منتدى العمق

إعلام الجريمة.. ماذا يربح المواطن؟

تعيش الصحافة المغربية منذ سنوات مفارقة واضحة: توسع تقني هائل في النشر، يقابله تراجع في القيمة المعرفية للخبر. الخبر يُتداول بسرعة بين الهاتف والشاشة ومنصات التواصل، غير أن هذه السرعة دفعت جزءاً واسعاً من الإعلام نحو الاستهلاك اليومي للوقائع الأمنية والجرائم والحوادث. ليتحول الخبر الأمني إلى مادة دائمة الحضور، وتحولت الجريمة إلى عنصر ثابت في المشهد الإعلامي، حتى كأن المجتمع يعيش داخل دائرة متواصلة من العنف والاعتقالات والمطاردات.

تبدأ المسألة من صياغات تبدو عادية: “الأمن الوطني يعتقل مجرماً خطيراً”، “مصالح الأمن تفكك شبكة إجرامية”، “الشرطة تنجح في توقيف مشتبه فيه”. تتكرر هذه العبارات يومياً حتى اكتسبت طابعاً احتفالياً. يشعر القارئ أحياناً أن المؤسسة الأمنية تقوم بعمل استثنائي، مع أن الاعتقال والتحقيق يدخلان ضمن الوظيفة الأصلية لجهاز الأمن.

عندما يقرأ المواطن باستمرار أن الأمن “نجح” في أداء واجبه، تتشكل صورة ذهنية تجعل الوظيفة العمومية أقرب إلى إنجاز استثنائي. ولو طُبق المنطق نفسه على باقي المهن لأنتج عبارات مثيرة للسخرية: “الأستاذ نجح في شرح الدرس”، “الطبيب أجرى عملية جراحية”، “القاضي أصدر حكماً”.

المشكلة لا ترتبط بالعمل الأمني نفسه، ولكن بطريقة تقديمه إعلامياً. احترام المؤسسة الأمنية يختلف عن صناعة خطاب احتفالي دائم حول قيامها بواجبها الطبيعي. الصحافة المهنية تنقل الخبر وتشرح أبعاده وتترك للمواطن فرصة التفكير، أما الإغراق في اللغة التمجيدية فيحوّل الخبر إلى أداة لإعادة إنتاج صورة رمزية محددة عن السلطة.

يتصل هذا الجانب بمشكلة ثانية أكثر عمقاً: الحضور الكثيف لأخبار الجرائم داخل الإعلام المغربي. صفحات كثيرة تحولت إلى سجل يومي للعنف: قتل، اغتصاب، سطو، اعتداءات أسرية، مخدرات، عصابات، مطاردات. تتدفق هذه الأخبار بصيغ مثيرة وعناوين صادمة وصور مستفزة.

السؤال الجوهري هنا: ماذا يستفيد المواطن من هذا السيل المتواصل من أخبار الجريمة؟

الخبر يحمل قيمة اجتماعية عندما يضيف معرفة أو يساعد على فهم ظاهرة أو يفتح نقاشاً عاماً. أما التكرار اليومي للعنف دون تحليل اجتماعي أو قانوني أو نفسي، فإنه يحول الجريمة إلى مادة استهلاك جماهيري داخل اقتصاد رقمي قائم على الإثارة والانتباه. المنصات تربط النجاح بعدد النقرات والمشاهدات، وأخبار الجرائم تحقق تفاعلاً مرتفعاً لأنها تستفز الخوف والفضول والصدمة. ومع التكرار المستمر، يبدأ المواطن في تصور المجتمع كفضاء أكثر خطورة وتفككاً مما تعكسه المؤشرات الواقعية، فيتشكل إحساس جماعي بالخوف يتجاوز الواقع الإحصائي نفسه.

الشباب يتأثرون أكثر من غيرهم بهذا المناخ الإعلامي. عندما يواجه الشاب يومياً أخبار العنف والاحتيال والانتقام، يتشبع خياله الاجتماعي بصورة قاتمة عن الحياة العامة. تتحول الجريمة تدريجياً من حدث استثنائي إلى عنصر مألوف داخل المشهد اليومي.

الأخطر أن بعض التغطيات تمنح المجرم حضوراً درامياً جذاباً عبر العناوين المثيرة والسرد المشوق والتفاصيل الاستعراضية، فتتحول الجريمة تدريجياً من خبر إلى نموذج ثقافي ضمني، خاصة داخل المنصات الرقمية التي تبني انتشارها على الإثارة القصصية.

أي مجتمع ينتج رموزه عبر المدرسة والأسرة والإعلام والفن. عندما تهيمن الجريمة على المحتوى اليومي، يتراجع حضور العلماء والمفكرين والباحثين والمبدعين وأصحاب المبادرات الاجتماعية. المواطن يعرف تفاصيل حياة مجرم أكثر مما يعرف عن طبيب أنقذ قرية نائية أو أستاذ أحدث تحولاً داخل مدرسة عمومية أو باحث طور مشروعاً علمياً.

المشكلة لا ترتبط فقط بكمية أخبار الجريمة، وإنما أيضا بطريقة معالجتها أيضاً. كثير من المنابر تبني تغطيتها على التفاصيل المثيرة والصور والفيديوهات والسرد الاستعراضي، فتتحول الصحافة تدريجياً إلى عرض يومي للعنف بدل أن تكون أداة للفهم والتفسير.

المجتمع يحتاج إلى نوع مختلف من المعالجة. عندما تقع جريمة أسرية مثلاً، فإن القيمة الحقيقية للخبر تظهر عبر تحليل الأسباب الاجتماعية والنفسية والاقتصادية: التفكك الأسري، الإدمان، الهشاشة النفسية، الفقر، العزلة، ضعف التأطير التربوي. أما الاكتفاء بسرد الإثارة فينتج استهلاكاً عابراً للصدمة دون قيمة معرفية.

الصحافة المهنية تطرح الأسئلة الكبرى: لماذا تتزايد بعض أنماط العنف؟ كيف تؤثر البطالة والهشاشة على العلاقات الاجتماعية؟ ماذا يحدث داخل الأسرة المغربية؟ كيف تتعامل المدرسة مع التحولات النفسية للشباب؟ هذه الأسئلة تمنح المواطن فهماً أعمق للمجتمع.

المجتمع المغربي يعيش تحولات عميقة: تمدد المدن، تغير العلاقات الأسرية، ضغط اقتصادي، بطالة، صعود العالم الرقمي، تراجع القراءة، وتوسع الاستهلاك السريع للمحتوى. هذه المرحلة تحتاج إلى إعلام يشرح ويفسر ويربط الأحداث بسياقاتها العميقة، وليس إعلام يستهلك الخوف يومياً.

يمكن للإعلام الأمني أن يؤدي وظيفة مفيدة عندما يقدم معطيات دقيقة حول أساليب الاحتيال الجديدة، أو يشرح حقوق المواطنين القانونية، أو يناقش الأمن الرقمي وآليات الوقاية الاجتماعية من الجريمة. هذه المعالجة تمنح المواطن معرفة عملية تساعده على فهم الواقع وحماية نفسه. أما السرد الاستعراضي المتكرر للجرائم، فإنه يستهلك الانفعال الجماعي دون قيمة طويلة المدى.

الصحافة القوية تصنع مواطناً أكثر وعياً واتزاناً. المواطن يحتاج إلى معرفة ما يجري داخل مجتمعه، غير أنه يحتاج أيضاً إلى رؤية الصورة الكاملة: الاقتصاد، التعليم، الثقافة، الصحة النفسية، المبادرات المدنية، وقصص النجاح. التوازن بين هذه المجالات يمنح المجتمع مناعة فكرية ونفسية.

أما الإغراق في الجريمة والعنف، فإنه يدفع الوعي الجماعي نحو التشاؤم والخوف والتوتر الدائم. المجتمع لا يعيش على أخبار الاعتقالات وحدها، بل يعيش أيضاً على الأمل والعمل والمعرفة والإبداع والثقة المتبادلة.

لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة هادئة للخطاب الإعلامي المغربي، مراجعة تنطلق من سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: أي مواطن نريد أن تصنعه الصحافة؟ مواطن يستهلك الصدمة كل يوم، أم مواطن يفهم مجتمعه بعقل نقدي متزن؟

الجواب عن هذا السؤال يحدد مستقبل العلاقة بين الإعلام والمجتمع أكثر من أي تطور تقني أو رقمي آخر.