أدب وفنون

“الموسيقى تواجه التشدد”.. “ڭوندافا” سينما مغربية تنبش في صراع الهوية والحرية الثقافية بالأطلس

يتواصل التنافس على جوائز المسابقة الرسمية للفيلم الروائي الطويل ضمن الدورة السادسة والعشرين من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، من خلال عرض الفيلم المغربي “ڭوندافا: الأغنية الملعونة”، الذي يلتقي جمهوره المغربي لأول مرة اليوم، بعد أشهر من تقديمه عالميا في العاصمة المصرية القاهرة.

ويأتي عرض الشريط ضمن فعاليات الدورة الحالية للمهرجان، المنظمة بمدينة خريبكة ما بين 30 ماي و6 يونيو 2026، حيث يدخل غمار المنافسة إلى جانب أعمال إفريقية أخرى تتبارى على أبرز جوائز التظاهرة السينمائية التي تعد من أعرق المواعيد الثقافية بالقارة.

وكان الفيلم قد سجل حضوره الأول عالميا خلال الدورة الخامسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، التي أقيمت ما بين 13 و22 نونبر 2025، ضمن مسابقة “آفاق السينما العربية”، ليشكل بذلك أول تجربة سينمائية روائية طويلة للمخرج ومدير التصوير علي بنجلون، نجل المخرج والمنتج المغربي حسن بنجلون.

ويمتد العمل على مدى 96 دقيقة، مقدما حكاية تنطلق من أعماق جبال الأطلس الكبير، حيث اختار صناعه الغوص في تفاصيل الحياة داخل قرية أمازيغية صغيرة تتقاطع فيها الأحلام الفردية مع أسئلة الهوية والانتماء والتحولات الاجتماعية التي تعرفها المجتمعات القروية.

وتتمحور أحداث الفيلم، حول ثلاثة شبان، سعيد وإبراهيم وعمر، تجمعهم رغبة واحدة تتمثل في تحقيق ذواتهم عبر الموسيقى والغناء، أملا في الوصول إلى الشهرة وانتزاع الاعتراف بموهبتهم. وفي المقابل، تواصل نساء القرية، وعلى رأسهن فاطمة، أداء الأغاني الجماعية في الحقول باعتبارها جزءا من الحياة اليومية وامتدادا لذاكرة ثقافية متجذرة في الموروث الأمازيغي.

غير أن هذا التوازن يبدأ في الاهتزاز مع وصول إمام متشدد إلى القرية، ليجد السكان أنفسهم أمام واقع جديد يفرض قراءة مختلفة للعادات والتقاليد التي شكلت لسنوات طويلة جزءا من هويتهم الجماعية.

ومن هنا يتحول الفضاء القروي إلى ساحة مواجهة بين رؤيتين متناقضتين، الأولى تدعو إلى القطع مع عدد من الممارسات الثقافية والفنية بدعوى مخالفتها للتصور الديني الذي يحمله الوافد الجديد، والثانية تتمسك بالإرث الثقافي المحلي باعتباره مكونا أساسيا من مكونات الهوية ووسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية.

ويستند الفيلم إلى قصة مستوحاة من أحداث واقعية، وفق ما كشف عنه المنتج حسن بنجلون، الذي أوضح أن العمل يعالج وقائع شهدتها إحدى المناطق القبلية، حيث أدى انتشار خطاب متشدد إلى خلق توتر داخل المجتمع المحلي ومحاولة التضييق على بعض المظاهر الثقافية والفنية المتوارثة.

ويراهن “ڭوندافا: الأغنية الملعونة” على مقاربة فنية تضع الحرية الثقافية في صلب السرد، من خلال الدفاع عن حق الأفراد والجماعات في صون خصوصياتهم الثقافية والتعبير عن ذواتهم دون إقصاء أو وصاية.

كما يسلط الضوء على التعدد الذي يميز الهوية المغربية، من خلال استحضار اللغة الأمازيغية والموسيقى المحلية واللباس والعادات والتقاليد التي تشكل جزءا من الغنى الحضاري للمملكة.

ولا يقتصر العمل على مناقشة إشكالية الهوية فقط، بل يفتح المجال أيضا أمام أسئلة ترتبط بطموحات الشباب وحقهم في اختيار مساراتهم الحياتية والمهنية بحرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمجالات الإبداعية والفنية التي تصطدم أحيانا بنظرات اجتماعية محافظة أو بأحكام مسبقة تحد من فرص تحقيق الأحلام.

ومن بين الخصائص التي تميز الفيلم اعتماده اللغة الأمازيغية السوسية بشكل كامل، في خطوة وصفها حسن بنجلون، بأنها غير مسبوقة بالنسبة لشريط روائي طويل موجه للعرض التجاري والسينمائي الواسع بالمغرب.

وقد أكد بنجلون في تصريح لـ”العمق”، أن طبيعة القصة وفضاءها الجغرافي والثقافي فرضا اللجوء إلى الأمازيغية باعتبارها اللغة الطبيعية لشخصيات الفيلم، رغم أن كاتبي السيناريو، حسن وعلي بنجلون، لا يتحدثانها في حياتهما اليومية.

وأوضح المنتج المغربي أن الحرص على المصداقية الفنية كان وراء هذا الاختيار، مشيرا إلى أن جميع الممثلين المشاركين في العمل ينحدرون من بيئات أمازيغية ويتقنون اللغة التي تدور بها الأحداث، وهو ما منح الفيلم -بحسبه- قدرا أكبر من الواقعية والانسجام مع البيئة التي يستلهم منها قصته.

ويجمع الشريط نخبة من الممثلين المغاربة، من بينهم فاطمة عاطف وكريمة غيث وعبد اللطيف عاطف وعبد الرحيم المنياري والزاهية الزاهيري وجمال تعمارت والحسين برداوز وياسين الصبار وحميد اشتوك وابتسام عباسي وسعيد ظريف وأمينة اليوسي وخديجة سكرين، بينما تكفل حسن بنجلون بالإنتاج وتقاسم كتابة السيناريو مع نجله علي بنجلون الذي يخوض من خلال هذا المشروع أولى مغامراته في الإخراج السينمائي الطويل.