وجهة نظر

السردية ليست ترفًا سياسيًا: حين يغيب المعنى تسقط الدول في الفوضى

لم يكن دون كيشوت مجرد رجل مجنون كما قدمته القراءات السطحية للرواية، بل كان إنسانًا يعيش داخل عالم فقد معناه. لقد وجد نفسه في واقع بارد، خالٍ من البطولة والمعارك والقيم الكبرى، فاخترع لنفسه معنى يعيد به ترتيب وجوده، واختار أن يكون فارسًا يجوب العالم رفقة تابعه سانشو بانزا بحثًا عن معركة تمنحه صورة البطل. غير أن المأساة لم تكن في الطواحين التي رآها جيوشًا عملاقة يجب هزيمتها، بل في ذلك الفراغ الداخلي الذي دفعه أصلًا إلى مقاتلتها. فالمشكلة لم تكن في “العدو”، وإنما في الحاجة النفسية والوجودية إلى اختراع عدو يمنح الحياة معنى.

كان دون كيشوت يعيش في عالم فقد سرديته القديمة. الفروسية التي كانت تمنح الإنسان معنى الشجاعة والمجد انتهت، والعالم أصبح أكثر واقعية وبرودة، لكنه لم يستطع التكيف مع هذا التحول. لذلك لم يهرب من الواقع فقط، بل صنع واقعًا بديلًا يسمح له بالشعور بأنه ما يزال بطلًا. وحين عجز عن العثور على معركة حقيقية، اخترع معركة وهمية، وصارت طواحين الهواء في نظره جيوشًا جبارة يجب القضاء عليها.

اليوم، لم تعد “الدونكيشوتية” حالة فردية تخص شخصًا معزولًا، بل تحولت إلى متلازمة اجتماعية واسعة مرتبطة بأزمة المعنى وتراجع السرديات الكبرى، سواء سردية الدولة أو الأحزاب أو المؤسسات التقليدية القادرة سابقًا على تفسير الواقع ومنح الأفراد إحساسًا بالاتجاه والانتماء. فعندما تعجز الدولة عن تفسير التحولات أو إقناع الناس بمستقبل واضح، يظهر فراغ في الوعي الجماعي، غير أن الفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا، بل سرعان ما تملؤه سرديات أخرى؛ بعضها بريء، وبعضها قلق، وبعضها خطير، والأخطر بينها تلك التي تُكتب بعقلية البطولة الوهمية، حيث يتم رسم أعداء متخيلين ومعارك مصطنعة تمنح الأفراد شعورًا زائفًا بالأهمية.

وفي زمن مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد الناس ينتظرون الصحف أو المؤسسات الإعلامية لمعرفة ما يحدث، بل صار الهاتف الذكي غرفة عمليات يومية تتدفق منها الأخبار والصور والانفعالات بشكل متواصل. غير أن هذا التدفق المعلوماتي لا ينتج المعرفة فقط، بل ينتج أيضًا الخوف والغضب والإحساس الدائم بأن شيئًا كارثيًا يقترب. فكل إشعار جديد، وكل فيديو غاضب، وكل خطاب شعبوي، يمكن أن يتحول إلى مادة خام لصناعة قلق جماعي دائم.

وهنا تبدأ “متلازمة دون كيشوت” الحديثة؛ لا باعتبارها مرضًا نفسيًا، بل كحالة اجتماعية يعيش فيها الأفراد شعور التهديد والتهميش، فيبحثون عن معركة تمنحهم معنى لوجودهم. وعندما تغيب المعارك الحقيقية أو تصبح معقدة وغير مفهومة، يتم اختراع معارك وهمية سهلة التفسير، تقوم على الاستقطاب والشوفينية والصراعات اليمينية واليسارية الحادة، لأنها تقدم للناس أجوبة بسيطة وساذجة على أسئلة شديدة التعقيد.

فخلال جائحة كوفيد-19 مثلًا، لم يبحث كثير من الناس عن تفسير علمي معقد بقدر ما بحثوا عن “عدو واضح” يحمّلونه مسؤولية الخوف الجماعي، فانتشرت نظريات المؤامرة بسرعة هائلة، وتحولت اللقاحات عند البعض من قضية علمية إلى مشروع للسيطرة على البشر. لم يكن الأمر متعلقًا فقط بالجهل، بل بالحاجة النفسية إلى رواية سهلة تفسر عالمًا مرتبكًا. كما أن صعود الحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة ارتبط بدوره بإحساس قطاعات واسعة بأن هويتها مهددة، فتم تقديم المهاجر أو المختلف ثقافيًا كسبب مباشر للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، رغم أن تلك الأزمات أكثر تعقيدًا وترتبط بتحولات اقتصادية وتكنولوجية عميقة.

بل حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، صار كثير من الأفراد يدخلون يوميًا في معارك رقمية لا تنتهي، ضد جماعات أو أفكار أو “أعداء” لم يلتقوا بهم أصلًا. يتحول الشخص العادي إلى محارب دائم داخل فضاء رقمي مشحون بالغضب، لأنه يشعر أن خوض هذه المعارك يمنحه معنى وانتماءً وإحساسًا مؤقتًا بالقوة. وهنا بالضبط تتحول الطواحين الحديثة إلى ترندات، ومؤامرات، وصراعات هوياتية، ومعارك وهمية تستهلك الطاقة النفسية والاجتماعية دون أن تقدم حلولًا حقيقية.

وهكذا تصبح السرديات البديلة قادرة على منح الناس هوية صلبة ظاهريًا، لكنها في العمق هشة وسريعة التآكل، لأنها تُبنى غالبًا على الخوف والغضب والشعور بالمظلومية أكثر مما تُبنى على الوعي والمعرفة. فالتطرف لا يبدأ دائمًا من الكراهية، بل قد يبدأ من الفراغ؛ من ذلك الإحساس العميق بأن لا أحد يشرح ما الذي يجري، ولا أحد يدافع عن فكرة الدولة، ولا أحد يقدم رواية متماسكة تفسر التحديات والخيارات والنتائج. وعندما تغيب هذه الرواية الجامعة، يتحول المجال العام إلى مساحة مفتوحة لكل الأصوات، حيث يصبح أي شخص قادرًا على استغلال القلق الجماعي وصناعة “عدو” جديد يمنح الناس شعورًا مؤقتًا باليقين.

ولعل أخطر ما في الأمر أن المجتمع المنشغل بمحاربة الأوهام يفقد تدريجيًا قدرته على رؤية التحديات الفعلية. فبينما ينشغل البعض بمعارك رقمية وصراعات هوياتية حادة، تتراكم في الواقع أزمات أكثر عمقًا: أزمات اقتصادية، وتحولات تكنولوجية، وحروب إدراكية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وتفكك المجال العمومي المشترك. غير أن هذه التحديات المعقدة لا تجد دائمًا من يشرحها أو يقدم بشأنها سردية واضحة، فيلجأ الناس إلى معارك أسهل وأكثر عاطفية، حتى وإن كانت وهمية.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لم تعد السردية السياسية مجرد ترف فكري أو أداة دعائية، بل أصبحت عنصرًا من عناصر الأمن الوطني. فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الجيش أو الاقتصاد، وإنما تلك القادرة على إنتاج رواية متماسكة تشرح لمواطنيها: من نحن؟ ماذا نواجه؟ ولماذا نتخذ هذه الخيارات؟ لأن السردية الواضحة تمنح المجتمع قدرة على فهم الواقع بدل الهروب منه، وتمنع الفراغ الذي تتسلل منه الشعبوية والتطرف والخوف الجماعي.

لقد أدركت دول كثيرة هذه الحقيقة مبكرًا. فالولايات المتحدة، مثلًا، لم تبن قوتها فقط على الاقتصاد والسلاح، بل على سردية “الحلم الأمريكي” التي منحت المجتمع معنى جامعًا لعقود طويلة. كما أن كثيرًا من الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها الكبرى لم تفعل ذلك بالقوة وحدها، بل بقدرتها على إقناع شعوبها برواية مشتركة تمنح الناس الثقة والاتجاه. لأن أخطر لحظة قد يعيشها أي مجتمع ليست لحظة الفقر أو الأزمة فقط، بل لحظة فقدان المعنى.

وفي النهاية، لم تكن مأساة دون كيشوت أنه رأى الطواحين عمالقة، بل أن الفراغ الداخلي دفعه إلى الحاجة لعدو يتخيله حتى يشعر بأن لحياته معنى. والمشكلة اليوم ليست في وجود “الطواحين”، بل في استعداد مجتمعات كاملة لمحاربتها. لأن المجتمع الذي يفقد المعنى، ولا يجد سردية متماسكة تشرح واقعه، يصبح أكثر قابلية لصناعة أوهامه الخاصة، وأكثر عجزًا عن رؤية معاركه الحقيقية. ولذلك، فالسردية ليست ترفًا سياسيًا، بل هي الخط الفاصل بين مجتمع يعرف عدوه الحقيقي، ومجتمع يواصل البحث عن طواحين جديدة ليحاربها.