وجهة نظر

الأوقاف الخضراء في عهد ملوك الدولة العلوية الشريفة.. مسار حضاري نحو حياة طيبة

ملخص البحث

 من المعلوم أن الوقف يعد إحدى اللبنات الراسخة التي قامت عليها حضارتنا الإسلامية، وأحد أهم الوسائل التي اعتمدتها المجتمعات الإسلامية لتعزيز التكافل الاجتماعي والتنمية المستدامة،حتى صار من المصادر الهامة والرئيسة لحيوية المجتمع الإسلامي وفاعليته، وتجسيد حي ومباشر للقيم التي يتبانها الإسلام والهادفة إلى التكافل الاجتماعي وغرس عوامل التعاون والتعاضد. إنه أداة حيوية جسدت الحياة الطيبة التي ينشدها الإسلام، حياة قائمة على التكامل والتآزر، حيث تُستثمر الموارد لخدمة الإنسان وعموم الخلق.

وقد برز الوقف منذ فجر الإسلام كمعلم بارز، امتد تأثيره ليشمل أرجاء المعمورة، وكان للمغاربة دور رائد في التمسك بهذا الإرث النبيل عبر العصور، فقد حرص المغاربة بمختلف طبقاتهم على تخصيص الأوقاف وتوجيه ريعها لخدمة الدين وإقامة مشاريع الخير والمنافع العامة، ما عكس عمق التزامهم بروح الإسلام وتعاليمه السامية.

وفي تاريخ المغرب المشرق، نجد أن ملوك الدولة العلوية الشريفة شكلوا مثالاً يحتذى به في رعاية الأوقاف والعناية بها، إيمانًا منهم بأنها إحدى دعائم الحياة الطيبة التي تكفل توازن المجتمع وسعادته. ولم يكن اهتمامهم بالأوقاف محصورًا على المنافع المباشرة للإنسان، بل امتد ليشمل البيئة بكل عناصرها؛ من ماءٍ وطاقةٍ وغرسٍ وزرع، إيمانًا بواجب إعمار الأرض وتحقيق الاستدامة.

مقدمة

  مما لا شك فيه أن الوقف يشكل أحد المرتكزات الكبرى التي قامت عليها صروح الحضارة الإسلامية، وأحد أعمدة نظامها الاجتماعي القائم على التكافل والتعاضد. لقد تحول الوقف عبر العصور إلى أداة فاعلة في تجسيد قيم “الحياة الطيبة” التي بشّر بها الإسلام، حياةٍ قائمةٍ على استثمار الموارد في خدمة الإنسان وإعمار الأرض، بما يحقق التوازن بين المادي والروحي، ويصنع مجتمعًا متكاملًا متآزرًا.

وقد تميز المغرب، بفضل أصالته الدينية ورصيده الحضاري، بريادة بارزة في إحياء سنة الوقف وتطويرها؛ إذ لم يقتصر دوره على دعم الشعائر الدينية ومرافق العبادة، بل تجاوزها إلى بناء المدارس، ورعاية العلم، وإغاثة المحتاج، وحماية البيئة، في تناغم بديع بين مقاصد الشريعة ومتطلبات العمران. ومنذ قيام الدولة العلوية الشريفة، حرص ملوكها على تعهد الأوقاف بالرعاية والتجديد، باعتبارها ركيزة من ركائز الاستقرار المجتمعي ومصدراً من مصادر الاستدامة التنموية.

وفي العهد المجيد لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تعززت هذه الرؤية الحضارية لتواكب التحولات البيئية والاقتصادية المعاصرة، من خلال إطلاق مبادرات نوعية في مجال “الأوقاف الخضراء”، وربطها بالمخططات الوطنية الكبرى كـ”مخطط المغرب الأخضر” و”الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة”، فضلاً عن الريادة المغربية في القضايا المناخية على المستوى الدولي، والتي تُوجت باحتضان مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP22).

إن هذه الجهود المباركة تمثل دعوة مفتوحة لجميع الأجيال للسير على هذا النهج القويم، تحقيقًا لحياة طيبة متوازنة، تصون حقوق الإنسان والبيئة وتبني مستقبلًا زاهرًا للأجيال القادمة.

أهمية الدراسة:

  يحتل موضوع الأوقاف الخضراء في عهد ملوك الدولة العلوية الشريفة مكانة متميزة في تاريخ المغرب الحضاري، فهو يعكس رؤية استراتيجية ترتكز على الجمع بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة، والحفاظ على البيئة والمجتمع من جهة أخرى. فقد شكلت هذه الأوقاف لبنةً أساسية في تعزيز استقرار المجتمع المغربي، إذ لم تقتصر على كونها مجرد ممتلكات مادية أو أراضٍ زراعية، بل كانت أداة فاعلة لتحقيق الحياة الطيبة للمواطن، من خلال تمويل التعليم، وتحسين الموارد الزراعية، ودعم الفقراء والمحتاجين. كما تجسدت من خلالها حكمة الملوك العلويين في المزج بين الشرع والسياسة والاقتصاد الأخلاقي، بما يجعل هذا الإرث نموذجاً حضارياً يُدرس ويحتذى به في مقاربات التنمية المستدامة.

 إن دراسة هذا الموضوع تكشف بجلاء أن الأوقاف الخضراء لم تكن مجرد إدخار للثروة، بل مسار حضاري متكامل نحو حياة طيبة، تجمع بين الروحانية والمسؤولية الاجتماعية والاقتصاد الأخلاقي.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية وهي كيف أسهمت الأوقاف الخضراء في عهد ملوك الدولة العلوية الشريفة في تحقيق معادلة التنمية المستدامة والحياة الطيبة؟

 وتتفرع عنها جملة من التساؤلات الفرعية من قبيل:

ما الأسس الشرعية والفكرية التي تأسست عليها سياسة الأوقاف الخضراء في العهد العلوي؟

كيف ساهمت هذه الأوقاف في دعم الخدمات الاجتماعية؟

ما أثر الأوقاف الخضراء في ترسيخ قيم الاستدامة وتحقيق الحياة الطيبة في المجتمع المغربي؟

ماهي  الدروس الحضارية التي يمكن استلهامها من التجربة العلوية في إدارة الأوقاف الخضراء لمواجهة تحديات التنمية المعاصرة؟

أهداف الدراسة: 

إستجلاء مفهوم الوقف الأخضر ومشروعيته، وإبراز نماذجه المشرقة باعتباره رافداً روحياً ومادياً لبناء حياة طيبة .

تعزيز مكانة الأوقاف كركيزة استراتيجية للتنمية المستدامة، وحماية البيئة.

إماطة اللثام عن مظاهر عناية الملوك العلويين بالأوقاف، خاصة البيئية منها، كعنوان لرؤية حضارية رسخت قيم الخير والنماء في صفحات التاريخ الإسلامي.

تسليط الضوء على جهود مولانا أمير المؤمنين الملك محمد السادس أعزه الله ونصره في دعم الأوقاف الخضراء، وإبراز بعدها الإنساني والبيئي في خدمة الوطن والمواطن.

إبراز استمرارية رسالة الأوقاف عبر العصور، من إرث السلف الصالح إلى مشاريع العصر الحديث، كجسر حضاري متين يربط الأصالة بالتجديد في مسار الحياة الطيبة.

خطة البحث: 

  • مقدمة

المبحث الأول: تعريف الوقف الأخضر وأركانه 

المبحث الثاني: مشروعية الوقف الأخضر 

المبحث الثالث:  ازدهار الوقف الأخضر في عهد الدولة  العلوية الشريفة 

المبحث الرابع: مقاصد الوقف الأخضر  

  • خاتمة 

 

المبحث الأول: الوقف الأخضر: مفهوم متجدد وأركان راسخة

أولا- تعريف الوقف 

  1. تعريف الوقف لغة 

يقول ابن فارس: “الواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكث في شيء ثم يقاس عليه.”)

، يقال وقفت الدابة وقوفا، ووقفه على ذنبه إذا أطلعه عليه، ووقفت الدار على المساكين وقفا.

فمعنى الوقف إذن يدور حول الحبس ،وإنما سمي ذلك لما فيه من حبس المال لجهة ما

  1. تعريف الوقف في الاصطلاح 

تعريف الفقهاء للوقف عند الفقهاء تابع للمسائل الجزية فيه، وعند المالكية حده ابن عرفة بقوله: “إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا .

شرح قيود التعريف

إعطاء منفعة: خرج به إعطاء الذات كالهبة 

شيء: أي ما يكون متمولا بصيغة التنكير من باب العموم 

مدة وجوده: خرجت العارية والعمرى لأن المنفعة ليست لا زمة وجود ذلك. 

لا زما بقاؤه في ملك معطيه: بمعنى أن الوقف لا يسقط الملك، فلا يقطع الوقف حق الملكية عند المالكية. 

أما مدونة الأوقاف المغربية فإنها عرفت الوقف في المادة 1 باعتباره “كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة ،وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة. ويتم إنشاؤه بعقد، أو بوصية، أو بقوة القانون .”  

ولا يخفى ما بين تعريف ابن عرفة وتعريف المدونة من اختلاف يسير، لا سيما تصريح المدونة بأن الوقف يصح تأقيتا وتأبيدا، وظاهر تعريف ابن عرفة له أنه على وجه التأبيد، علما أن المالكية لا يشترطون التأبيد في الوقف. 

وعلى كل فإن العناصر الأساسية للوقف من خلال التعريفات هما عنصران: 

إعطاء منفعة الموقوف لا أصله. 

بقاء ملكية الموقوف للواقف بعد إعطائه منفعته. 

ثانيا: تعريف مصطلح الوقف البيئي 

  من المعلوم أن الأوقاف منذ الصدر الأول في الإسلام متوجهة إلى مجموعة من المجالات (الصحية، العلمية ،الاقتصادية، الاجتماعية، البيئية…)، وعلى ذلك فإن المتقدمين لم يخصصوا كل نوع من أنواع الوقف بالحد والتعريف ،مع ما يذكرون من تفاصيل وجزئيات تتعلق به، على خلاف المعاصرين الذين حاولوا تخصيص الوقف الأخضر أو البيئي واعتباره:” كل ما يتم وقفه في سبيل حماية الإطار أو الوسط الطبيعي المحيط بالإنسان بكل مكوناته؛ من هواء وماء ونباتات وحيوانات وبحار وجبال وغيرها من الموارد الطبيعية، وكذا الاستفادة من هذه المكونات بطريقة رشيدة ومستدامة، كما يشمل اهتمامه: النظافة، ومقاومة الأمراض، وتعميم نشر الصحة، وتوفير الماء النظيف والغذاء الصحي، والقضاء على الفقر”.  

ويمكن أن يعرف الأخضر أو الوقف البيئي بأنه: الوقف الذي يقع على إحدى العناصر المكونة للوسط البيئي، وما يصرف ريعه من أجل المحافظة على البيئة واستدامة مواردها، بشكل مباشر أو غير مباشر. 

ولا غرو أن أركان الوقف الأخضر البيئي كغيره من أنواع الوقف يتوقف على شروط وأركان، وهي عند المالكية أربعة: 

الواقف 

والموقوف 

الموقوف عليه 

الصيغة 

وقد فصل ابن جزي الغرناطي رحمه في هذه الأركان، فذكر أن من شروط الواقف أن يكون مالكا صحيحا، وفي المحبس عليه أن يكون إنسانا أو غيره كالمساجد والمدارس، مع صحة الوقف على المعدوم والمجهول والمسلم والذمي. 

وأما الشيء الموقوف فمتعدد ومتنوع يمكن أن يكون عقارا كالديار والمساجد والحوانيت والآبار والقناطر، ولا يصح وقف الطعام، واختلف في وقف العروض والرقيق . 

وأما الصيغة فما دل على الحبس والوقف والصدقة ،وما يقتضي ذلك كقول المالك: محرم لا يباع ولا يوهب، وكالإذن بالصلاة في موضع اتخذه مسجدا)

المبحث الثاني: مشروعية الوقف الأخضر 

رغب الإسلام في الوقف عامة ورتب عليه أجرا جزيلا، لما له من آثار على المجتمع، فقد حض القرآن الكريم في كثير من الآيات على العطاء والإنفاق والمسارعة إليه في السراء والضراء، ومن ذك قول الحق سبحانه وتعالى: “لن تـنالواْ البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليموفي شأن الآية يقول ابن العربي:” في تفسير هذه النفقة: قال ابن عمر: وهي صدقة الفرض والتطوع .وقيل :هي سبل الخير كلها، وهو الصحيح لعموم الآية”)وقوله سبحانه:” يا أيـهَا الذينَ ءآمَنوا اركْعوا وَاسْجُدُوا وَاعْبدُوا ربكُمْ وَافـعَلوا الْخيْـرَ لعَلكُمْ تفلحون، فالأمر بفعل الخير فيه ندب فيما عدا الواجبات التي أمر الله بها أمرا جازما في مواضع كثيرة من القرآن) .

وأخرج البخاري في صحيحه عَنْ أبي هُريـرةَ، رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ:” مَنْ احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانا بالله، وتصديقًا بوعده، فإنَّ شبعهُ وريهُ وروْثهُ وبولهُ في ميزانه يومَ القيامَة

قال ابن بطال:” قال المهلب :هذا الحديث يدل أن الأحباس جارية في الخيل والرياع وغيرها“)

وفي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال): إذَا مَاتَ الإنسَانُ انـقَطعَ عنْه عَمَلهُ إلا رمن ثلَا ثةٍ  :إلا من صَدَقةٍ جَاريةٍ، أوْ علْمٍ يـنْتـفَعُ برره، أوْ وَلدٍ صَالحٍ يَدْعُو له،  قال القاضي عياض في شرح الحديث:” وذلك لأن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها؛ من اكتسابه الولد، وبثه العلم عند من حمله فيه، أو إيداعه تأليفا بقى بعده، وإيقافه هذه الصدقة بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت. وفيه دليل على جواز الوقف والحبس .ورد على من منعه من الكوفيين؛ لأن الصدقة الجارية بعد الموت إنما تكون بالوقوف”.

وأجمع المسلمون منذ الصدر الأول على أن الوقف مشروع ومندوب إليه عمل به الصحابة والتابعون، وعمل به المسلمون بعدهم جيلا بعد جيل حتى صار ميزة من مميزات الحضارة الإسلامية، يقول ابن رشد:” فالأحباس سنة قائمة عمل بها النبي -عليه السلام – والمسلمون من بعده”)14 .

فعن ثمامة بن حزن القشيري، قال :شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال :ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي .قال :فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال :فأشرف عليهم عثمان، فقال :أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: “من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر .قالوا :اللهم نعم“.

ولأهمية الماء في حياة الإنسان، وما له من صلة جوهرية ببقاء الكائنات واستمرار العمران، قرّر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف أن تسبيله يعدّ وجهاً من أوجه البِرّ والقربات العظام التي يتقرب بها العبد إلى ربه، لما فيها من نفع متعدٍّ وأثر دائم. وقد كان لهذا التوجيه النبوي أثر بالغ في نفوس المسلمين عبر العصور، حيث استجابوا له استجابة عملية تمثّلت في إقامة الأوقاف المائية، وإنشاء السقايات في القرى والمدن وعلى الطرقات، قصد توفير المياه العذبة للشاربين من البشر والدواب على السواء. ولم يقتصر هذا الاهتمام على عامة الناس وأهل الخير، بل تجاوزه إلى السلاطين والأمراء وأصحاب اليسار من الموسرين، الذين جعلوا من هذا العمل باباً لنيل الأجر واستدامة الذكر الحسن، ووسيلة لدعم الحياة الاجتماعية والعمرانية في مختلف الحواضر الإسلامية.

المبحث الثالث: ازدهار الوقف الأخضر في عهد ملوك الدولة  العلوية الشريفة 

  يعد الوقف من الخصائص الأصيلة الملازمة للشريعة الإسلامية، وواحدة من السمات الحضارية البارزة التي أسهمت في ترسيخ معالم العمران المادي والروحي للأمة. فقد جسّد عبر العصور منظومة متكاملة من قيم البذل والإيثار والتكافل، وساهم في بناء حياة طيبة تجمع بين نبل المقاصد ورقي الوسائل. ويُسجّل للمغاربة – قديمًا وحديثًا – ريادتهم في توظيف الوقف باعتباره رافدًا حضاريًا يمدّ جسور العطاء بين الأجيال، ويُسهم في بناء مجتمع متوازن تتكافأ فيه حاجات الروح والجسد، ويُراعى فيه توازن الإنسان مع محيطه.

وإذا كان ظهور الوقف في المغرب قد تزامن مع الفتح الإسلامي، فإنّ مسيرته عرفت تدرّجات في العطاء والازدهار، فكانت هناك فترات بلغ فيها الوقف أوجه من حيث الامتداد المجالي، والقيمة الاقتصادية، والدور الاجتماعي والبيئي، سواء على مستوى المبادرات الفردية أو السياسات الحكومية. ويبرز في هذا السياق العهد العلوي الشريف كمرحلة نوعية تميّزت برؤية إصلاحية متكاملة؛ حيث أولت الدولة عناية فائقة بالأوقاف من خلال الحفاظ عليها، وتكثيرها، وضبطها في دفاتر توثيقية تحولت إلى سجلات قانونية تحفظ الملكية وتُصون الحقوق، فضلاً عن تأسيس النظارة العامة للأوقاف التي أرست دعائم التدبير المؤسسي وفق معايير حديثة ضمنت ديمومة هذا الإرث الحضاري.

بهذا المعنى، لم يكن الوقف مجرّد آلية اقتصادية أو صدقة جارية، بل كان مشروعًا حضاريًا متجدّدًا يربط الماضي بالحاضر، ويستشرف المستقبل برؤية تحقق مقاصد الشريعة في تحقيق النماء، وترسيخ معاني التكافل، وصون مقومات الحياة الطيبة للإنسان والمجتمع والبيئة معًا.

 ولقد وصف العلامة المكي الناصري-رحمه الله-سنة الملوك العلويين مع الوقف فقال:” أما النظرية العامة التي كان يطبقها الملوك العلويون الأكرمون، ومن قبلهم من ملوك الدولة المغربية، فهي اعتبار الأوقاف تراثا خاصة لجماعة المسلمين، وتخصيص مداخيلها وأوفارها للقيام بشعائر الإسلام وتعليم الدين، ومؤاساة البؤساء والغرباء، فكانت تنفق على المساجد والمدارس والملاجئ ، وأحيانا ينفق منها في تحصينات الثغور، وإنارة الدروب ، وتنظيف الشوارع وتوزيع المياه العذبة”

ولقد استمرت العناية بشؤون الوقف عموما موصولة في عهد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه  الذي زاد فيها واعتنى بها، بالرغم من وطأة الاستعمار وما ألحقه بالأوقاف من إفساد، مرورا بعهد المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، الذي أولى عناية كبيرة بالأوقاف،  وتوطدت هذه العناية الخاصة في وقتنا المعاصر   في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس- أدام الله عزه ونصره- خاصة بعد صدور مدونة الأوقاف، والتي قال عنها مولانا أمير المومنين  – مؤيدا منصورا- :” وإيمانا من جلالتنا بأهمية تقنين القواعد الفقهية المتعلقة به، بما يدرأ  تعدد الأقوال واختلاف التأويلات بشأنها، ويجمع شتاتها، ويحقق لها الانسجام مع مكونات المنظومة التشريعية المغربية  ، ومواصلة منا لمسيرة تحديث القوانين التي اطلقت في عهد جلالة والدنا المنعم أمير المؤمنين الحسن الثاني طيب الله  ثراه، والتي أوليناها فائق عنايتنا وكبير اهتمامنا من خلال الحرص على مواكبتها لأحد  الأنظمة القانونية المعاصرة ،وفقا لهذا المنهج قررنا إصدار مدونة للأوقاف تجمع الأحكام الفقهية المتناثرة للوقف”

1- توفير مصادر المياه والعناية بها 

يُعَدُّ الوقف المائي أحد الركائز الحضارية التي أبدعها العقل الإسلامي في تدبير الموارد الحيوية وخدمة المجتمع عبر العصور. فمنذ القرون الأولى، نشأت مؤسسات وقفية مائية ذات طابع إنساني وتنموي، سخَّرت جهودها لتوفير الماء للمرافق الحيوية والمساجد والمدارس والمستشفيات والسبل العامة، مجسِّدةً بذلك رؤية الإسلام في جعل الماء صدقةً جارية وموردًا مستدامًا. ولم يقتصر أثر هذه الأوقاف على تلبية حاجة أساسية فحسب، بل أسهمت كذلك في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز قيم التكافل والبر، وصياغة نموذج حضاري متفرِّد لإدارة الموارد بما يوازن بين البعد الروحي والوظيفة التنموية، قال تعالى:  وَجَعَلْنا منَ الماء كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ  أفلَا  يـومنونَ

ومن هذا التوجيه الرباني لأهمية الماء في الحياة سعى ملوك وسلاطين الدولة العلوية إلى الاهتمام بالأوقاف التي تقع على هذا العنصر البيئي المهم من جوانب متعددة، مما زاد اهتماما من لدن الرعية أيضا، فقد كانت المصادر الحبسية للمياه من عيون ووديان أهم مصادر المياه الأول، ففي فاس على سبيل المثال، انتشرت المياه الحبسية بكثرة حتى أطلق عليها مدينة الماء. كما أن طابع التنوع يغلب على منابع المياه الحبسية بين المدار الحضري والقروي.

وقد سجلت كتب التاريخ ما حظي به المرفق المائي في مجال الوقف في المغرب من لدن الجهة المكلفة بالوقف في العهد العلوي، بتنظيم مرافقه ، وإدارته، جلبا وتنقية ، وتخزينا وتوزيعا، وحفظا له من الإسراف  لما يؤدي إلى الاختلال في التوازن البيئي، فعلى سبيل المثال كان لو زارة الأوقاف دور في مجابهة التلاعب والزيادة في الحصة المتفق عليها بين النظارة والمكتري للمياه الحبسية أو الإضرار بالماء بطرح المجرى المائي الملوث  في المجرى الصالح، أو بناء السدود بمجرى الماء العام بما يقلل من استفادة الناس منه، فقد كان نهر وادي فاس لحقت به أضرار بالاستفادة منه بدون وجه حق ،مما أدى إلى تدخل ناظر وقف فاس لدفع هذا الضرر الحال بالمياه العامة

لقد أبدعت العمارة الوقفية الإسلامية في ابتكار تصاميم هندسية راقية للسقايات والمساقي داخل المساجد وحولها، حيث شُيِّدت على هيئة دخلات معمارية غائرة تتدفق منها المياه العذبة إلى الأحواض، لتزوِّد المصلين وعابري السبيل عبر الأسبلة والسقايات المهيأة بعناية. ولم يقتصر الإحسان الوقفي على الإنسان فحسب، بل شمل الدواب أيضًا، إذ خصصت لها أحواض مستقلة متصلة بمنظومة المياه ذاتها، مما يعكس البعد الإنساني والحضاري في هندسة الوقف المائي، ويجسّد روح التكافل والإحسان التي طبعت الحياة العمرانية والاجتماعية في الحضارة الإسلامية ولم تتوقف عناية مؤسسة الوقف في العهد العلوي الشريف باستزادة الأوقاف وتدبيرها فحسب، بل كانت تعتمد في إصلاح مرافق الأوقاف على انتداب مجموعة من الخبراء والمعلمين المتخصصين في مجال الماء، لتحديد الأعطاب اللاحقة بها وبيان أضرارها على الماء والبيئة المحيطة به، واقتراح الحلول لمعالجته

يُجسد البعد المائي في الأوقاف المغربية امتدادًا حضاريًا عريقًا يجمع بين مقاصد الشريعة الإسلامية ومتطلبات التنمية المستدامة، فقد أولت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في عهد مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أهمية كبرى لتدبير هذا المورد الحيوي، ليس باعتباره عنصرًا مادّيًا فحسب، بل باعتباره رأسمالًا حضاريًا وروحيًا يُسهم في بناء الحياة الطيبة للأمة.

وفي هذا السياق، قامت الوزارة بتبني برامج تحديثية لتدبير الموارد المائية الوقفية واستثمارها بالطرق التي من شأنها الرفع من قيمتها ومردوديتها، وتوجيه النظارات للعناية المستمرة بها. ومن أبرز النماذج الواقعية لهذا التوجه إنشاء متحف محمد السادس لحضارة الماء بمراكش، بموجب قرار وزير الأوقاف رقم 97.17 الصادر في 30 مارس 2017 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 6559 بتاريخ 10 أبريل 2017، حيث يبرز هذا الصرح كيف كانت الأحباس عبر التاريخ تدير الماء بمنهجية دقيقة، موجهة أولوية الاستفادة منه إلى المساجد والسقايات العمومية والمدارس والحمامات، بينما يتم استغلال ما فاض من ذلك المورد عبر آلية الكراء المنظمة.

هذا التوظيف الحضاري للماء الوقفي يبرز أن المقاربة المغربية في تدبير الأوقاف ليست محصورة في البعد العبادي أو الاقتصادي، بل تتعداها إلى رؤية تكاملية تستحضر البعد البيئي والاجتماعي، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمورد الطبيعي في إطار مشروع حضاري يرنو إلى تحقيق الحياة الطيبة.

2- أوقاف النظافة والطهارة وتحسين المحيط 

انتشر في عهد الدولة العلوية بالمغرب أوقاف عديدة بغرض النظافة وتحسين المحيط، استغل ريعها في تعبيد الطرق داخل المدن وتنظيفها، ورفع الحجارة عنها، بل وصلت إلى تحصين الثغور وإنارة الدروب والشوارع وتنظيفها، وأنشئت بسببها كثير من الحمامات والأرحية والسقايات، وكانت المؤسسات الوقفية من مساجد يعتنى بنظافتها

ولقد شملت عناية الأوقاف المغربية في العهد العلوي الشريف الحفاظ على البيئة ونظافتها ودفع كل ما يلوثها، سواء في مكافحة الأزبال والنفايات، والعمل على إزالة الأذى عن الطرقات، ففي القرن 19 الميلادي خصصت أ وقاف مدينة الرباط فندقين لمبيت أبقار وبهائم سكان المدينة مجانا، الواقعان بحومة الجزاء بالرباط، وذلك لحماية السكان من الروائح والإزعاج الذي تصدره هذه البهائم، وفي تطوان كان هناك وقف لتنظيف الطرق وكنسها ورشها بالماء  ،كما حرصت الأوقاف على تخصيص عامل يقوم بتنظيف الكنيف وتسليك مجراه، وخصصت له راتبا شهريا يقبضه من وفر مدخوله

ففي رسالة للمولى الحسن إلى ناظر الأحباس بالدار البيضاء في 17 ذي القعدة 1298هـ جاء فيها” وبعد، وصلنا  كتابك جوابا عما كتبنا لك به في شأن إكمال حمام الجامع لاحتياج الناس إليه، بأنه لا وفر للجامع”. ولا غرو أن هذه الحمامات الموقوفة أسهمت في توفير النظافة، لكونها مراكز الطهارة، وغالبا ما تجاور المساجد، ليتيسر التطهر قبل الدخول لأداء الصلاة. 

واتباعا لهذه السنة الحميدة فقد أشرف جلالة المغفور الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه على بناء المعلمة الدينية مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجعل من مرافقه حمامات تمتد على مساحة 6.222 متر مربع وتنقسم إلى حمامين أحدهما مخصص للرجال والآخر للنساء حيث أن كل حمام يمتد على مساحة  3.000متر مربع وينقسم إلى نوعين من الحمامات : 

الحمام التقليدي”Bain Maures ”  بقاعاته الثلا ث )الدافئة، والساخنة والساخنة جدا. 

الحمام الصحي”Bain de santé”  المزود بمياه البحر الساخنة

كما تقع قاعة الوضوء في المسجد في الطابق تحت أرضي وتبلغ طاقتها الاستيعابية 1422 شخص .وتتوفر على 41 نافورة رخامية على شكل زهور اللوتس، وعلى 622 صنبور وسط ديكور من الزليج وطلاء تدلاكت. وأسند إلى نظافتها شركة خاصة. وما ذاك إلا لحرص جلالته على النظافة والطهارة، نسأل الله تعالى أن يثقل بذلك موازين حسانة جلالته. 

ولقد كان لنظافة المساجد والمرافق العامة  كالمقابر كبير اهتمام من لدن الدولة العلوية منذ نشأتها، فهذا السلطان المولى الحسن كتب إلى ناظر الوقف في 13 رجب 1304 ” وبعد فقد بلغنا أن المسجد المدعو بجامع الحجاج سقط منه الجدار القبلي وصار مزبلة يقذره الناس ويدخله صبيان اليهود والنصارى، وذلك غير سائغ لما فيه من انتهاك الحرمة، وعليه فإذا كان للمسجد وفر فنأمرك بإصلاحه منه، لأن أهم ما يقصد من الوفر وغايته إصلاح الوقف وتداركه والتحفظ مما يؤدي إلى التخريب والتعطيل، حتى إن الشرع جوز إصلاح الوقف بوفر غيره إن استغني عنه ،وإذا لم يتوفر ما يقوم به الإصلاح، فأعد الإعلام لجنابنا العالي بالله لنرى فيه، لكن بعد كنسه وتحصينه بالحجر منالجهة المتهدمة، حفظا من القذارة وجولان الصبية فيه والسلام”28.  

ولقد بلغ الاهتمام بنظافة المساجد والمرافق المحيطة بها أوجه في عصرنا الحالي، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على العناية الشكلية بالمباني، بل تعداه إلى اعتماد مقاربة حضارية شمولية تجعل من النظافة جزءًا من الرسالة الروحية والاجتماعية للمسجد. وقد خصصت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مكافآت للقائمين على نظافة بيوت الله وكنسها، ووفرت تجهيزات عصرية لضمان راحة روادها، إدراكًا منها أن جمالية المكان ونقاؤه يعكسان قدسيته ويُسهمان في ترسيخ معاني السكينة والخشوع.

وترتبط هذه العناية ارتباطًا وثيقًا بمشروع تسديد التبليغ الذي أطلقته الوزارة باعتباره إطارًا توجيهيًا يروم إبراز القيم الإسلامية في أبهى صورها، من خلال ربط رسالة التبليغ بالواقع المعيش للمجتمع المغربي. فالنظافة في المسجد ليست مظهرًا خارجيًا فحسب، بل هي قيمة شرعية أصيلة تندرج ضمن مقاصد الطهارة في الإسلام، وتجسّد في بعدها الحضاري مفهوم الحياة الطيبة التي تتجاوز العبادات إلى أنماط العيش والسلوكيات اليومية.

وقد تضمن مشروع تسديد التبليغ العديد من التوجيهات التي تؤكد أن تجديد الخطاب الديني لا ينفصل عن توفير بيئة مكانية ملائمة تعكس الجمال والنظام، الأمر الذي يجعل المسجد فضاءً جامعًا بين الطهارة الحسية والطهارة المعنوية، ويسهم في بناء وعي جماعي بأن الإيمان سلوك وحياة، وليس مجرد أداء للطقوس.

3– متحف محمد السادس لحضارة الماء نموذج مشرق للعناية بالوقف الأخضر في العصر الحاضر

يعد متحف حضارة الماء بمراكش من أهم المعالم الحضارية في عصرنا الحاضر، أحدث بتوجيه من أمير المومنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ،ليؤرخ لدور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في تدبير هذه الثروة المائية، وكذا الثورة التي أطلقها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، خاصة في مجال بناء السدود وتخزين المياه. فهو يقدم توثيقا غنيا بالمعلومات والمعطيات والأفكار، إلى جانب الأعمال المعروضة التي تسلط الضوء على مختلف جوانب الثورة المائية بالمغرب، فصدر في الجريدة الرسمية عدد 6556 بتاريخ 12 رجب 1438)12 أبريل 2217( قرار لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية رقم 677.1 بإحداث  متحف محمد السادس لحضارة الماء بالمغرب والصادر في فاتح رجب 1438)32 مارس 2217،  وقد  أشرف على تدشينه ولي العهد الأمير الجليل  مولاي الحسن حفظه الله بتاريخ 05 يناير 2017. 

وسياق إحداث هذا المتحف رهين بإبراز معالم العبقرية المغربية، والتعبير عن مشاعر العز بأهم منجزات الملوك المغاربة خاصة ملوك الدولة العلوية الشريفة في مجال تدبير الماء، حيث يوفر المتحف الذي شيدته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بغلاف مالي يناهز 163 مليون درهم، على مساحة إجمالية قدرها 20 ألف متر مربع، منها 3533 متر مربع مبنية ،6105متر مربع مغطاة، و16467 متر مربع مساحة للتهيئة الخارجية، كما أنشئ فيه فضاء للعروض الدائمة بمساحة 2235 ، وآخر للعروض المؤقتة 570 متر مربع، علاوة على جناح تربوي وإداري تناهز مساحته 3300 متر مربع، بالإضافة إلى المساحات الخضراء

وبالرجوع إلى المادة 3 من القرار رقم79.17 السالف، فإن أبرز اختصاصات هذا المتحف هي ما يلي: 

ضبط التحف الموجودة بالمتحف وإعداد سجلات وجذاذات جرد خاص به؛ 

التعريف بالتراث المغربي في مجال استعمال الماء؛ 

المحافظة على التحف والمنقولات الأثرية ذات العلاقة باستعمال الماء وصيانتها؛ 

عرض التحف المتعلقة باستعمال الماء بكيفية تبِز جماليتها وتجعلها في متناول العموم؛ 

إغناء محتويات المتحف عن طريق اقتناء التحف المملوكة للخواص ذات العلاقة باستعمال الماء؛ 

المشاركة في المعارض والأنشطة ذات العلاقة باختصاصات المتحف. 

وتشمل المتحف 3 مصالح على النحو الآتي: 

 

وتختص كل مصلحة حسب مواد القرار بمجموعة من الاختصاصات على النحو الآتي: 

تختص مصلحة الشؤون الإدارية والمالية بما يلي: 

تدبير شؤون العاملين بالمتحف؛ 

اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لفرض النظام وحسن سير العمل الإداري بالمتحف؛ 

توفير الأدوات والمعدات اللازمة لسير العمل بالمتحف؛ 

تدبير الشؤون المالية للمتحف؛ 

إعداد المقترحات المتعلقة بالاعتمادات المالية اللازمة لتسيير المتحف. 

.وتختص مصلحة الاقتناءات بما يلي31: 

اقتناء التحف والمنقولات الأثرية ذات العلاقة باستعمال الماء بالمغرب؛ 

ترتيب التحف وتصنيفها ووضعها رهن إشارة العموم؛ 

المشاركة في المعارض والتعريف بالترا  المغربي في مجال استعمال الماء. 

أما مصلحة الصيانة فإنها تختص حسب المادة 7 من القرار بما يلي:

اتخاذ الإجراءات اللازمة لصيانة مرافق المتحف وإصلاحها وترميمها؛ 

ضبط التحف الموجودة بالمتحف والمحافظة عليها وترميمها وصيانتها؛ 

جرد رصيد المتحف من المخطوطات والمحافظة عليه. 

إن هذا المتحف بحق يعد معلمة متحفية رائدة متخصصة في تاريخ الماء بالمغرب، ليس فقط لكونه يوثق لمسار طويل من الإبداع الهندسي والفقهي في تدبير الموارد المائية، بل لأنه يترجم رؤية حضارية متكاملة تجعل من الماء قيمة روحية واقتصادية وبيئية في آن واحد. فالمعرض الدائم بالمتحف يعرض نماذج نادرة من الوثائق الحبسية، والمخطوطات الفقهية، والمنشآت المائية التاريخية التي تكشف عن براعة المغاربة في ابتكار قنوات السقي، والأنظمة التقليدية لتوزيع المياه بعدالة ووفق ضوابط شرعية دقيقة.

ويمثل هذا المتحف كذلك ترجمة عملية لرؤية أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره، في العناية بالبيئة والأوقاف الخضراء، من خلال دمج البعد التوعوي والتربوي بالبعد التاريخي والروحي. فهو لا يكتفي بعرض الموروث المائي الإسلامي، بل يسعى إلى ترسيخ الوعي المجتمعي بقيمة الماء كأمانة شرعية، وإبراز مكانته في صناعة الحياة الطيبة القائمة على التوازن بين حاجات الإنسان وحقوقه الطبيعة.

كما أن إنشاء هذا الصرح العلمي والثقافي يعكس سياسة المملكة في الاستثمار في التراث اللامادي، حيث يتم تقديمه كرافعة للتنمية الثقافية والسياحية والبيئية، بما يعزز مكانة الأوقاف المغربية كمؤسسة جامعة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

المبحث الرابع: مقاصد الوقف الأخضر 

يعد الوقف الأخضر امتدادًا راقيًا لفلسفة الوقف في الحضارة الإسلامية، إذ لا يقتصر أثره على البُعد التعبدي فحسب، بل يتجاوزه ليعانق آفاقًا أرحب من الإصلاح العمراني والإنماء البيئي وخدمة المجتمع.

 ومقاصده تتشابك مع المقاصد الكبرى للشريعة، لتؤكد أن حماية الموارد الطبيعية ورعاية البيئة ليست ترفًا حضاريًا،بل عبادة ممتدة النفع. ومن أبرز هذه المقاصد:

1- المقاصد الأخلاقية: ويمكن أن يعبِ عنها بالمقاصد الروحية والتعبدية، فالواقف وقفا صحيا يتغيى ث واب الله، لا سيما وأن الأوقاف مما تجري به جزاءات الأعمال حتى بعد الممات. 

2- المقصد الاجتماعي: وذلك بمساعدة الفقراء والمحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وتحقيق التكافل الاجتماعي الذي يطبع المجتمع الإسلامي. 

3- المقصد الثقافي: بنشر الثقافة والعلم والمعرفة. 

4- المقصد الاقتصادي: ويعبِر عنه أيضا بالمقصد التنموي. 

يغدو الوقف البيئي أكثر من مجرد تصرّف مالي؛ فهو رؤية تنموية تجسد مفهوم التنمية المستدامة، إذ يمثل ركناً أساسيًا من أركان التنمية المتوازنة التي تحافظ على الأصول الإنتاجية وتُجدّدها، في سياق يلتقي فيه البعد البيئي مع متطلبات الاقتصاد والمجتمع. فالوقف البيئي، بهذا المعنى، هو مشروع حضاري شامل يسعى لبناء ثروة مستدامة، ورعاية البيئة، وضمان استمرار خدماتها للأجيال الآتية.

وقد كرّس الفقه المالكي هذا البُعد الوقفي، معتبرًا أن الوقف ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق مصلحة طويلة الأمد بين الموقِف والمجتمع. فتعريفه للوقف ورد في كتب الفقه المالكي على نحو مفاده: «إعطاء منفعة شيء مدة وجوده، لازمًا بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديرًا “هذا التعريف يضيء على أن الوقف مبدأ مرن وعميق، يتضمن حفظ الأصل واستدامة النفع.

وعلى المستوى المصلحي، يلتقي مفهوم الوقف مع مقاصد الشريعة؛ فهو يدمج البُعد الديني (ثواب للواقف) مع البعد الاجتماعي (صالح للمجتمع)، بما يحقق التوازن بين الحاجات المعاصرة ومتطلبات الحفاظ على الموارد .

ومن الأمثلة الواقعية على هذا التوازن الحضاري، تُروى قصة الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي اشترى بئر رومة وخصّصها وقفًا لأهل المدينة، فكانت من نماذج الأمن المائي الإسلامي المقاوم للتفلت الزمني. كما أن النماذج الوقفية لتخصيص السقايات للأحياء الفقيرة والنسل والحيوان، وعناية الوقف بالنظافة، وتعبيد الطرق، وتقديم الرعاية للحيوانات والطيور المريضة، تُعد كله إشارات حقيقية على أن الوقف كان فعلًا حضاريًا شاملاً.

وبذلك يتضح أن من أعظم مقاصد الوقف بيئياً واجتماعياً هو بناء حضارة إسلامية متجددة تحافظ على البيئة، تدعم التنمية المستدامة، وتخدم الجميع—بما في ذلك الأجيال والحيوان—لتظل هذه التجربة من مفاخر عمر الحضارة الإسلامية.

وكما سلف من نماذج الأوقاف البيئية بالمغرب في عهد الدولة العلوية، فإن المقاصد المذكورة كانت وما زالت نصب أعين الواقفين ملوكا ورعايا، فهذا جلالة الملك محمد السادس يصرح في ديباجة المدونة أنها جاءت “اهتداء بنهج أسلافنا الميامين ملوك الدولة العلوية الشريفة المجبولين على العناية بالأوقاف وحمايتها من كل ترام وضياع، وتكريسا من جلالتنا الشريفة لروح التجديد والتحديث التي جعلناها من ثوابت سياستنا في تدبير أمور مملكتنا الشريفة ووعيا منا بأهمية الوقف الطلائعي، باعتباره ثروة وطنية وعنصرا فاعلا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.” 

ومن المثير للفخر والإعجاب أن المملكة المغربية سلكت مسلكا فريدا ومتقدما من أجل حماية البيئة، في ارتباطها مع الأوقاف؛ حيث وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أطلت برنامج النجاعة الطاقية في المساجد  في إطار تفعيل اتفاقية التعاون من أجل تحقيق نجاعة طاقية أفضل بالمساجد، بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وزارة الطاقـة والمعادن والماء والبيئة، شركـة الاستثمارات الطاقية والوكالة الوطنية لتنميـة الطاقات المتجددة والنجاعـة الطاقيـة وتندرج هذه الاتفاقيـة ضمن الخطة الوطنيـة الهادفـة إلى تخفيض استهلاك الطاقـة بح والي 02%في أفق 2232 بالمرافق العمومية ،ومن ضمن الأهداف الرقمية للبِنامج خلال المدة الممتدة من 2217 إلى 2222 ما يلي:  

تخفيض الاستهلاك لـ 5222 مسجد باستبدال المصابيح الحالية بمصابيح اقتصادية (LED) بمبلغ 42 مليون درهم. 

تجهيز 2222 مسجد بسخانات الماء تعمل بالطاقة الشمسية بمبلغ 15 مليون درهم. 

تجهيز 1222 مسجد بالألواح الشمسية بمبلغ 32 مليون درهم. 

الاعتمادات اللازمة لتمويل هذا البِنامج ترتفع إلى 85 مليون درهم

والمساجد الخضراء وما تسعى إليه من تحسين استعمال الطاقة بالاعتماد على مصادر طاقة نظيفة سيمكن من الحد من انبعا  ثاني أكسيد الكربون في الهواء الأمر الذي سيساهم في الحد من التلو ، تعد من تجليات العناية بالبيئة في عصرنا الحاضر؛ بحيث يتم استعمال الطاقات المتجددة )الطاقة الشمسية، الريحية، المائية، الكتلة الإحيائية والطاقة الأحفورية( الأكثر ملائمة حسب الموقع الجغرافي للمسجد وخصائصه المناخية. كما توصي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتركيب سخانات الماء التي تعمل بالطاقة الشمسية والألواح الكهروضوئية تحقيقا لنجاعة طاقية أفضل  

خاتمة: 

   تشكل هذه الدراسة محاولة متأنية لتسليط الضوء على جانب بارز من عناية ملوك الدولة العلوية الشريفة بالأمة المغربية، حيث وفرت لهم الأقدار الإلهية أوقافًا خصصت للحفاظ على البيئة وحماية الموارد الطبيعية، إدراكًا منهم أن صون هذه الموارد يعد مقياسًا للتقدم الحضاري والرقي الإنساني. وهذه العناية لا تقتصر على البعد المادي أو الاجتماعي فحسب، بل تمثل امتدادًا طبيعيًا لـصون شعائر الإسلام في إطار إمارة المؤمنين، وهو رصيد ثابت من ثوابت الأمة المغربية التي حافظت على عقيدتها: عقيدة سنية أشعرية، ومذهب مالكي، وتصوف سني جنيدي، متجذر في وعي المجتمع وممارساته اليومية .

وقد استعرضت هذه الدراسة نماذج متعددة من الماضي والحاضر، تؤكد حرص الدولة العلوية على تحقيق ما سماه القرآن الكريم “الحياة الطيبة”، حيث قال تعالى: “من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة” (النحل: 97). وتجسدت هذه الرعاية في الوقف البيئي والمائي، من خلال تحبيس الأسبلة والسقايات، وحفر الآبار، وتأمين مصادر المياه، ومكافحة التلوث وترشيد الاستهلاك، فضلاً عن العناية بالنظافة والطهارة وجمال المحيط، بما يسهم في تعزيز الاستدامة البيئية وضمان رفاهية الأجيال الحالية والمقبلة .

ويعد الوقف البيئي في الفقه المالكي وسيلة لتحقيق المصلحة المستمرة للأمة، إذ يدمج بين البعد الديني (ثواب الوقف) والبعد الاجتماعي والاقتصادي (صالح المجتمع)، وهو ما يظهر جليًا في قصص الصحابة، كمثال شراء عثمان بن عفان رضي الله عنه بئر رومة ووقفها للمسلمين، لتؤمّن لهم الأمن المائي المستدام.

وفي العصر الحديث، تعكس مدونة الأوقاف المغربية استمرار الدولة العلوية في تنظيم شؤون الوقف وحمايته، بما يشمل الوقف الأخضر والمائي، والعمل على تطويره وزيادته بما يتوافق مع مقاصد الشريعة في خدمة المجتمع. كما تجلى هذا الاهتمام في إنشاء متحف محمد السادس لحضارة الماء من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ليكون شاهدًا حيًا على حرص الملوك العلويين على المحافظة على الموارد المائية وربطها بخدمة الصالح العام.

وتستمر هذه العناية في عهد أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، الذي يظل ضامنًا وصائنًا للحقوق، حريصًا على استمرار الوقف كركيزة حضارية ووسيلة لتحقيق التنمية المستدامة والحياة الطيبة للمجتمع المغربي، مع المحافظة على البيئة وترسيخ قيم الاستدامة في النسيج الاجتماعي..

وبهذا يظهر جليًا أن الوقف الأخضر والمائي لم يكن مجرد تصرف مالي، بل مشروع حضاري متكامل يربط بين البعد الديني، والخدمة الاجتماعية، والتنمية البيئية، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي، ليظل من أسمى مقاصد الأوقاف في الحضارة  الإسلامية.

النتائج والتوصيات

أولا: النتائج

  • الأوقاف الخضراء في العهد العلوي لم تكن مجرد مؤسسة اقتصادية، بل مشروع حضاري متكامل يستمد شرعيته من مقاصد الشريعة في تحقيق النفع العام.
  • إن هذه الأوقاف أسهمت في بناء منظومة تنموية تدعم التعليم، وتحمي البيئة، وتنهض بالزراعة والخدمات الاجتماعية، مما يعزز مفهوم الحياة الطيبة.
  • كشفت التجربة العلوية عن رؤية استشرافية جمعت بين التدبير الشرعي والبعد الحضاري، لتجعل الوقف أداة لتحقيق الاستدامة عبر الأجيال.

ثانيا: التوصيات

  • ضرورة إعادة إحياء تجربة الأوقاف الخضراء في المغرب المعاصر، مع توسيع مفهومها ليشمل مشاريع بيئية وزراعية حديثة.
  • تطوير الإطار التشريعي لإدارة الأوقاف بما يضمن مردوديتها واستدامتها الاقتصادية والاجتماعية.
  • تعزيز البحث الأكاديمي حول نماذج الأوقاف التاريخية واستثمارها كآلية فاعلة لتحقيق التنمية المتوازنة.
  • نشر ثقافة الوقف البيئي كقيمة حضارية وروحية تساهم في حماية الموارد الطبيعية وخدمة المجتمع.

 

لائحة المصادر والمراجع: 

  • معجم مقاييس اللغة، ابن فارس ،دار الفكر ،1979،  
  • مختار الصحاح، الجوهري ،دار العلم للملايين – بيروت، الطبعة الرابعة ،1987،  
  • شرح حدود ابن عرفة، محمد بن قاسم أبو عبد الله الرصاع، المكتبة العلمية، الطبعة الأولى ،1350هـ ، 
  • استراتيجية تطوير الوقف الإسلامي البيئي، عادل عبد الرشيد عبد الرزاق، مجلة أوقاف، العدد 28، مايو   ،2015
  • القوانين الفقهية، ابن جزي الغرناطي، دار ابن العيثم، د.ط ،2009،  
  • أحكام القرآن، أبوبكر بن العربي ،دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة ،2003،  
  • الجامع لأحكام القرآن، شمس الدين القرطبي ،دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة الثانية ،1964م ، 
  • شرح صحيح البخارى، لابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، مكتبة الرشد – السعودية ،الطبعة الثانية ،2003م 
  • إكمال المعلوم بفوائد مسلم ، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي ، دار الوفاء- مصر، الطبعة الأولى ،1334هـ ، 
  • المقدمات الممهدات، أبو الوليد بن رشد، دار الغرب الإسلامي، لبنان، الطبعة الأولى ، 
  • سنن الترمذي، الترمذي، أبو عيسى ، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة الثانية،1975
  • الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية، محد المكي الناصري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية ،1992،  
  • ظهير شريف رقم  1.09.236صادر في 8 ربيع الأول 1431 )23 فبِاير 2212(، نشرت في الجريدة الرسمية عدد 5847 الصادرة بتاريخ فاتح رجب 1431 )14 يونيو 2212(  
  • دور الأوقاف الإسلامية في المغرب في درء المخاطر وإزالة الأضرار في ضوء وثائق من العصر العلوي، طار محمد درويش، مجلة أوقاف، العدد34، السنة الثامنة، مايو 2018، ص: 64 
  • الوقف المائي مقاربات فقهية قانونية واقتصادية في ضوء التجربة المغربية، عبد الكريم العيوني 
  • حمامات مسجد الحسن الثاني، مؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، رابط المقال 

https://www.fmh2.ma/ar/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%85

%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF-

%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B3%D9%86

 %D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A

  • موقع مؤسسة مسجد الحسن الثاني https://www.fmh2.ma/ar/ 
  • نشرة المنجزات2016، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دار أبي رقراق، الرباط، الطبعة الأولى ،2017،