لم تعد أزمة الأضاحي في المغرب مجرد مشكلة موسمية مرتبطة بغلاء أسعار الأكباش أو بندرة الأمطار، بل تحولت إلى عنوان لفشل سياسي واقتصادي امتد لسنوات طويلة تحت غطاء الشعارات الكبرى والتقارير المتفائلة. فما يعيشه المغرب اليوم ليس فقط أزمة قطيع أو ارتفاع أسعار، بل نتيجة مباشرة لمسار كامل من الاختيارات الفلاحية التي جرى تسويقها باعتبارها “ثورة تنموية”، بينما كانت في العمق تعيد تشكيل الفلاحة المغربية لخدمة منطق السوق والتصدير على حساب الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
حين يصل بلد ظل لعقود يعتمد على تربية الماشية والرعي إلى وضع تعجز فيه ملايين الأسر عن شراء أضحية العيد، فالأمر يتجاوز تأثير الجفاف أو التقلبات المناخية. وحين تضطر الدولة إلى التدخل من أجل تقليص الضغط على القطيع الوطني، فإن ذلك يعني أن النموذج الفلاحي نفسه دخل مرحلة الإنهاك. فالأزمات الطبيعية تصيب الجميع، لكن حجم الانهيار الذي عرفه قطاع الماشية في المغرب يكشف أن جذور المشكلة أعمق بكثير من السماء والمطر.
منذ إطلاق “مخطط المغرب الأخضر” سنة 2008، جرى تقديم المشروع باعتباره نقطة تحول تاريخية ستقود المغرب نحو السيادة الفلاحية والازدهار الاقتصادي. الخطاب الرسمي ركز آنذاك على تحديث الفلاحة، وجذب الاستثمارات، وتطوير الصادرات، وتحويل العالم القروي إلى فضاء منتج ومندمج في الاقتصاد العالمي. غير أن الحصيلة التي تكشفت مع مرور السنوات تطرح سؤالا بسيطا لكنه محرج، من استفاد فعلا من هذا المخطط؟ وهل كانت الأولوية للمغاربة أم للأسواق الخارجية؟
المشكل الأساسي في “المغرب الأخضر” لم يكن في غياب الأموال أو ضعف الإمكانيات، بل في الفلسفة التي حكمت المشروع منذ البداية. الحكومة اختارت الرهان على الفلاحة التصديرية ذات الربحية المرتفعة، وجرى ضخ استثمارات ضخمة في الزراعات الموجهة للأسواق الأوروبية، مثل الأفوكادو والطماطم والبطيخ الأحمر والحوامض، بينما جرى التعامل مع الزراعات المعيشية والأنشطة الرعوية التقليدية باعتبارها قطاعات ثانوية.
هذا التحول غير طبيعة الفلاحة المغربية بالكامل. فبدل أن تكون الفلاحة أداة لتحقيق الأمن الغذائي، تحولت إلى نشاط اقتصادي تحكمه حسابات العملة الصعبة والأسواق الخارجية. النتيجة ظهرت تدريجيا من خلال استنزاف متواصل للموارد المائية، وتراجع المساحات الرعوية، وارتفاع تكلفة الإنتاج، ثم انهيار القدرة الشرائية للمواطن المغربي الذي صار يؤدي ثمن سياسات لم يكن طرفا في صياغتها.
المفارقة الصادمة أن المغرب الذي كان يتحدث عن “الإقلاع الفلاحي” صار عاجزا عن ضبط أسعار اللحوم داخل أسواقه. والأسوأ أن هذا العجز جاء بعد سنوات من الإنفاق العمومي الضخم والدعم المتواصل للقطاع. فالأرقام الرسمية تشير إلى تراجع القطيع الوطني بحوالي 38 في المئة مقارنة بسنة 2016، وهو رقم يكشف حجم الكارثة التي أصابت قطاع تربية الماشية.
وهذا التراجع لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المرتبكة. فبدل بناء منظومة وطنية قوية للأعلاف والمراعي، جرى ترك المربين تحت رحمة السوق والجفاف والمضاربة. وحين انفجرت الأزمة، لجأت الدولة إلى الحل الأسهل، الاستيراد.
تحول الاستيراد في السنوات الأخيرة إلى سياسة دائمة بدل أن يكون إجراء استثنائيا. والأغنام والأبقار واللحوم صارت تأتي من الخارج تحت مبرر حماية السوق الوطنية. غير أن هذا الخيار كشف بدوره اختلالات خطيرة، لأن الدعم العمومي الذي خصص للاستيراد لم ينعكس على الأسعار داخل الأسواق، بينما استمرت اللحوم في الارتفاع، واستمر المواطن في دفع الثمن.
هنا بالضبط يتولد الشعور العام بالغضب وانعدام الثقة. فالمغاربة يسمعون عن إعفاءات ضريبية ودعم للمستوردين بملايين الدراهم، ثم يذهبون إلى الأسواق ليجدوا الأسعار نفسها أو أعلى. وهذا يعني ببساطة أن جزءا كبيرا من الدعم العمومي انتهى إلى جيوب الوسطاء والمضاربين بدل أن يصل إلى المستهلك أو الكساب الصغير.
والأخطر من ذلك أن الأزمة كشفت حجم التفاوت داخل المنظومة الفلاحية نفسها. فبينما استفادت الضيعات الكبرى والشركات التصديرية من الامتيازات والدعم والبنية التحتية، ظل الفلاح الصغير الحلقة الأضعف. وآلاف المربين اضطروا إلى بيع مواشيهم بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف والجفاف وغياب المواكبة الحقيقية. ومع كل موسم صعب، كانت أعداد جديدة تغادر القطاع بصمت.
السياسات العمومية تعاملت مع الفلاح الصغير باعتباره عبئا اجتماعيا يحتاج إلى مساعدات ظرفية، لا باعتباره أساس الأمن الغذائي الوطني. وهكذا، جرى إضعاف البنية التقليدية للعالم القروي مقابل صعود نموذج فلاحي رأسمالي شديد الارتباط بالسوق الخارجية. وهذا النموذج قد يرفع أرقام الصادرات، لكنه لا يحمي المجتمع وقت الأزمات.
الجفاف ساهم دون شك في تعميق الأزمة، لكن تحميل المناخ وحده المسؤولية الكاملة يبدو نوعا من الهروب السياسي. فالمغرب عرف فترات جفاف قاسية في السابق، لكنه لم يصل إلى هذا المستوى من الهشاشة الغذائية والاجتماعية. الفرق أن السياسات القديمة، رغم محدودية الإمكانيات، كانت تمنح أهمية أكبر للتوازنات المحلية وللفلاحة المعيشية، بينما جرى خلال السنوات الأخيرة التضحية بهذه التوازنات لصالح منطق الربح السريع.
الأزمة الحالية كشفت أيضا خللا عميقا في تدبير الموارد المائية. فمن غير المعقول أن يستمر بلد يعاني من الإجهاد المائي في تشجيع الزراعات الأكثر استهلاكا للمياه فقط لأنها تحقق أرباحا مرتفعة في التصدير. مناطق كاملة، خاصة في الجنوب الشرقي وسوس، صارت تعيش تحت ضغط مائي خانق بسبب التوسع غير العقلاني لبعض الزراعات التصديرية. وفي المقابل، تتراجع الزراعات المرتبطة بحاجيات السوق الوطنية يوما بعد آخر.
ما جرى لم يكن مجرد خطأ تقني، بل اختيار سياسي واضح المعالم. الحكومة فضلت بناء صورة “القوة الفلاحية المصدرة” بدل بناء منظومة غذائية مستقلة ومتوازنة. والنتيجة أن المغرب صار أكثر تبعية للأسواق الخارجية سواء في الأعلاف أو الحبوب أو اللحوم.
هذه التبعية تزداد خطورة في عالم يعيش اضطرابات اقتصادية ومناخية متسارعة. فالدول التي لا تملك أمنها الغذائي تبقى رهينة لتقلبات الأسواق الدولية ولأزمات لا تتحكم فيها. وحين يصبح الغذاء نفسه ورقة ضغط جيوسياسية، فإن أي اختلال داخلي يتحول إلى تهديد للاستقرار الاجتماعي.
أزمة الأضاحي حملت أيضا بعدا نفسيا واجتماعيا بالغ الحساسية. فالأضحية في المغرب ليست مجرد شعيرة دينية، بل جزء من الإحساس الجماعي بالكرامة والانتماء الاجتماعي. لذلك، فإن عجز ملايين الأسر عن اقتناء أضحية العيد لم يكن حدثا عاديا، بل مؤشر على التآكل الخطير للطبقة الوسطى واتساع دائرة الهشاشة.
المؤلم في كل هذا أن الخطاب الرسمي استمر لسنوات، ولازال، في الحديث عن “النجاحات الكبرى” للقطاع الفلاحي، بينما كانت المؤشرات الاجتماعية تتحرك في الاتجاه المعاكس. الصادرات ترتفع، لكن أسعار اللحوم ترتفع معها. والاستثمارات تتضاعف، لكن الفلاح الصغير يختفي تدريجيا. والناتج الفلاحي يتحسن في التقارير، لكن المواطن يشعر يوميا بأن الغذاء صار عبئا ثقيلا.
هذا الانفصال بين لغة الأرقام وواقع الناس يمثل أحد أخطر أعطاب السياسات العمومية في المغرب. فالتنمية لا يمكن اختزالها في نسب النمو وحجم الصادرات، لأن المعيار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية يبقى هو أثرها على معيش المواطنين واستقرارهم.
قرار تعليق شعيرة الذبح سنة 2025 جاء كإجراء اضطراري لحماية القطيع الوطني وتخفيف العبء عن الأسر المغربية. القرار حمل بعدا اجتماعيا واضحا، لكنه في الوقت نفسه شكل اعترافا ضمنيا بعمق الأزمة.
فلو كانت المنظومة الفلاحية متوازنة وقادرة على الصمود، لما وصل المغرب إلى هذه المرحلة الحساسة. ولهذا، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يجب أن يقتصر على أسعار الأكباش أو دعم الأعلاف، بل ينبغي أن يطرح سؤال النموذج الفلاحي برمته.
المغرب يحتاج إلى مراجعة جذرية لأولوياته الفلاحية. فالأمن الغذائي يجب أن يتحول إلى قضية سيادية لا تقل أهمية عن الأمن الطاقي أو الأمن العسكري. إذ لا معنى لفلاحة تصدر الأفوكادو والطماطم نحو أوروبا بينما يعجز المواطن المغربي عن شراء اللحم أو تتراجع القدرة الوطنية على إنتاج الغذاء الأساسي.
والمطلوب أيضا إعادة الاعتبار للفلاح الصغير وللاقتصاد القروي الحقيقي، لأن الاستقرار الاجتماعي في المغرب ظل تاريخيا مرتبطا بتوازن العالم القروي. وكل سياسة تضعف هذا العالم تفتح الباب أمام أزمات اقتصادية واجتماعية أوسع.
كما أن محاربة المضاربة والاحتكار صارت ضرورة ملحة، لأن جزءا كبيرا من الاختلالات الحالية لا يرتبط فقط بندرة الإنتاج، بل بطريقة توزيع الأرباح داخل السوق. فالمواطن المغربي صار يشعر بأن هناك فئات تحقق الثروة من كل أزمة، بينما يتحمل هو وحده تكلفة الغلاء والانهيار.
وإعادة بناء الثقة تتطلب وضوحا سياسيا وشجاعة في الاعتراف بالأخطاء. فلا يمكن الاستمرار في تقديم السياسات نفسها باعتبارها نجاحا رغم كل المؤشرات الميدانية التي تقول العكس. والنقد الحقيقي لا يعني جلد الذات، بل يعني امتلاك القدرة على تصحيح المسار قبل الوصول إلى مرحلة أخطر.
وأزمة الأضاحي ليست حادثا عابرا، بل إنذار قوي حول مستقبل الأمن الغذائي في المغرب. وإذا استمرت الاختيارات نفسها، فإن الأزمات المقبلة قد تكون أكثر قسوة وتعقيدا، خاصة في ظل التغيرات المناخية والضغوط الاقتصادية العالمية.
والمغرب اليوم أمام لحظة حاسمة، إما الاستمرار في نموذج فلاحي يخدم التصدير والأرباح السريعة ولو على حساب التوازنات الداخلية، أو بناء سياسة فلاحية جديدة تضع الإنسان المغربي والأمن الغذائي والاستدامة البيئية في صلب الأولويات.
ذلك هو النقاش الحقيقي الذي فرضته أزمة الأضاحي، بعيدا عن لغة التبرير والخطابات الاحتفالية التي لم تعد تقنع أحدا.