في زمنٍ اختلطت فيه الحقائق بالأوهام، وأصبحت بعض المظاهر تُقدَّم على أنها من الدين وهي بعيدة عن جوهره، يقف الإنسان المتأمل حائراً أمام مفارقات مؤلمة تُوجِع القلب والعقل معاً. كيف تُصرف أموال طائلة على القبور والأضرحة، بينما آلاف الفقراء والمحتاجين في المدن والقرى المغربية يبحثون عن دواء، أو كسرة خبز، أو سقف يحفظ كرامتهم؟ وكيف تُزيَّن أماكن الموتى وتُضاء وتُرصد لها الميزانيات، في حين يعيش كثير من الأحياء في الهشاشة والفقر والحرمان؟ إن الدين الذي جاء رحمةً للناس جعل إكرام الإنسان الحي، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وكفالة اليتيم، أعظم أجراً وأبقى أثراً من التعلق بالمظاهر التي لا تنفع الأمة في دينها ولا دنياها.
لقد دعا الإسلام إلى توحيد الله الخالص، وإفراده وحده بالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر، لأن العبادة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. أما تحويل القبور إلى مواضع للتبرك المبالغ فيه، أو طلب الحاجات من الأموات، أو الاستغاثة بهم، فهو أمر خطير يمس صفاء العقيدة التي جاء بها الأنبياء والمرسلون. فالإنسان المؤمن يعلم أن الميت قد انقطع عمله، وأن النافع والضار هو الله وحده، وأن القلوب ينبغي أن تتعلق بخالقها لا بالمخلوقين مهما كان صلاحهم أو مكانتهم في الحياة.
وما يزيد المشهد ألماً أن محيط بعض الأضرحة يتحول أحياناً إلى فضاءات تنتشر فيها مظاهر مخالفة للأخلاق والدين، من استغلال للناس البسطاء، أو ممارسات منحرفة، أو طقوس لا أصل لها في الشرع الحنيف. فيختلط الدين بالخرافة، والذكر بالبدعة، والتقوى بالشعوذة، حتى يضيع المعنى الحقيقي للإيمان القائم على العلم والوعي والعمل الصالح.
إن أعظم تكريم للموتى ليس في تشييد القباب أو المبالغة في تعظيم الأماكن، وإنما في الدعاء لهم، والصدقة عنهم، وذكر محاسنهم، والسير على طريق الخير الذي عاشوا من أجله. أما الأحياء فهم أولى بالعناية والرعاية والإكرام.
ومن المؤلم أن ترى أناساً يبالغون في الوقوف إجلالاً لجثث الموتى، بينما يدوسون على حقوق الأحياء، ويظلمون الفقراء، ويهملون الضعفاء والمحتاجين. فالدين ليس طقوساً فارغة، بل أخلاق وعدل ورحمة وإنصاف.
ومن صور الاغتراب الحضاري أيضاً أن تُكتب تواريخ وفاة المسلمين بالتقويم الميلادي وحده في المقابر، بينما يُهمَّش التاريخ الهجري المرتبط بهوية الأمة الإسلامية وذاكرتها الحضارية. وكأن الاستعمار الثقافي لم يغادر بعض العقول حتى بعد الرحيل من الدنيا. فالأمم الحية تعتز برموزها وتاريخها وهويتها، ولا تسمح بذوبان شخصيتها في تقاليد الآخرين دون وعي أو تمييز.
ثم إن كثيراً من مظاهر العزاء والدفن في زماننا أصبحت أقرب إلى العادات الاجتماعية الثقيلة منها إلى الهدي النبوي البسيط الرحيم. فالتكلف والإسراف والمظاهر المرهقة لأهل الميت لا تشبه ما كان عليه الصحابة والخلفاء الراشدون، الذين كانوا يتعاملون مع الموت بوقار وإيمان وبساطة بعيدة عن الرياء والتعقيد. لقد كان الموت عندهم تذكرةً بالآخرة، لا مناسبة للتفاخر أو التباهي أو إثقال كاهل الأسر بالأعباء.
إن الأمة اليوم بحاجة إلى مراجعة هادئة وعاقلة لكثير من الممارسات التي التصقت بالدين وهي ليست منه، وبحاجة إلى إحياء روح التوحيد الخالص، وإعادة الاعتبار للعقل والعلم والرحمة والعدالة الاجتماعية، وإلى توجيه الأموال والجهود نحو بناء الإنسان، وتعليم الجاهل، وعلاج المريض، وإغاثة الفقير، وإحياء قيم الكرامة والصدق والإحسان.
فما أجمل أن نكرم الأحياء قبل الأموات، وأن نبني الإنسان بدل الحجر، وأن نجعل الدين نوراً يهدي العقول والقلوب، لا طقوساً جامدة تُستغل فيها عواطف البسطاء. وما أعظم أن يعود المسلم إلى جوهر الإسلام الصافي: توحيد خالص، ورحمة بالخلق، واتباع لهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعيداً عن الغلو والبدع والخرافات.