كان عيد الأضحى في الوعي الإسلامي مناسبة روحية واجتماعية كبرى، تجسد معاني الطاعة والتقرب إلى الله والتضامن بين الناس. فالأضحية في أصلها عبادة مرتبطة بالإيمان والتقوى وإحياء لسنة سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث يكون جوهرها هو النية الصادقة والتكافل الاجتماعي. غير أن التحولات الاقتصادية والثقافية التي عرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة ساهمت في انتقال العيد، لدى فئات واسعة، من منطق ديني قائم على البساطة والتقوى إلى منطق استهلاكي تحكمه المظاهر والتباهي والبحث عن الاعتراف الاجتماعي.
لقد أصبح عيد الأضحى اليوم موسما اقتصاديا ضخما تتحرك خلاله أسواق المواشي والأعلاف والنقل والملابس والأواني والحلويات، وتتحول المناسبة إلى دورة استهلاكية واسعة تتجاوز أحيانا البعد الديني للشعيرة. فقبل العيد بأسابيع تبدأ المقارنات حول أسعار الأضاحي وسلالاتها وأحجامها، ويصبح “الخروف” بالنسبة للبعض مؤشرا على الوضع الاجتماعي والمكانة داخل الحي أو العائلة أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا التحول يعكس ما يسميه علماء الاجتماع بـ”الاستهلاك الرمزي”، حيث لا يقتصر الإنفاق على تلبية الحاجة، بل يتحول إلى وسيلة لإثبات النجاح الاجتماعي وإظهار القدرة المادية. لذلك نجد بعض الأسر تتحمل ديونا وأعباء مالية تفوق إمكانياتها فقط حتى لا تبدو أقل من غيرها أمام المجتمع. وهنا تنتقل الأضحية من كونها شعيرة مرتبطة بالاستطاعة إلى نوع من الإلزام الاجتماعي غير المعلن، تفرضه نظرة الناس أكثر مما يفرضه الدين.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذا المنطق الاستعراضي، إذ تحولت الأضحية عند البعض إلى مادة للنشر والتفاخر، عبر عرض ثمنها أو حجمها أو تفاصيل اقتنائها وذبحها. وهكذا أصبح العيد، في بعض مظاهره، خاضعا لمنطق الصورة والظهور أكثر من خضوعه للمعنى الروحي. فبدل أن تكون المناسبة فرصة للتأمل والتقرب إلى الله وصلة الرحم، أصبحت أحيانا ساحة للمقارنة الاجتماعية وإنتاج الإحساس بالفوارق الطبقية.
غير أن هذا السلوك يتناقض مع جوهر التعاليم الإسلامية التي تؤكد أن قيمة الأضحية ليست في ثمنها أو حجمها، بل في التقوى والإخلاص. يقول الله تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾.
فالآية تحسم بوضوح أن المقصد الحقيقي للشعيرة روحي وأخلاقي، وليس استعراضيا أو استهلاكيا. كما أن الإسلام حارب الرياء والتفاخر في العبادات، لأن العبادة تتحول حينها من علاقة بين العبد وربه إلى وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية.
ومن أخطر آثار هذا التحول أنه يولد ضغطا نفسيا واجتماعيا على الفئات الهشة والفقيرة، التي تجد نفسها مضطرة لمجاراة المجتمع ولو على حساب حاجيات أساسية أخرى. وهنا يفقد العيد جزءا من معناه التضامني، ويتحول من مناسبة للتكافل إلى مناسبة تكشف الفوارق الاجتماعية وتعمق الإحساس بالعجز لدى البعض.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال عيد الأضحى فقط في مظاهر الاستهلاك، لأن العيد ما يزال يحمل داخل المجتمع المغربي قيما قوية مرتبطة بصلة الرحم والتعاون وتقاسم الطعام ومساعدة المحتاجين. غير أن الحاجة اليوم أصبحت ملحة لإعادة الاعتبار للبعد الروحي والإنساني للشعيرة، وتحريرها من ضغط المظاهر والاستهلاك والاستعراض الرقمي.
إن استعادة روح عيد الأضحى تعني العودة إلى جوهره الحقيقي: عبادة قائمة على التقوى، ومناسبة للتراحم والتضامن، لا موسما للتباهي وإثبات المكانة الاجتماعية. فالدين جاء لتخفيف الأعباء عن الناس لا لتحويل العبادة إلى منافسة اجتماعية، وجمال العيد لا يقاس بحجم الأضحية أو ثمنها، بل بما يزرعه من رحمة ومودة وتكافل بين الناس.