وجهة نظر

جيل زد المغربي وإعادة تشكيل المجال القيمي

"ليس من السهل أن تكون من مغاربة جيل زد. نفكر بعقلية عالمية، لكننا نعيش واقع محلي" شاب مغربي، 23 سنة

هناك واقع يتشكل أمام أعيننا، سواء قبلنا به أم لا، وسواء أحببناه أم لا: الشباب المغربي يسير في مسار علمنة اجتماعية هادئة ومرنة. وهنا تحديدا لا أتحدث عن مواقف سلبية ضد الدين، ولا عن ازدياد عدد القرآنيين الذين يقدمون القرآن على السنة، ولا عن بيانات جماعية حول الحريات الفردية وحقوق الأقليات والانفتاح الهوياتي، بل عن أمر أعمق بكثير. نحن أمام تحول في طريقة فهم الدين، وأيضا في تمثل العلاقة بالسلطة، والحرية والهوية. هذا التحول لا يبقى حبيس الخطب ولا الشعارات، وإنما يتسلل بهدوء إلى الحياة اليومية: في الهواتف، في النقاشات الخاصة، وفي الجدالات والأسئلة التي لم تكن تُطرح من قبل.

من هذه الزاوية، تكشف دراستنا حول شباب المغرب، وهي من أكبر الدراسات الميدانية حول جيل زد 212، حيث تابعنا نقاشات الشباب عن طريق إثنوغرافية رقمية على منصة ديسكورد وحصلنا على 3387 استجابة في استبيان ميداني، أن هذا الجيل لا يتراجع عن التدين بالضرورة كما قد يظن البعض، بل نجده يعيد فهمه وشرحه بغية تحديد موقفه وموقعه في نفس الآن. فالدين لم يعد ، في نظر كثيرين, نظاما اجتماعيا شاملا يضبط كل تفاصيل وحيثيات الحياة، بل أصبح يتحول شيئا فشيئا إلى مرجعية أخلاقية شخصية. وقد لخص أحد المشاركين في الدراسة هذا التحول بقوله: “أنا مؤمن، ولكن ضد الناس اللي باغين يدخلو الدين فكل حاجة.” فالإيمان ما يزال حاضرا، غير أن السلطة الدينية الشاملة تعرف تراجعا ملحوظا. وهذا ما يسميه علماء الاجتماع “فردنة التدين”، وهي محطة أساسية في أي مسار نحو علمنة عقلانية.

ديمغرافيا الدراسة:

وإذا انتقلنا إلى مستوى القيم، تتضح الصورة أكثر. إذ نلاحظ دعما واسعا للمساواة بين الجنسين في سوق العمل، لاسيما بين النساء والمتعلمين وسكان المدن. كما يتزايد القبول بحرية التعبير في بعض الحالات حتى عندما تمس التقاليد والأعراف. تقول إحدى الشابات: “أؤمن بالله، لكن ليس بالطريقة التي يريد بعض الناس أن أؤمن بها. إيماني شخصي، وليس مؤسسياً.” إن هذا الموقف لا يمكن اعتباره مجرد رأي عابر، بل يدل على إعادة ترتيب في أولويات السلم الأخلاقي حيث يتقدم الحق الفردي على الضبط الجماعي وتصبح الحرية معيارا أعلى من الطاعة الاجتماعية، مما يجعلنا فعلا أمام تحول قيمي عميق.

وللإشارة، فإن هؤلاء الشباب ما يزالون يعرّفون أنفسهم كمؤمنين، غير أنهم يميزون بوضوح بين الإيمان والوصاية الدينية. وهكذا ينتقل الدين من المجال العام إلى الفردي، ويخرج التدين من سلطة الجماعة إلى اختيار الفرد. هنا تحديدا تتشكل العلمنة بوصفها سيرورة اجتماعية وثقافية، لا مشروعا أيديولوجيا معلنا.

ثم إن الواقع الاقتصادي يلعب دورا حاسما لا يمكن تجاهله. شباب يعيشون تحت ضغط البطالة وغلاء المعيشة وانسداد الأفق، نجدهم ينشغلون بالكرامة والعيش الكريم وفرص النجاح أكثر من انشغالهم بالشعارات السياسية أو الدينية. يقول أحد الشباب، 25 سنة: “الأمر لا يتعلق بالمال فقط، بل بالكرامة. نحن نعمل بجد، لكن النظام لا يرانا”. ومن ثم، تقاس الشرعية في نظرهم، بما توفره الدولة من خدمات وعدالة وأمن واستقرار، لا بدرجة خطابها الديني أو مستوى تدينها المعلن. وهذا منطق دنيوي واضح تُقيَّم فيه السياسة بنتائجها الملموسة، لا بشعاراتها الرمزية من خلال تسييس الدين أو أسلمة السياسة.

كما يتجلى هذا التحول، بشكل لافت، في الحياة الخاصة. فهناك صراع خفي حول الحجاب، والعلاقات الشخصية، والزواج، والسلطة الأسرية. تقول إحدى الشابات، 22 سنة: “كنحس براسي باغا نكون حرة، ولكن ما باغاش نغضب الله.” وهذا لا يعني رفضا للدين، بل يعكس صراعا داخليا بين الإيمان والحرية. إننا أمام شباب يعيش داخل منطقة ابستمولوجية رمادية، حيث يعيد تعريف المسموح والممنوع دينيا واجتماعيا من دون إعلان قطيعة صريحة مع التراث.

القانون والقيم الجديدة

في هذا السياق، يبرز تصدع واضح بين القوانين وبعض التحولات القيمية داخل المجتمع، فبينما ما تزال عدة نصوص قانونية تعكس مرجعية محافظة، تتغير قناعات الشباب بوتيرة أسرع. ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين ما يراه الشباب ممكنا أخلاقيا وبين ما هو مسموح به قانونيا أو يقبل به اجتماعيا. ولهذا السبب يلجأ كثيرون إلى ما يمكن تسميته “حياة مزدوجة” أو “تقية اجتماعية”: حيث تتسع مساحة الحرية في المجال الخاص، بينما يظل السلوك العلني أكثر تحفظا. تقول إحدى المشاركات، 25 سنة: “قررت نحتفظ بآرائي لنفسي، الناس ما كيبغيوش يسمعوك.” ومن هنا لم يعد القانون ينظر إليه بوصفه منظما للحياة العامة فحسب، بل بوصفه حاجزا يقيد حرية التعبير عن التحولات القيمية والسلوكية داخل المجتمع. لهذا نشهد مزيدا من الفصل بين وجدان الفرد وسلوكه الخارجي، أو مزيدا من العقلنة حيث تتغير القناعات في الظل، بينما يبقى السطح محافظا. تاريخيا، غير أن هذا الوضع لا يوقف التحول، بل يجعله أقل شفافية وأكثر توترا. وكلما اتسعت الفجوة بين القانون والحياة الواقعية، ضعفت الثقة المجتمعية، وازداد الشعور بأن النظام الأخلاقي الرسمي لا يعكس الحياة الفعلية.

العلمنة الصامتة

إننا هنا لا نعني بأن الشباب يعلنون ثورة قيمية، بل إنهم يمارسون ما يمكن تسميته “علمنة منخفضة الصوت”. فهم يختارون، يفاوضون ويؤجلون الصدام. وقد لخص أحد المشاركين هذه التجربة بعبارة دقيقة جاء فيها: “أنا مؤمن، لكنني ضد الذين يريدون إدخال الدين في كل شيء، حتى في طريقة اللباس والأكل” وهكذا يمكننا أن نلاحظ أن هؤلاء الشباب يعيشون بين عالمين، وهذا جعلهم يبتكرون صيغا وسطى. فمثلا لم يعد “الشخص الصالح” فقط هو المطيع للعرف، بل الفرد القادر على تقرير مساره، حتى وهو مؤمن.

ولذلك، لا ينبغي قراءة هذا المسار باعتباره “انحرافا قيميا” أو “غزوا ثقافيا” أو “حربا على الإسلام،” فما يحدث، في العمق، هو محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدين والهوية والحياة الاجتماعية، بما يجعلها قابلة للعيش والتفاوض داخل عالم رقمي معولم، واقتصاد ضاغط، وفضاءات متعددة الانتماء. وعلى المستوى الهوياتي، يسعى الشباب إلى بناء ذات مرنة قادرة على التنقل بين فضاءات متباينة (البيت، الجامعة، العمل، المسجد، المنصات الرقمية). وتتجلى هذه المرونة فيما يمكن تسميته (التحول الرمزي) أو ما يعرف بمفهوم “كود-سويتشينغ code switching” حيث يزاوج فيها الشاب بين مفردات الحرية، والخصوصية، والحقوق الليبرالية من جهة، وقيم الاحترام، والحياء، والنية الحسنة من جهة أخرى، دون أن يرى ذلك تناقضًا.

نداء مجتمعي
في الختام، نشير إلى أن السؤال المهم ليس: هل يتغير الشباب؟ بل: كيف نتعامل مع هذا التغير الحتمي؟ ذلك أن إنكاره لن يوقفه. كما أن الضغط وحده لن يعيد الزمن إلى الوراء. فالخيار ليس بين “الحفاظ” و”الانهيار،” بل بين إدارة التحول الثقافي والاجتماعي بذكاء وحذر أو ترك التناقض القيمي يتراكم في الظل حتى ينفجر في شكل فقدان ثقة أعمق. وحين يقول الشباب “أحب ثقافتي، لكنها أحياناً تخنقني،” فإنهم لا يعلنون قطيعة، بل يصرخون بحثا عن صيغة تمكنهم من التوفيق بين الانتماء والانفتاح وبين الأصالة والتقدم.

وبصيغة أخرى، فإن العلمنة بين شباب المغرب ليست شعارا أيديولوجيا، بل هي نتيجة اجتماعية تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية. وإن تجاهلها لن يلغيها. بل إن الفهم، والاعتراف، والانخراط الإيجابي وحدها ما يمكن أن يجعل هذا التحول جسرا نحو استقرار أعمق بدل أن يتحول إلى صدع صامت داخل المجتمع.

ولهذا، فإن مستقبل المغرب لا يمكن أن يُبنى دون عقول مبدعة، لأن الأوطان لا تتقدم بالاستقرار وحده، بل بالقدرة على التفكير والابتكار. ومع القيادة الرشيدة لجلالة الملك، حقق المغرب قفزة نوعية في قوته واقتصاده وصورته الدولية، وهي إنجازات لا ينكرها إلا جاحد، لكنها تحتاج جيلا مبدعا يواصل هذا المسار. فالعقول المبدعة لا تخاف من السؤال، بل ترى فيه طريقا للبناء والتجديد. وإذا منحنا شبابنا المساحة ليكونوا أحرارا، ويتحدوا الجمود، ويعبروا عن أفكارهم دون خوف، فإنهم لن يصبحوا أقل حبا لوطنهم، بل أكثر فعالية وأكثر قدرة على خدمته والدفاع عنه. وحينها، لن يستفيد الشباب وحدهم، بل سيستفيد المغرب كله، لأن الوطن الذي يثق في عقول أبنائه، هو الوطن الذي يضمن قوته واستمراره.