أكدت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، اليوم الجمعة بمراكش، أن التحولات الرقمية المتسارعة وصعود الذكاء الاصطناعي يضعان الديمقراطيات المعاصرة أمام “اختبار بنيوي غير مسبوق”، يمس جوهر الحقوق والحريات الأساسية ويعيد تشكيل الفضاء العمومي بشكل عميق.
وقالت بوعياش، خلال افتتاح المؤتمر الدولي حول حقوق الإنسان وقوانين الانتخابات، إن احتضان “المدينة الحمراء” لهذا اللقاء الدولي يحمل دلالة رمزية خاصة، باعتبار مراكش فضاءً تاريخيًا للتلاقح الحضاري وتبادل الأفكار، مشيرة إلى أن اختيارها لاحتضان هذا النقاش يعكس حجم الرهانات المرتبطة بمستقبل النقاش العمومي وممارسة الحقوق في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وشددت على أن النقاش الدائر اليوم لا يقتصر على العلاقة بين التكنولوجيا والانتخابات، بل يطرح في عمقه سؤالًا جوهريًا يتعلق بكيفية حماية الحقوق والحريات في سياق أصبحت فيه الفضاءات الرقمية تعيد تشكيل شروط المشاركة السياسية وآليات تكوين الرأي العام.
وأوضحت أن الانتخابات لا تمثل مجرد آلية إجرائية لتداول السلطة، بل تُعد حقًا دستوريًا وإنسانيًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحرية الرأي والتعبير والمشاركة والمساواة في الولوج إلى المعلومة، محذرة من أن أي تأثير غير شفاف على تشكيل الرأي العام يمس جوهر العملية الديمقراطية ونزاهتها.
وفي سياق حديثها عن التحولات التكنولوجية، اعتبرت بوعياش أن العالم يعيش “لحظة مفصلية” شبيهة بالتحولات التاريخية الكبرى، في ظل صعود الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر في أنماط التواصل والعمل والمشاركة العامة.
وأضافت أن هذه التحولات تتيح فرصًا مهمة لتعزيز الحقوق والحريات، من خلال توسيع الولوج إلى المعلومات وتحسين الخدمات العمومية ودعم الشفافية، لكنها تفرض في المقابل تحديات معقدة تتعلق بحماية حرية الاختيار ونزاهة النقاش العمومي وصون الثقة داخل المجتمعات الديمقراطية.
وحذرت من أن الفضاءات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى “امتداد فعلي للفضاء العام”، تتحكم فيه خوارزميات غير شفافة تحدد طبيعة المحتوى الذي يطلع عليه المواطنون ويتفاعلون معه، ما يؤدي إلى تفكك المجال العمومي وظهور سرديات متوازية ومتناقضة.
كما توقفت عند ما وصفته بـ“آفة العصر”، والمتمثلة في التضليل والمعلومات الزائفة، معتبرة أنها باتت تهدد الحق في المعلومة وحرية الاختيار وسلامة العمليات الانتخابية، خاصة مع تطور تقنيات التزييف العميق والتوليد الآلي للمحتوى والاستهداف الدقيق للرأي العام.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي ساهم في تعقيد هذا المشهد، بالنظر إلى قدرته على إنتاج وتضخيم المحتوى بسرعة كبيرة وبتكلفة منخفضة، ما يجعل التمييز بين المعلومة الصحيحة والزائفة أكثر صعوبة، ويمنح الأخبار المضللة قدرة أكبر على الانتشار والتأثير.
وشددت بوعياش على أن التحدي لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو التخوف منها، بل في بناء حكامة ديمقراطية للفضاء الرقمي تقوم على الشفافية والمساءلة وعدم التمييز، وتحافظ على مركزية الإنسان وحقوقه في قلب التحول التكنولوجي.
وكشفت في هذا السياق أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان يعمل على إدماج التحولات الرقمية ضمن آليات ملاحظته للانتخابات، مشيرة إلى أن انتخابات 2021 شهدت اعتماد أدوات لتحليل الخطاب الرقمي وتتبع ديناميات المعلومات، مع الاستعداد لتطوير هذه الآليات خلال استحقاقات 2026 عبر تعزيز أدوات الرصد والتدقيق.
وختمت بالتأكيد على ضرورة إرساء إطار للحوار والتعاون بين المؤسسات والباحثين والفاعلين المعنيين، من أجل بلورة مقاربات مشتركة قادرة على مواكبة التحولات الرقمية من منظور حقوقي، وضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى عامل لإضعاف الديمقراطية، بل إلى أداة لتعزيز المشاركة والحرية والعدالة.