يشهد الفقه الإسلامي المعاصر تحولات عميقة في طريقة تعامله مع قضايا الغذاء والدواء والتقنيات الحيوية الحديثة، وذلك نتيجة التطور العلمي المتسارع الذي أفرز منتجات وصناعات لم تكن معهودة في زمن النبوة، أو في الأزمنة السابقة، وأصبح تنزيل الأحكام الشرعية عليها يتطلب فهماً مركباً يجمع بين التأصيل الفقهي والمعرفة العلمية الدقيقة. ولم تعد النوازل المعاصرة مقتصرة على الوقائع الفردية البسيطة، بل أصبحت ترتبط بمنظومات صناعية عالمية تشمل الصناعات الدوائية، واللقاحات، والهندسة الوراثية، وتقنيات التجميل، والمضافات الغذائية، والمواد الكيميائية، فضلاً عن ظهور أنواع جديدة من الأغذية والمنتجات الحيوانية التي تستوجب إعادة النظر في توصيفها الفقهي.
ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية قامت في باب المطعومات والمشروبات والأدوية على أصلين عظيمين: أصل الطهارة والحل، وأصل حفظ النفس ودفع الضرر. وقد ظل الفقه الإسلامي عبر عصوره المختلفة قادراً على الموازنة بين هذين الأصلين، بحيث لا يؤدي التشدد في باب الحلال إلى إهدار المصالح الضرورية للناس، ولا يؤدي التوسع في باب الضرورة إلى تمييع الأحكام الشرعية وإلغاء الضوابط الأخلاقية التي قامت عليها الشريعة.
وتبرز هذه الموازنة بوضوح في القضايا الطبية الحديثة، خاصة ما يتعلق بالأدوية واللقاحات التي يدخل في تركيب بعضها مواد نجسة أو محرمة، أو مواد مستخلصة من أجزاء حيوانية أو بشرية . فالأصل الشرعي أن كل دواء أو مادة علاجية مشتملة على النجاسات أو المحرمات لا يجوز استعمالها اختياراً مع وجود البديل الطاهر المباح، لأن التداوي في الإسلام لا ينفصل عن مبدأ الطهارة الشرعية. وقد قرر الفقهاء قديماً أن الله تعالى لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها، كما أن مقصود العلاج لا يبرر تجاوز الأحكام القطعية دون ضرورة معتبرة.
غير أن التطور الطبي الحديث أوجد حالات معقدة لم يعد فيها الحكم الفقهي قائماً على الصور التقليدية المعروفة، إذ قد تتوقف سلامة الإنسان أو المجتمع على استعمال لقاحات أو أدوية تدخل في بعض مراحل تصنيعها مواد محرمة أو نجسة، أو تعتمد على خلايا بشرية أو حيوانية يصعب الاستغناء عنها في الوقت الحاضر. وهنا يظهر دور القواعد الكلية الكبرى في الفقه الإسلامي، وعلى رأسها قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، وقاعدة “الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة”، وقاعدة “إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما”.
فإذا ثبت بشهادة الخبراء العدول المتخصصين أن مرضاً معيناً يشكل خطراً عاماً على الأنفس، وأن الوقاية منه متوقفة على استعمال دواء أو لقاح لا تتوفر له بدائل مباحة تحقق نفس الفعالية، جاز استعماله بقدر الحاجة، لأن حفظ النفس من المقاصد العظمى للشريعة الإسلامية. غير أن هذا الجواز يبقى استثنائياً ومؤقتاً، ولا يرفع الحكم الأصلي عن المادة المحرمة أو النجسة، بل يظل مقيداً بقيود دقيقة، منها تحقق الضرورة أو الحاجة الملحّة، وعدم وجود البديل الحلال، وغلبة الظن بتحقق المنفعة الطبية، وانتفاء الضرر الأكبر.
ومن هنا يتبين أن الفقه الإسلامي المعاصر لا ينطلق من منطق التحريم المطلق أو الإباحة المطلقة، بل يعتمد منهج الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهو منهج أصيل في الشريعة الإسلامية. فالمواد المحرمة قد تكتسب حكماً استثنائياً عند الضرورة، لكن هذا الاستثناء لا يجوز أن يتحول إلى أصل دائم يبرر التوسع غير المنضبط في استعمال المحرمات. ولذلك فإن الواجب على المؤسسات الطبية والدوائية السعي المستمر لإيجاد بدائل طاهرة ومباحة، لأن الضرورة تقدر بقدرها، وما جاز لعذر يبطل بزواله.
وفي هذا السياق تبرز قضية استعمال أجزاء جسم الإنسان والخلايا البشرية في الصناعات الطبية والدوائية بوصفها من أكثر القضايا حساسية في الفقه الطبي المعاصر. فالأصل أن جسم الإنسان مكرم شرعاً، وأن أجزاؤه ليست محلاً للبيع أو الامتهان أو الاستغلال التجاري، لقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾. ولذلك فإن استعمال أجزاء الإنسان أو خلاياه في الأدوية ومستحضرات التجميل يظل في دائرة المنع الأصلي، لما في ذلك من مساس بحرمة الإنسان وكرامته.
لكن الفقه الإسلامي المعاصر يفرق بين الاستعمال العبثي أو التجاري المحض، وبين الاستعمال العلاجي الضروري الذي يقصد به إنقاذ النفس أو دفع المرض الخطير. فإذا كانت بعض الخلايا أو المواد البشرية لا غنى عنها في علاج أمراض خطيرة، ولم يوجد بديل مباح يحقق نفس المقصود، جاز استعمالها ضمن ضوابط صارمة، منها تحقق الضرورة الطبية، والحصول على الإذن الشرعي من المتبرع أو ورثته، وعدم ترتب ضرر على المتبرع، ومنع الاتجار بأجزاء الإنسان، وقصر الاستعمال على الأغراض العلاجية دون التجميلية أو التجارية البحتة.
كما أن الفقه الإسلامي المعاصر يولي أهمية كبيرة لمسألة “الاستحالة” في المواد الغذائية والدوائية، وهي من المسائل التي أعاد العلم الحديث إحياءها بصورة أوسع. فالمواد النجسة أو المحرمة إذا تحولت تحولاً كلياً إلى مادة جديدة تختلف في حقيقتها وخصائصها واسـمها وحكمها، فإن كثيراً من الفقهاء يرون أن الحكم يدور مع الحقيقة الجديدة وجوداً وعدماً. ولذلك أصبح البحث الكيميائي والمخبري جزءاً أساسياً من عملية الاجتهاد، لأن تحديد حقيقة المادة لم يعد قائماً على الحس الظاهر وحده، بل على التحليل العلمي الدقيق.
ومن القضايا المعاصرة كذلك ما يتعلق باستعمال الكحول والإيثانول في الصناعات الدوائية والطبية. فقد توسع استعمال الكحول في حفظ الأدوية وتعقيمها وتركيب بعض العقاقير الطبية، مما أوجب إعادة النظر في التصورات التقليدية المتعلقة بالخمر والكحول. والتمييز هنا ضروري بين الخمر المسكر المعدّ للشرب والتلذذ، وبين المواد الكحولية الصناعية التي لا يقصد بها الإسكار ولا تستعمل في معنى الخمر المعروف شرعاً. فإذا كانت المادة الكحولية غير مستخرجة من صناعة الخمور المحرمة، ولا تستعمل للإسكار، ولا يترتب على استعمالها ضرر طبي، فإن القول بجواز استخدامها في الأدوية والصناعات العلاجية أقرب إلى مقاصد الشريعة وقواعدها العامة، خاصة مع الحاجة الطبية المعاصرة إليها.
أما في مجال الأغذية، فقد أفرز التطور البيولوجي أنواعاً جديدة من المنتجات الحيوانية والحشرية التي تحتاج إلى توصيف فقهي دقيق، مثل الحشرات المستعملة في الأعلاف أو الصناعات الغذائية أو الدوائية، وبعض الحيوانات غير المعهودة في البيئات الإسلامية التقليدية. وهنا يظهر أثر القواعد الفقهية المتعلقة بالحيوانات المأكولة وغير المأكولة، والتمييز بين ما هو مستخبث أو ضار أو مفترس وبين ما الأصل فيه الحل والإباحة.
وقد درج الفقهاء على أن الأصل في الحيوانات البرية الحل إلا ما ورد النص بتحريمه أو كان داخلاً في معنى الخبث والضرر أو الافتراس. غير أن التوصيف العلمي الحديث لبعض الحيوانات قد يغيّر التصورات التقليدية عنها، مما يوجب الرجوع إلى أهل الاختصاص في علم الحيوان والبيئة والطب البيطري لتحديد حقيقتها الغذائية والبيولوجية قبل تنزيل الحكم الشرعي عليها. ولذلك أصبح الاجتهاد الفقهي المعاصر أكثر ارتباطاً بالتصنيف العلمي الحديث، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
كما أن الفقه الإسلامي المعاصر بدأ يولي اهتماماً واضحاً بالبعد البيئي في الأحكام الشرعية المتعلقة بالحيوانات، فلم يعد النظر مقتصراً على مجرد الحل والحرمة، بل امتد إلى مراعاة حفظ التوازن البيئي ومنع انقراض الأنواع الحيوانية. وهذا الاتجاه ينسجم مع المقصد الشرعي العام في منع الإفساد في الأرض، ومع اعتبار الاستخلاف الإنساني قائماً على الرعاية لا الاستنزاف.
وفي باب الذكاة، أفرزت الثورة الصناعية وسائل حديثة للذبح والتخدير الميكانيكي للحيوانات، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بين الفقهاء المعاصرين. غير أن النظر المقاصدي المتوازن يقتضي التفريق بين الوسائل الحديثة التي تحقق الإحسان إلى الحيوان وتخفف آلامه دون الإخلال بشروط الذكاة الشرعية، وبين الوسائل التي تؤدي إلى موت الحيوان قبل تذكيته. فإذا تحقق بقاء الحياة المستقرة في الحيوان عند الذبح، واستوفيت شروط الذكاة الشرعية، فإن استعمال الوسائل الحديثة في التخفيف من معاناة الحيوان لا يتعارض مع روح الشريعة، بل ينسجم مع مقصود الإحسان الذي جاءت به النصوص النبوية.
ومن خلال هذه النوازل كلها يظهر أن الفقه الإسلامي المعاصر يتجه نحو بناء “فقه علمي تطبيقي” يقوم على التكامل بين النص الشرعي والخبرة العلمية. فلم يعد الاجتهاد المعاصر قائماً على التصورات المجردة وحدها، بل أصبح مرتبطاً بالمختبرات والتحاليل الطبية والدراسات البيولوجية والتقارير العلمية المتخصصة. وهذا التحول لا يمثل خروجاً عن المنهج الفقهي الأصيل، بل هو امتداد طبيعي لقاعدة اعتبار أهل الخبرة في معرفة الوقائع وتحديد المناطات.
كما تكشف هذه القضايا عن الحاجة الملحة إلى ترسيخ الاجتهاد الجماعي المؤسسي، لأن النوازل الطبية والغذائية الحديثة أصبحت أعقد من أن يحيط بها الفقيه منفرداً دون الاستعانة بالأطباء والكيميائيين وخبراء الصناعات الحيوية. ولذلك فإن التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم التطبيقية أصبح ضرورة لا غنى عنها في بناء فقه معاصر قادر على الاستجابة لتحديات العصر.
وخلاصة الأمر أن الشريعة الإسلامية بما تملكه من قواعد كلية ومقاصد مرنة قادرة على استيعاب المستجدات الطبية والغذائية الحديثة دون أن تفقد هويتها أو تتخلى عن ثوابتها. فالأصل في الشريعة تحقيق مصالح العباد في دينهم وأنفسهم وعقولهم وأبدانهم، وكل اجتهاد فقهي لا يراعي هذا التوازن بين حفظ القيم وحفظ الحياة يبقى اجتهاداً ناقصاً عن مقصود الشرع. ولذلك فإن مستقبل الفقه الإسلامي المعاصر مرهون بقدرته على الجمع بين الأصالة العلمية والانفتاح الواعي على معطيات العصر، حتى يظل قادراً على توجيه الإنسان المعاصر في عالم سريع التحول والتعقيد.