم الأديان كذا نقله عنه في شرح المهذب، وظنه بعضهم حديثا.”2. وقال أيضا الشافعي فيما نقله الذهبي في “سير أعلام النبلاء”: “لا أعلم علما بعد الحلال والحرام أنبل من الطب”.
بل إن الشافعي وجّه نقدا حضاريا صريحا لحال المسلمين مع الطب فقال: “ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى”. كما عبّر عن لب الرؤية الإسلامية للطبيب بقوله: “لا تسكنن بلدا لا يكون فيه عالم يفتيك عن دينك، ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك”. فالفقيه والطبيب عند الشافعي ركنان متكاملان في العمران الإنساني. وهذه مواقف فقيه من أكبر فقهاء الإسلام يحمل المسلمين مسؤولية إهمال الطب، لا مسؤولية تعطيله كما يروج عصيد عن الفُقهاء.
ولأن طرح عصيد يعمم الاتهام على الفقهاء ما مرة، فيحسن استحضار شهادة فقيهين أندلسيين من أكبر فقهاء المالكية والظاهرية، خصوصا أن المغرب امتداد للأندلس في التقليد الفقهي. الفقيه المالكي الأندلسي ابن عبد البر صنف العلوم في كتابه “جامع بيان العلم وفضله” تصنيفا يكشف عن مكانة الطب في الرؤية الفقهية، فجعل علم الطب من العلوم الوسطى بين علوم الدين والصناعات. كما قدم تعريفا موسوعيا للطب يشمل طبائع الأبدان والأدوية والأزمنة والبلدان وأساليب العلاج والوقاية.
أما ابن حزم فقد قسم الطب في “رسالة مراتب العلوم” إلى طب النفس وطب الجسد، وفرق بين الطب الجراحي والدوائي، وبين الطب الوقائي والعلاجي، ثم صرح بحكم فقهي حاسم فقال: “تعلم الطب فرض على الكفاية، ومضيعه مضيع فرض”. فكيف يصح بعد ذلك اتهام الفقه الإسلامي بأنه يعادي الطب أو يعطل المعرفة الطبية؟
ومن جهة أبو حامد الغزالي نجد التأصيل نفسه، إذ يقول في “إحياء علوم الدين”: “أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب”. ويقول الإمام النووي المتوفى سنة 676هـ في “روضة الطالبين وعمدة المفتين”: “وأما العلوم العقلية فمنها ما هو فرض كفاية كالطب والحساب المحتاج إليه”. وزاد النووي نقلا عن الغزالي: “إن الحرف والصناعات التي لا بد للناس منها في معايشهم كالفلاحة فرض كفاية، فالطب والحساب أولى”. فيتضح بكل هذا أن الفقهاء أنفسهم رفعوا الطب إلى مقام الفروض الشرعية، وحملوا الأمة مسؤولية إهماله.
وعمق العلاقة بين الفقه والطب بلغ في التراث الإسلامي مستوى توحيد الغاية والمنهج بينهما. ومن ذلك قول العلامة العز بن عبد السلام المتوفى سنة 660هـ: “إن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك. والذي وضع الشرع هو الذي وضع الطب، فإن كل واحد منهما موضوع لجلب مصالح ودرء مفاسدهم”. الفقيه يجعل الطب والشرع توأمين، يشتغلان بآلية واحدة هي الترجيح بين المصالح والمفاسد. وهذه خلفية يستحيل عقلا أن تنتج فتوى ضد الحجر الصحي، لأن حفظ النفس مقصد أعلى من مقاصد الشريعة.
وهنا تأتي قصة الفقيه أبي عبد الله المازري التونسي المتوفى سنة 536هـ، الفقيه المالكي صاحب “المعلم بفوائد مسلم” في شرح صحيح مسلم. حيث نقل القاضي عياض في “الغنية” وابن فرحون في “الديباج المذهب” أن المازري “كان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفقه”، وإليه “كان يفزع في الفتوى في الطب في بلده كما يفزع إليه في الفتيا في الفقه”. وقصته في طلب علم الطب ذات دلالة، فقد رواها ابن فرحون: مرض المازري فكان يطبه يهودي، فقال له اليهودي يوما: يا سيدي، مثلي يطب مثلكم؟ فأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين؟ فمن حينئذ نظر في الطب. الفقيه رأى في إهمال المسلمين للطب ثغرة استراتيجية في أمنهم الصحي، فدرسه بنفسه، وأفتى فيه كما يفتى في الفقه. هذه روح الفقه التي ينتقدها عصيد دون أن يعرفها.
كما يمثل ابن رشد نموذجا جامعا بين الفقه والطب، فهو صاحب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” في الفقه، وهو عينه صاحب “الكليات في الطب” في العلوم الطبية. ونجد أيضا ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى الذي لم يكن طبيبا فحسب، بل كان فقيها لغويا أيضا. ونقل البحث شهادة عبد التواب رمضان في تقديم “الرسالة الكاملية في السيرة النبوية” لابن النفيس حيث قال: “لقد اشتهر ابن النفيس ببحوثه الطبية بعد أن وفق في أثناء تجاربه العلمية إلى اكتشاف الدورة الدموية الصغرى، المعروفة بدورة الدم في الرئة، مخالفا في ذلك آراء جالينوس ومن تبعه من الأطباء، فقدم بذلك للطب وطرق العلاج أجل الخدمات”. اكتشاف علمي كوني أنتجه فقيه طبيب لغوي، ضمن منظومة فقهية مفترض حسب طرح عصيد أنها تعرقل العلم وتعطل الحجر الصحي..
في الغرب الإسلامي، تتبع البحث ظاهرة الفقهاء الأطباء بتفصيل، ونقل عن المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب في “ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية” قوله: “إلى حدود القرن الثالث ظل الميدان شبه فارغ من علماء الطب، بينما كان هناك فريق من الفقهاء قد درسوا شيئا من الطب أو مارسوه بالتجربة، فكانوا يتولون علاج المرضى والجرحى، ويعرفون بفقهاء البدن”. الفقهاء في الغرب الإسلامي كانوا أول من سد فيه الفراغ في الممارسة الطبية، قبل تبلور طبقة الأطباء المتخصصين. وفي العصر الموحدي، ينقل ابن جُلجل في “طبقات الأطباء والحكماء”: “اهتبل الموحدون بالطب اهتبالا فائقا، ففوق اعتنائهم بالطب الخاص بهم، كذلك اعتنوا بشؤون الرعية الصحية، فبنوا المستشفيات، ونظموا هذه المهنة، وجعلوا لها رؤساء”. ويصرح بأن “الطب كان يدرس على عهدهم بالمغرب”، ومن أساتذته أبو الحجاج يوسف المريطري الذي قرأ عليه الطب بمراكش أبو العباس الكنبناري.
أما المنهج التجريبي الذي يفترض عصيد أن الفقه يقف ضده، فقد كان في صميم التراث الإسلامي. يقول الإمام أبو بكر الرازي: “بل نضيف ما أدركناه بالتجارب وشهد لنا الناس به، ولا نجعل شيئا عن ذلك محل الثقة إلا بعد الامتحان والتجربة له”. وقال أيضا: “لكي يكون الطبيب بارعا لا بد أن يتصف بصفتين معا، الفن النظري والفن العملي”. ويرصد المؤرخ المغربي عبد العزيز بنعبد الله في “تعليم الطب بالمغرب والعالم الإسلامي” حقيقة بالغة الدلالة: “عرف المجتمع الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري أو التاسع الميلادي، أي قبل ذلك بألف عام، منهجا تجريبيا في مختلف العلوم وخاصة في الطب”. منهج تجريبي مؤسس قبل عصر النهضة الأوروبية بألف عام، أنتجه أطباء فقهاء، في حضارة هي ذاتها التي يحاكمها عصيد بوقائع منسوبة من حقبة الانحطاط.
وقد توقف ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” عند ظاهرة بالغة الدلالة. حيث أن عالم الطب في الحضارة الإسلامية كان يدرس إلى جانب الطب، علوم الفلك والتنجيم والكيمياء، والفلسفة والفقه والتفسير، والأدب والشعر… ومن المؤكد أن هذه الرحابة في تكوين العقلية الثقافية كانت عونا للطبيب المسلم. أي أن الطبيب في الحضارة الإسلامية كان فقيها أيضا، أو ملما بالفقه على الأقل، ضمن منظومة معرفية تكاملية. وهذا ما يبطل تماما السردية التي ينشرها عصيد عن قطيعة مفترضة بين الفقهاء والأطباء…
وإذا كان عصيد قد خص فقهاء القرويين بالذكر، فإن الحقيقة التي يتجاهلها أن جامعة القرويين كانت مؤسسة علمية شاملة أسهمت في الحفاظ على التقليد الطبي ونشره عبر القرون. وقد اشتهرت في المغرب ثلاث مدارس للطب، أولاها وأشهرها القرويين بفاس، ثم مدرسة بمراكش ببيمارستان دار الفرج، والثالثة المدرسة البوعنانية بسلا التي بدأت بتدريس الطب في القرن السادس الهجري. وظل الطب يدرس بجامعة القرويين بفاس إلى حدود القرن العشرين. فأي فقهاء قرويين يتحدث عنهم عصيد؟ فقهاء جامعة كانت تدرس قانون ابن سينا وحاوي الرازي، وتصدر إجازات الممارسة الطبية لخريجيها؟
ويزداد طرح عصيد انهيارا حين نعلم أن جامعة القرويين تقدم نموذجا متكاملا لنظام الإجازة الطبية في المغرب. وقد أوردت في بحثي صورة الإجازة التي سلمت للطبيب الكحاك بفاس سنة 1248هـ الموافق 1832م، وهي وثيقة تثبت أن المؤسسة العلمية المغربية، التي يصفها عصيد بالجمود، كانت تمنح رخص الممارسة الطبية وفق ضوابط دقيقة، تشترط معرفة طبائع الأدوية والنبات والحبوب والأشجار والمعادن، ومعرفة طبع الإنسان وطبع الأمراض. ومن جهل ذلك “فلا يحل له الانتصاب إلى معالجة الناس بقول أو فعل” كما جاء في نص الإجازة ذاتها. هذه منظومة طبية مؤسسية متكاملة، بمعايير قبول وامتحان وترخيص ومساءلة، في قلب المؤسسة الفقهية التي يتهمها عصيد.
كما خلص البحث إلى أن الرقابة الفقهية على الممارسة الطبية لم تكن تعني إخضاع المعرفة الطبية للوحي أو منع التجربة العلمية، لأن النبي ﷺ قرر قاعدة “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. فالتجربة والاستقراء العلميان هما الأساس في بناء المعرفة الطبية عند المسلمين، والفقه إنما يراقب مناهج البحث وآلياته لا مخرجاته وكشوفه”. وهي قاعدة منهجية أصيلة، تفصل بين سلطة الفقيه في الحكم على الممارسات وسلطة الطبيب في الكشف العلمي.
ثم إن المرسوم الصحي الذي صدر في الدولة العباسية يكشف أن الفقه الإسلامي أنتج منظومة صحة عامة متقدمة. يقول البحث ناقلا نص هذا المرسوم: “أصدر الوزير علي بن عيسى بن الجراح مرسوما في سنة كثرت فيها الأمراض والأوبئة بأن يتفقد السجون، فأمر بإفراد أطباء يدخلون إليها يوميا يحملون الأدوية والأشربة لعلاج المرضى، كما أمر بإنفاذ أطباء متجولين مصحوبين بخزائن الأدوية والأشربة يطوفون البادية ويقيمون في كل ناحية بقدر الحاجة إليها”. مرسوم صحي شامل في دولة فقهاء، يضمن العلاج للسجناء والبدو معا، قبل قرون من ظهور المفهوم الحديث للصحة العامة.
أما الوقائع التي يستشهد بها عصيد إن صحت، فتنطبق عليها ملاحظات منهجية محددة. واقعة المولى سليمان حتى لو ثبتت بسندها التاريخي، تبقى استفتاء محليا في حقبة من حقب الانحطاط العلمي للمغرب، لا ترقى لأن تكون موقف الفقه الإسلامي.
كذلك واقعة فقهاء بغداد العثمانية التي نقلها علي الوردي، تظل فتوى منسوبة إلى مجلس محلي في ولاية عثمانية متأخرة، في حقبة هي ذاتها حقبة تراجع علمي شامل. والفقه تراث تراكمي يحكم بمجموعه لا بحوادث منعزلة من قرون الانحطاط. والمفارقة الكبرى أن بغداد التي يستحضر فيها عصيد فتوى الفقهاء العثمانيين، هي المدينة ذاتها التي أصدر فيها الوزير ابن عيسى بن الجراح مرسومه الصحي قبل قرون. أي بغداد يحاسب عصيد؟ بغداد الفقه والمنظومة الصحية المتقدمة، أم بغداد الانحطاط العثماني المتأخر؟
أما الواقعة الثالثة المتعلقة بمقترح تزويد الجيش الإسباني بالمؤن مقابل سبتة ومليلية، فهي مسألة سياسية لا فقهية في أصلها، تتعلق بتقدير المآلات والموازنة بين المصالح والمفاسد. ومن قال إن الموقف الذي اتخذه العلماء آنذاك خطأ سياسي، عليه أن يقدم سندا تاريخيا لما كان يجري في كواليس القرار، ومعطيات الواقع التي بنى عليها العلماء موقفهم. تحويل مسألة سياسية معقدة إلى محاكمة شاملة للفقه ضرب من التعميم لا يقبله المنطق ولا التاريخ. ثم إن سبتة ومليلية ظلتا تحت الاحتلال الإسباني إلى اليوم، رغم كل الحروب التي خاضها المغرب ضدهما، فاحتمال أن يكون المقترح حلا سحريا لاسترجاعهما بدون حرب احتمال بعيد عن الواقع التاريخي، لأن إسبانيا لم تكن لتتنازل عن موقع استراتيجي بهذه الأهمية مقابل مؤن، ولأن من اقترح الصفقة كان غالبا يبحث عن مصلحته الخاصة، لا عن خلاص المغرب.
ثم إن الحكم على الفقهاء والتراث الفقهي بكامله بوقائع محلية من حقبة انحطاطه يمارس مغالطة منهجية معروفة عند المناطقة، تسمى اختزال الكل في الجزء. ولو طبقت هذه المغالطة على الحضارة الأوروبية، لكانت النتيجة كارثية. فحين أنتجت الكنيسة الكاثوليكية فتاوى مماثلة في وباء الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، ورفض رجال الدين الحجر الصحي بدعوى إرادة الله، لم يتحول ذلك إلى دليل على إفلاس الحضارة الغربية برمتها، وصار حادثا تاريخيا يقرأ في سياقه. أما في حالة المسلمين، فالحوادث الجزئية تكفي عند عصيد لمحاكمة أربعة عشر قرنا من العلم والفقه والطب. والضرب في رجالاته.
وعليه، فإن التراث الفقهي الإسلامي أصل الحجر الصحي بنص نبوي، وطبقه عمر بن الخطاب. ورُفع الطب إلى مقام الفرض عند الفقهاء وقدمت أقوال كل من ابن حزم وابن عبد البر والغزالي والنووي وغيرهم الكثير.
كما أنتج هذا التراث منظومة صحة عامة متقدمة. وأنجب ابن سينا وابن رشد وابن النفيس والرازي والزهراوي وابن زهر القائمة تطول. والأنطاكي والمازري واليوسي الذي درس قانون ابن سينا قبل المولى سليمان الذي يستحضره عصيد بقرن واحد. وهو ذاته التراث الذي نجد به فقهاء وأطباء القرويين، أقدم جامعة في العالم بتصنيف اليونسكو وغينيس، منارة دُرّس فيها الطب وأصدرت إجازاته التي خلدها التاريخ.
إن عصيد وأمثال عصيد يوظفون التاريخ توظيفا انتقائيا بدل قراءته قراءة موضوعية فاحصة. والفرق بين القراءتين هو الفرق بين المؤرخ الباحث عن الحقيقة، والمحامي الباحث عن دليل إدانة مسبقة لو تطلب الأمر التضليل والتلفيق والافتراء.
* أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي، باحث في التربية والتراث الإسلامي