تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة من فضاء للتواصل وتبادل الآراء إلى “بيئة معرفية ملتبسة”، يختلط فيها العلم بالخرافة، وتضيع الحقائق وسط الانطباعات الذاتية، ويبهت بريق المعلومة العلمية الدقيقة أمام وميض البروباغندا والمحتوى الترويجي.
لقد انتقلنا فجأة من تضخم غير منضبط في التعبير عن الآراء والمواقف الشخصية، إلى تضخم أكثر خطورة يتمثل في إنتاج وتداول “معرفة” تبدو علمية في ظاهرها، لكنها في الجوهر تفتقر إلى أسسها المنهجية الصارمة، إذ لم يعد الإشكال مقتصرا على كثرة الآراء ومدى واقعيتها، بل تجاوز ذلك إلى حالة أصبح معها البعض يساوي بين الظنون والحقائق، ويضع الخبرة الفردية المحدودة والاستنتاجات العلمية جنبا إلى جنب في كفة واحدة، ليعيد تقديم هذا الخليط في صورة “نصائح علمية” جاهزة للاستهلاك، رغم افتقارها إلى معايير التحقق العلمي.
وقد أصبح المحتوى المرتبط بالصحة والتغذية أحد أكثر المجالات عرضة لهذا الالتباس، إذ نجد أنفسنا أمام سيل هادر من “الأنظمة الغذائية” و”البرامج الصحية” التي تُقدَّم بصيغة يقينية صارمة، بوصفها نتائج علمية دقيقة، رغم أنها في كثير من الحالات لا تستند إلى دراسات سريرية، ولا إلى مراجعات علمية محكمة. ومن أبرز الأمثلة التي راجت مؤخرا في العالم الرقمي ما عُرف بـ”نظام الطيبات” المنسوب إلى طبيب مصري يدعى ضياء العوضي، والذي لقي انتشارا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي.
يدعي هذا النظام أنه يقدم حلولا بسيطة تعيد الإنسان إلى “الطبيعة” وتنظم استهلاكه الغذائي بهدف تحسين الصحة العامة، إلا أن الإشكال الجوهري الذي يطرحه يكمن في تحويل بعض التوصيات العامة إلى حميات شاملة صارمة تقدم كأنها علاجات لمختلف الأمراض ولكل المرضى دون مراعاة للفروق الفردية أو الحالات الصحية الخاصة. ناهيك عن اعتماد النظام على ادعاءات غير مدعومة بأدلة علمية، إذ يقدم “معلومات” تتضارب مع بديهيات علم التغذية القائم على التجربة والبحث، مما قد يؤدي إلى نتائج صحية خطيرة خاصة عند التعامل معها بديلا عن الإرشادات الطبية المعتمدة.
ويقوم علم التغذية الحديث على مبادئ دقيقة، من أبرزها المقاربة المفردنة (personalization)، والدراسات التجريبية المضبوطة، والدراسات طويلة المدى التي تقيس الأثر الحقيقي لأي نظام غذائي على الصحة. كما أن أي ادعاء صحي شامل، من قبيل علاج الأمراض المزمنة أو تحسين مختلف وظائف الجسم عبر نظام غذائي واحد ثابت، يُعد ادعاء غير دقيق ما لم يُدعَم بأدلة مستمدة من أبحاث منشورة في مجلات علمية محكمة. وهنا يتضح التباين الجوهري بين “المعرفة العلمية” القائمة على المنهج والتحقق، و”المعرفة المبتذلة المتداولة رقميا”، التي تنتشر خارج شروط الضبط العلمي.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في آلية استقبال الجمهور لهذا المحتوى وطبيعة التفاعل معه، إذ تخلق وسائل التواصل الاجتماعي بيئة تُكافئ الاختزال وتُشجّع على تبني إجابات جاهزة و”مطمئنة” دون تحقق علمي ولا تمحيص نقدي، وبالتالي تنتشر الرسائل السطحية البسيطة والوعود القطعية بوتيرة أسرع من التحليلات العلمية العميقة. وبهذا يتحول “نظام الطيبات” من فكرة شخصية قابلة للنقاش إلى “حقيقة رقمية” لدى فئة واسعة من الجمهور، بفعل اتساع رقعة انتشارها داخل الفضاء الرقمي، وليس استنادا إلى قوتها العلمية.
يكشف نموذج “نظام الطيبات” إلى جانب نماذج كثيرة تفرضها علينا سلطة “الترند” من وقت لآخر، عن ظاهرة “فوضى المعرفة” التي تضرب بنية إنتاج المحتوى داخل الفضاء الرقمي، حيث لم تعد المعرفة مبنية بالضرورة على التحقق والنقد والتجربة، وأصبحت فيه المعلومة العلمية عرضة للتبسيط إلى درجة الابتذال وصارت صدقيتها تقاس بمدى سرعة انتشارها ونسبة الثقة في من قالها من “المؤثرين” الذين يفقهون في كل شيء. وهكذا تتحول الحقيقة العلمية في نظرهم إلى نصائح جاهزة للاستهلاك، معزولة عن سياقها البحثي ومجردة من ضوابطها المنهجية، لتغدو خطابا إرشاديا مبتذلا يُقدَّم بوصفه “معرفة علمية دقيقة”.