منتدى العمق

هل صار عيد الأضحى كاشفا للفتنة؟

دأبت المجتمعات الإسلامية منذ فجر الإسلام على إيلاء الأعياد الدينية مكانة رفيعة في منظومة ممارساتها الاجتماعية والثقافية. غير أن بعض الأعياد حظيت بمنزلة استثنائية لارتباطها العميق بالبنية السوسيو-ثقافية للمجتمع، ويأتي في مقدمتها عيد الأضحى الذي يعرف في التراث المغربي بالعيد الكبير. فهو ليس مجرد شعيرة تعبدية، بل طقس جماعي يعيد إنتاج الهوية، ويكرس قيم التكافل، ويجسد علاقة الإنسان بالزمن المقدس المتصل بقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

في سنوات القرن الماضي لم يكن عيد الأضحى يشكل عبئا على الأسر المغربية بالشكل الذي نشهده اليوم، إذ كان النظام الاقتصادي التقليدي يوفر شروط الاحتفال بيسر. ففي القرى قامت الحياة على اقتصاد الكفاف القائم على تربية المواشي، حيث تملك أغلب الأسر رؤوسا من الغنم ضمن منظومة الاكتفاء الذاتي العائلي. أما في المدن فقد ضمنت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والعمالية شراء الأضحية دون لجوء إلى الاستدانة، في ظل استقرار الأسعار وتوازن العرض والطلب. والأهم من ذلك هو البعد التضامني الذي كان يحكم الطقس

الديني. فالتويزة والوزيعة كانتا من آليات التكافل الاجتماعي الراسخة، كما كان الأعيان والأغنياء يجمعون المال لجيرانهم المعوزين، ويشترون لهم الأضاحي تحت شعار العيد للجميع. لم يكن الفقير يشعر بالعوز، لأن المجتمع كان ينتج شبكات أمان ذاتية تسبق الدولة وتسد ثغراتها، ليكون بذلك العيد طقسا موحدا لا مفرقا.

أما في العقد الأخير ، فقد شهدت علاقة المغاربة بعيد الأضحى تغيرا جذريا بفعل موجات التضخم المتتالية وغلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. فتحول الطقس من تعبير عن الفرح الجماعي إلى مؤشر على اختلال بنيوي في الاقتصاد والسياسة الاجتماعية. لم تعد الطبقة الوسطى، وهي صمام أمان الاستقرار الاجتماعي، قادرة على مسايرة الارتفاع الجنوني لأسعار الأضاحي. فصارت تلجأ إلى قروض الاستهلاك البنكية، أو إلى جمعيات الدارت لتأمين ثمن الكبش. وهذا ما يفرغ العيد من مقصده التعبدي ويحوله إلى دين يثقل كاهل الأسرة لشهور. أما الفئات الفقيرة فانقسمت إلى فريقين، فريق عجز كليا عن الأضحية فدخل في دوامة الحرمان الرمزي أمام الأبناء، وفريق آخر يلجأ إلى أضحية الضرورة فيشتري خروفا هزيلا أو جديا صغيرا لا تنطبق عليه شروط الأضحية، في ممارسة يسميها المغاربة ساخرين “ذبيحة القط”.

وفي هذا السياق برز فاعل اقتصادي طفيلي في بنية سوق الأضاحي هو الشناق. هؤلاء سماسرة ومضاربون دخلوا كل الحلقات من الإنتاج إلى البيع، فرفعوا الأسعار بشكل مصطنع عبر الاحتكار والوساطة المتعددة. وتحولت تجارة المواشي الموسمية إلى سوق سوداء صعب على الحكومات المتعاقبة ضبطها، نظرا لتشابك المصالح وتقاطع شبكات الريع مع دوائر السياسة والاقتصاد. فصار الشناق رمزا لاختلال القيم الأخلاقية والسياسية والاقتصادية للسوق.

كما تحولت الأيام التي تسبق العيد إلى مشهد سوسيولوجي مركب ينذر بفتنة اجتماعية صامتة. الأسواق والطرقات تعرف اكتظاظا وتدافعا غير مسبوق. مشاهد الشجار على الخراف، والازدحام على وسائل النقل، وحوادث السير الناتجة عن نقل الأضاحي، كلها تحول الفرحة إلى توتر جماعي.

ومن الملاحظ أيضا، اقتران فترة ما قبل العيد في المخيال الشعبي بوقوع الكوارث، كحادث انهيار بناية فاس مؤخرا. هذا الربط، وإن كان لا يخضع للمنطق السببي، يعكس حالة قلق جمعي. فالناس تؤول الكوارث كنذير أو غضب إلهي بسبب ما يرافق العيد من مظاهر تبذير ورياء وغياب لروح التكافل الحقيقي.

وإذا كانت المظاهر المصاحبة لعيد الأضحى اليوم تقترب من الفتنة بمفهومها الاجتماعي، أي اختبار تماسك المجتمع، فما المخرج؟

دون الخوض في الجدل الفقهي حول حكم الأضحية بين الوجوب والسنة المؤكدة، فإن الحلول يجب أن تنطلق من فقه الأولويات ومقاصد الشريعة. على مستوى الفرد يجب ترسيخ قاعدة لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فالمقصد من العيد هو إحياء ذكر الله والتوسعة على العيال، لا إثقال الكاهل بالديون.

لذلك، وفي ظل هذه الأوضاع، فإن شراء كيلوغرامات من اللحم للفرح والتوسعة يفي بالغرض لمن لا يستطيع الأضحية. فالأولوية هي لحفظ كرامة الإنسان واستقرار أسرته، لا للمظهر الاجتماعي والتباهي . ثم إن على المواطن أن يقدم مصلحته ومصلحة أبنائه على ضغط العادة. وعلى مستوى الدولة المطلوب سياسة عمومية استباقية تضبط سوق الأعلاف، وتدعم الكساب الصغير، وتضرب بيد من حديد على المضاربين الشناقة. كما يجب إحياء دور مؤسسة الزكاة وصندوق التكافل الاجتماعي ليقوما بدورهما التاريخي في ضمان أضحية الجميع عبر آليات شفافة. وعلى مستوى الخطاب الديني والمدني لا بد من ثورة في سلم القيم. يجب أن نعطي للسنن الجوهرية في الإسلام كالصدق والأمانة وكف الأذى وحب الخير للآخر المكانة نفسها التي نعطيها للأضحية. فما جدوى ذبح الكبش إذا كان الذابح يغش في تجارته، أو يأكل مال اليتيم، أو يقطع رحمه!! إن إحياء قيم التكافل الحقيقي أهم من مظاهر الذبح. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منا.

وفي الأخير ، عيد الأضحى في جوهره ليس فتنة، بل كاشف للفتنة. هو مرآة تعكس أمراضنا الاجتماعية والاقتصادية. عندما كان المجتمع متماسكا ومتضامنا كان العيد عيدا. وعندما طغت الفردانية والجشع والريع، تحول العيد إلى موسم للقلق والاحتقان. الحل لا يكمن في إلغاء الشعيرة، بل في استعادة روحها. أن نعود بالعيد إلى مقاصده الأولى، التضحية بمعناها الرمزي، أي التخلي عن الأنانية والجشع، والتقرب إلى الله بخدمة الإنسان. فالعيد الكبير الحقيقي هو يوم يصبح فيه كل فقير قادرا على الفرح دون دين، وكل غني يشعر أن سعادته من سعادة جاره.