في حلقة علمية مميزة من برنامج مدارات، قدّم الأستاذ الجيلالي العدناني، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس في الرباط والمتخصص في التاريخ المعاصر والقضايا الراهنة، قراءة تاريخية معمّقة في أصول قضية الصحراء المغربية من منظور صنع الحدود الاستعمارية والرواية الجزائرية، مستنداً إلى مصادر تاريخية ووثائق أرشيفية فرنسية وإسبانية ومغربية.
أولاً — إعادة فهم الحدود: من الطبيعة إلى الصنعة الاستعمارية
أوضح العدناني أن مفهوم «الصحراء الغربية» لم يكن جغرافياً أو سياسياً قائمًا بذاته قبل التدخل الأوروبي في إفريقيا خلال القرنين 19 و20. فالحدود التي نعرفها اليوم، سواء الحالية أو المتنازع عليها، لم تكن سوى نتيجة للسياسات الاستعمارية البريطانية والفرنسية والإسبانية التي سعَت إلى تقاسم النفوذ في شمال وغرب القارة، بعيداً عن الاعتبارات التاريخية والاجتماعية المحلية.
في هذا السياق، بيّن الباحث كيف اعتمدت الإدارة الاستعمارية على مفاهيم جيو‑سياسية أُطلقت لاحقاً مثل terra nullius (أرض بلا سيادة)، لتبرير إدراج مساحات شاسعة من الصحراء ضمن خرائط سياسية لا تعكس واقع التحالفات والاعترافات التقليدية بين القبائل والسلاطين المغاربيين، ممهِّداً لفهم أعمق للتركيبة الحالية للنزاع الدولي.
ثانياً — مغربية الصحراء… قراءة تاريخية أرشيفية
استند العدناني في تحليله إلى ما أسماه الأرشيفات الأجنبية والمخزنية التي تعود إلى فترات ما قبل الاستعمار الاستيطاني الأوروبي ومنذ بدايات انخراط القوى الكبرى في الشمال الإفريقي. وتشير هذه الوثائق، وفق العدناني، إلى وجود دلائل متعددة على صلات تاريخية بين السلطان المغربي وسكان الصحراء، من خلال مراسلات رسمية، وبيعة القبائل للمخزن، وخرائط تفصيلية لمناطق كثيرة داخل الصحراء.
ويعتبر العدناني أن هذه الأدلة، بجانب المعطيات التاريخية السياسية حول مناهل السلطة المغربية في المنطقة، تشكل إجابات قانونية وتاريخية مهمة حول السؤال الذي ظل محل جدل طويل: هل كان للسلطان المغربي تأثير ورسمي على الصحراء قبيل التوسع الاستعماري؟
ثالثاً — رواية الجزائر: بين السياسة والذاكرة التاريخية
ناقشت الحلقة كذلك الرواية الجزائرية للملف، التي تُرى في بعض الدوائر السياسية والإعلامية الجزائرية كـ «أرض سائبة» لم تكن تخضع لأي سلطة مركزية قبل الاستعمار الأوروبي، وبالتالي لا تستند الرواية المغربية إلى أسس تاريخية سليمة.
وقد شدد الضيف على أن القراءة التاريخية لهذه الأطروحات تتطلب تمييزاً واضحاً بين الأدلة الوثائقية الصلبة والروايات السياسية التي استُخدمت في سياقات صراعية بين الدولتين، لا سيما بعد استقلال الجزائر عن فرنسا عام 1962 واعتمادها على خطوط حدود استعمارية لا تحاكي الواقع التاريخي الاجتماعي والتحالفات القبلية القديمة.
رابعاً — السياق الأوسع: استقلال المغرب وتداعياته
أشار العدناني أيضاً إلى أن استقلال المغرب عن فرنسا عام 1956 شكّل نقطة تحول كبيرة في استعادة الهوية الوطنية، لكن تقسيم الحدود التي خلّفها الاستعمار ترك آثاراً مستمرة أدّت إلى نزاعات لاحقة، أبرزها ملف الصحراء الغربية، الذي اعتمدت فيه القوى الاستعمارية ـ بحسب الضيف ـ على خرائط واتفاقات لم تُراعِ الانتماءات السياسية والاجتماعية للمنطقة.
خلاصة علمية: قراءة موضوعية للوثائق مقابل الروايات السياسية
في ختام الحلقة، دعا الأستاذ العدناني إلى المزيد من البحث في الأرشيفات الأجنبية والمخزنية على حد سواء، باعتبارهما مصدراً أساسياً لفهم تاريخ الصحراء بشكل علمي محايد، بعيداً عن الإيديولوجيا السياسية والروايات المتنازع عليها. وأكد على أن فهم التاريخ بشكل صحيح هو خطوة ضرورية لمعالجة أي نزاع معاصر، سواء على المستوى القانوني الدولي أو في الحوار بين الدول والشعوب المعنية.