يشكل الحزب السياسي في الأنظمة الديمقراطية الحديثة مؤسسة أساسية في البناء السياسي للدولة، باعتباره إطاراً لتنظيم المشاركة السياسية وتأطير المواطنات والمواطنين وتمثيلهم والمساهمة في تدبير الشأن العام. وقد أولى الدستور المغربي للأحزاب السياسية مكانة متميزة، حيث أسند إليها أدواراً محورية في تأطير المواطنين وتعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية، غير أن واقع الممارسة الحزبية يطرح اليوم مجموعة من التساؤلات حول مدى قدرة جميع الأحزاب القائمة على الاضطلاع بهذه المهام الدستورية على الوجه المطلوب.
فالمغرب يتوفر حالياً على عدد مهم من الأحزاب السياسية، غير أن الملاحظة الموضوعية للمشهد الحزبي تكشف أن عدداً منها لا يتوفر على حضور تنظيمي أو انتخابي كافٍ، ولا يمارس أنشطة سياسية أو تأطيرية منتظمة تمكنه من أداء وظائفه الدستورية. بل إن بعض الأحزاب تكاد لا تظهر إلا خلال الفترات الانتخابية، في حين تغيب عن الساحة السياسية والاجتماعية طيلة السنوات الفاصلة بين الاستحقاقات.
هذا الوضع يطرح ضرورة فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول سبل عقلنة المشهد الحزبي الوطني، بما يضمن الحفاظ على التعددية السياسية التي تشكل أحد مكاسب الديمقراطية المغربية، وفي الوقت نفسه يعزز فعالية الأحزاب السياسية ويرفع من جودة أدائها ومساهمتها في التنمية الديمقراطية.
ومن بين الآليات التي يمكن اعتمادها في هذا المجال، مراجعة شروط الاستفادة من الدعم العمومي المخصص للأحزاب السياسية. فمن غير المنطقي أن تستفيد أحزاب تفتقر إلى الحضور الانتخابي والتنظيمي من نفس الامتيازات التي تستفيد منها أحزاب تتوفر على قاعدة انتخابية وتنظيمية واسعة. ولذلك يبدو من المناسب ربط الاستفادة من الدعم العمومي بالحصول على نسبة لا تقل عن 3% من مجموع الأصوات الصحيحة المعبر عنها على المستوى الوطني خلال آخر انتخابات تشريعية عامة، أو الحصول على ثلاثة مقاعد برلمانية على الأقل.
كما أن الدعم العمومي يجب ألا يكون حقاً مكتسباً بشكل دائم، بل ينبغي أن يرتبط بمدى احترام الأحزاب لالتزاماتها القانونية والتنظيمية. ولهذا يمكن تخصيص جزء من الدعم العمومي السنوي وفق مؤشرات موضوعية تقيس أداء الأحزاب وفعاليتها، من بينها:
– عقد المؤتمرات الوطنية داخل الآجال القانونية؛
– احترام مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية المالية؛
-؛تأطير الشباب والنساء وتكوين المنتخبين؛
– التوفر على هياكل تنظيمية جهوية وإقليمية فعالة؛
– تقديم تقارير سنوية حول الأنشطة المنجزة وحصيلة العمل الحزبي.
وتحدد هذه المؤشرات ومعايير تقييمها وكيفيات مراقبتها بموجب نص تنظيمي يضمن الشفافية والمساواة بين مختلف الأحزاب السياسية.
ومن جهة أخرى، فإن تعدد الأحزاب الصغيرة والمتقاربة في المرجعيات والبرامج يؤدي أحياناً إلى تشتت الجهود وإضعاف الفعالية السياسية.
لذلك يصبح من المفيد اعتماد سياسة تشجيعية للاندماج الحزبي، من خلال منح الأحزاب التي تقرر الاندماج فيما بينها تحفيزات مالية وتنظيمية لمدة خمس سنوات من تاريخ الاندماج، وفق شروط وكيفيات محددة بنص تنظيمي. فمثل هذه الإجراءات من شأنها أن تساهم في خلق أقطاب سياسية قوية وقادرة على تأطير المواطنين والتنافس حول البرامج والمشاريع المجتمعية الكبرى.
ولضمان التقييم المستمر لأداء الأحزاب السياسية، يمكن إقرار آلية مؤسساتية تتمثل في إعداد تقرير وطني كل خمس سنوات حول فعالية الأحزاب السياسية ومدى مساهمتها في التأطير السياسي للمواطنين وترسيخ المشاركة الديمقراطية. ويُنجز هذا التقرير من طرف مجلس أعلى أو هيئة مستقلة مختصة، ثم يُحال على البرلمان والحكومة قصد مناقشته والاستفادة من توصياته في تطوير المنظومة الحزبية الوطنية.
كما ينبغي التنصيص على فقدان الحزب السياسي لحقه في الاستفادة من الدعم العمومي إذا لم يشارك في استحقاقين انتخابيين تشريعيين متتاليين دون مبرر مشروع، باعتبار أن المشاركة في الانتخابات تشكل إحدى الوظائف الأساسية للأحزاب السياسية، وأحد مظاهر مساهمتها في تأطير المواطنين وتمثيلهم.
إن الهدف من هذه الإصلاحات ليس التضييق على التعددية السياسية أو الحد من حرية تأسيس الأحزاب، بل على العكس من ذلك، يتمثل في تعزيز مصداقية العمل الحزبي، وترشيد استعمال المال العام، وتشجيع الأحزاب على تطوير أدائها وتقوية حضورها الميداني والتنظيمي. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأحزاب الموجودة، بل بمدى فعاليتها وقدرتها على تأطير المواطنين وتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في تدبير الشأن العام بكفاءة ومسؤولية.
ومن ثم، فإن عقلنة المشهد الحزبي الوطني أصبحت اليوم ضرورة ديمقراطية ومؤسساتية تفرضها متطلبات التنمية السياسية، وتستوجب توافقاً وطنياً يوازن بين ضمان التعددية الحزبية وتحقيق الفعالية السياسية، بما يخدم مصلحة الوطن ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة وفي العمل السياسي بشكل عام.