وجهة نظر

التصريح الحكومي 2026، بين منجزات 2021-2026، ومسار المستقبل -أفق الانتخابات التشريعية-

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تحوّل التصريح الحكومي بالمغرب من مجرد محطة دستورية لعرض الحصيلة إلى لحظة سياسية حاسمة تسعى فيها الحكومة إلى الدفاع عن مشروعها التنموي وتثبيت شرعيتها الانتخابية. فبعد خمس سنوات من التدبير، تجد الحكومة نفسها مطالبة بإقناع المغاربة بأن ما تحقق لم يكن مجرد تدبير ظرفي للأزمات، بل بداية لتحول اقتصادي واجتماعي طويل المدى.

ومنذ تنصيب حكومة عزيز أخنوش سنة 2021، رفعت الأغلبية الحكومية شعار “الدولة الاجتماعية”، مع التزامها بتحقيق جملة من الأهداف الكبرى، أبرزها إحداث مليون منصب شغل، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين القدرة الشرائية، وإصلاح التعليم والصحة والإدارة.

وقد جاء البرنامج الحكومي آنذاك محملاً بأرقام طموحة، من بينها تحقيق معدل نمو يصل إلى 4 في المائة، ورفع نسبة نشاط النساء إلى أكثر من 30 في المائة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب توسيع الطبقة الوسطى.

الحماية الاجتماعية… (الورش الأكبر)

يُعد مشروع تعميم الحماية الاجتماعية أبرز إنجازات الحكومة الحالية، باعتباره واحداً من أكبر الأوراش الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث. فقد تمكنت الحكومة من توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض بشكل غير مسبوق، بعدما انتقل عدد المستفيدين من العمال غير الأجراء من حوالي 8 آلاف فقط سنة 2021 إلى نحو 1.7 مليون مستفيد سنة 2025.

كما تجاوز عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض 32 مليون شخص، أي ما يقارب 88 في المائة من سكان المغرب، في خطوة اعتبرتها الحكومة تحولاً اجتماعياً تاريخياً.
وفي السياق ذاته، أطلقت الحكومة برنامج الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة الأسر الهشة، مع تخصيص اعتمادات مالية ضخمة ضمن قانون المالية، إضافة إلى توسيع برامج الدعم الخاصة بالأرامل والأشخاص في وضعية هشاشة.

الحوار الاجتماعي وارتفاع الأجور

– وعلى مستوى الحوار الاجتماعي، تؤكد الحكومة أنها نجحت في إعادة الثقة بين الدولة والنقابات بعد سنوات من التوتر. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن كلفة الحوار الاجتماعي ستصل إلى حوالي 48.3 مليار درهم بحلول سنة 2026، مع رفع متوسط الأجور في القطاع العام إلى حوالي 10 آلاف و600 درهم شهرياً.

كما شملت الإجراءات الحكومية الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور في القطاعين الصناعي والفلاحي، وتحسين دخل موظفي التعليم والصحة والجماعات الترابية، وهي خطوات حاولت الحكومة من خلالها مواجهة موجة الغلاء والتضخم التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

الاستثمار والبنية التحتية

-اقتصادياً، راهنت الحكومة على تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي، عبر إصلاح الميثاق الجديد للاستثمار وتبسيط المساطر الإدارية. كما واصلت الدولة مشاريع البنية التحتية الكبرى المرتبطة بالموانئ والطرق السيارة والطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر.

وقد سعت الحكومة إلى تقديم نفسها كحكومة “الاستقرار الاقتصادي” في ظرفية عالمية صعبة اتسمت بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والجفاف المتكرر.
وتعتبر الأغلبية الحكومية أن الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، رغم الأزمات الدولية، يمثل بدوره إنجازاً سياسياً واقتصادياً مهماً.

– التشغيل… الحلقة الأضعف

غير أن ملف التشغيل ظل النقطة الأكثر إثارة للجدل في الحصيلة الحكومية. فبالرغم من التعهد بإحداث مليون منصب شغل خلال خمس سنوات، ما تزال معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، تشكل مصدر قلق اجتماعي وسياسي كبير.

كما أن جزءاً واسعاً من الرأي العام يرى أن انعكاس النمو الاقتصادي على الحياة اليومية للمواطنين ظل محدوداً، خصوصاً في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات وتراجع القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة.

– التعليم والصحة… إصلاحات مستمرة

في قطاع التعليم، أطلقت الحكومة إصلاحات مرتبطة بالنظام الأساسي الجديد لرجال التعليم وبرامج تعميم التعليم الأولي ودعم المدرسة العمومية، غير أن القطاع عرف أيضاً احتجاجات وإضرابات طويلة كشفت حجم التوتر داخل المنظومة التعليمية.

أما في قطاع الصحة، فقد راهنت الحكومة على تأهيل المستشفيات وتوسيع التغطية الصحية، لكن ضعف الموارد البشرية والتفاوتات المجالية ما تزال تحديات قائمة أمام تحقيق إصلاح شامل للقطاع.

– بين الحصيلة والانتخابات

سياسياً، يبدو واضحاً أن التصريح الحكومي لسنة 2026 يحمل أبعاداً انتخابية قوية. فالأغلبية الحالية تدرك أن الانتخابات المقبلة ستكون بمثابة استفتاء شعبي على خمس سنوات من التدبير، لذلك تحاول تسويق حصيلتها باعتبارها مرحلة تأسيسية لـ”الدولة الاجتماعية”.

في المقابل، تراهن المعارضة على الملفات الاجتماعية العالقة، وعلى استمرار أزمة التشغيل وغلاء المعيشة، من أجل إضعاف الرصيد الانتخابي للحكومة.

ويبقى السؤال الأساسي المطروح اليوم: هل تكفي لغة الأرقام والمؤشرات لإقناع الناخب المغربي؟ أم أن المواطن سيحتكم أساساً إلى أثر السياسات العمومية على واقعه المعيشي اليومي؟

في المحصلة، تبدو حصيلة الحكومة المغربية بين 2021 و2026 مزيجاً من الإنجازات الهيكلية الكبرى، خصوصاً في مجال الحماية الاجتماعية، ومن الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي ما تزال تلقي بظلالها على المجتمع المغربي. وبين منطق “الإنجاز” ومنطق “الانتظارات”، تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأكبر: انتخابات 2026 ومستقبل الثقة في العمل الحكومي.