في زمن أصبحت فيه المعلومة تُنشر بسرعة البرق، وأصبحت فيه الحسابات المجهولة قادرة على صناعة الجدل وتوجيه الرأي العام دون أي التزام بأخلاقيات المهنة أو بواجب الإثبات، يبرز من جديد سؤال أساسي يتعلق بالفرق بين النقد المشروع والاستهداف الممنهج للشخصيات والمؤسسات الوطنية.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات السيد الامين العام نزار بركة لتضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدا عن منطق الإثارة والتشويه. فالرجل لم يرفض مبدأ النقد، ولم يهاجم حرية التعبير، بل حذر من التحول الخطير الذي يشهده الفضاء الرقمي، حيث أصبحت بعض الصفحات والحسابات الوهمية تمارس نوعا من “المحاكمات الرقمية” خارج أي إطار قانوني أو مهني.
إن ما قاله الأخ نزار بركة حول “خفافيش الظلمات العنكبوتية”
لا يمكن قراءته فقط كرد فعل على تسريبات أو ادعاءات معينة، بل كتنبيه سياسي ومجتمعي إلى خطر الحملات المنظمة التي تستهدف زرع الشك وفقدان الثقة داخل المجتمع. فهناك فرق كبير بين مساءلة المسؤولين بطريقة موضوعية قائمة على الوقائع والأدلة، وبين تحويل الفضاء الرقمي إلى منصة للتشهير والتأويل وبناء الاتهامات على معطيات غير مؤكدة.
ثم إن من يتابع المسار السياسي للأمين العام نزار بركة يدرك أنه من الشخصيات التي راكمت تجربة طويلة داخل مؤسسات الدولة، سواء في التدبير الحكومي أو الحزبي أو الاقتصادي، وظل دائما يقدم نفسه كفاعل سياسي يشتغل داخل المؤسسات وبمنطق المسؤولية. ولذلك فإن اختزال كل هذا المسار في منشورات مجهولة المصدر أو حملات رقمية موسمية، فيه الكثير من التجني والتبسيط.
الأخطر اليوم ليس فقط تداول الأخبار أو الادعاءات، بل تحوّل بعض المنصات إلى أدوات لبث الإحباط الجماعي وضرب الثقة في كل شيء: في السياسة، في المؤسسات، في المنتخبين، وحتى في أي تجربة تنموية أو إصلاحية. وهذا بالضبط ما حاول نزار بركة التحذير منه عندما تحدث عن الحروب الجديدة التي تُخاض بالكلمة والصورة والإشاعة.
ومن حق أي مواطن أن يطالب بالشفافية والمحاسبة، لكن من واجب الجميع أيضا احترام قرينة البراءة وعدم الانجرار وراء حملات التشويه التي قد تكون لها أهداف سياسية أو انتخابية أو حتى خارجية. لأن الدولة القوية لا تُبنى فقط بالمؤسسات، بل أيضا بثقة المجتمع في نفسه وفي استقراره وفي قدرته على التمييز بين النقد المسؤول ومحاولات العبث الجماعي.
لقد اختار المغرب مسارا قائما على الإصلاح والاستقرار والانفتاح، وهذا المسار الطبيعي أن يرافقه نقاش عمومي وانتقاد واختلاف. لكن الخطير هو أن يتحول هذا الاختلاف إلى حالة دائمة من التشكيك والتيئيس، تُدار أحيانا من خلف الشاشات والحسابات المجهولة، بعيدا عن أي مسؤولية أخلاقية أو وطنية.
لهذا فإن الدفاع عن شخص مثل الأخ نزار بركة ليس دفاعا عن فرد بقدر ما هو دفاع عن مبدأ أساسي: وهو أن النقاش السياسي يجب أن يبقى مؤطرا بالمسؤولية والموضوعية واحترام المؤسسات، لا بمنطق الإشاعة والتشهير والتجييش الرقمي.