يتواصل التنافس على جوائز الدورة السادسة والعشرين من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، بعرض الفيلم المغربي الطويل “بين جوج قبور” للمخرج محمد مروازي ضمن فعاليات المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة.
ويقدم الفيلم، الممتد على 94 دقيقة، حبكة تنطلق من العثور على يهودي مغربي يدعى “شلومو” متوفيا داخل منزله بمدينة العرائش، في ظروف تثير العديد من التساؤلات، غير أن الحدث لا يقف عند حدود الوفاة، بل يتوسع ليشمل جدلا حول هوية الراحل الدينية ومكان دفنه، بعدما عُثر إلى جانبه على مؤشرات تحمل دلالات متباينة، من بينها مسبحة ونسخة من القرآن الكريم.
وتضع هذه المعطيات الشخصيات المحيطة بالراحل أمام معضلة معقدة تتعلق بتحديد المقبرة التي سيوارى فيها جثمانه، بين المقبرة اليهودية والمقبرة الإسلامية، في مسار درامي يتحول تدريجيا إلى نقاش أوسع حول الانتماء والهوية وحدود التصنيف الديني في مجتمع متعدد الروافد.
ويعتمد الفيلم على هذا الحدث المركزي لطرح مجموعة من القضايا المرتبطة بالتعايش داخل المجتمع المغربي، مستحضرا أسئلة تتعلق بالذاكرة المشتركة والعلاقات التاريخية بين المسلمين واليهود، إضافة إلى إشكالات ترتبط بالمعتقد والوفاء والروابط الإنسانية التي تتجاوز الانتماءات الدينية.
ويضم العمل نخبة من الممثلين المغاربة والأجانب، من بينهم: رشيد بدوري، ميشال بوجناح، نيف، جمال العبابسي، عادل أبا تراب، وميساء مغربي، فيما حمل السيناريو توقيع ياسين زيزي وعبد اللطيف شوتا.
ويأتي عرض “بين جوج قبور” ضمن سلسلة من الأعمال السينمائية المغربية التي اختارت خلال السنوات الأخيرة تناول موضوع الوجود اليهودي بالمغرب والعلاقات التاريخية التي جمعت اليهود والمسلمين، وهو توجه بات يحضر بشكل متزايد في الإنتاجات الوطنية المعروضة داخل المهرجانات والتظاهرات السينمائية.
وفي قراءته للفيلم، اعتبر الناقد الفني مصطفى الطالب أن “بين جوج قبور” يندرج ضمن ما وصفه بموجة من الأعمال السينمائية التي عادت خلال السنوات الأخيرة إلى تناول موضوع الوجود اليهودي في المغرب والعلاقة التاريخية بين المسلمين واليهود، رغم أن هذا التعايش -بحسب تعبيره- ليس أمرا جديدا بل يمتد لقرون داخل المجتمع المغربي.
وأضاف الطالب، في تصريح لـ”العمق”، أن عددا من الأفلام التي اشتغلت على هذا الموضوع لم تنجح -في نظره- في تقديمه بعمق وواقعية، مفضلة مقاربات وصفها بالسطحية والمصطنعة.
كما سجل أن بعض هذه الأعمال قدمت صورة تتضمن “إساءة إلى المغربي ودينه” مقابل ما اعتبره “تمجيدا للشخصية اليهودية”، وهو ما أثار نقاشا واسعا حول طبيعة المعالجات السينمائية لهذا الملف.
وأشار الناقد الفني، إلى أن تناول قضية التعايش يقتضي مقاربة أكثر توازنا تحفظ كرامة مختلف مكونات المجتمع المغربي، وتضع النقاش في سياقه التاريخي الحقيقي، معتبرا أن الإشكال الذي أثر في هذا التعايش لا يرتبط بالدين الإسلامي أو باليهودية كديانتين، وإنما بما وصفه بالمشروع الصهيوني الذي ساهم -حسب رأيه- في إفساد هذه العلاقة التاريخية التي ظلت قائمة لقرون بين اليهود والمسلمين في المغرب.
ويخوض “بين جوج قبور” منافسات المسابقة الرسمية في دورة تعرف مشاركة مجموعة من الأفلام القادمة من بلدان إفريقية مختلفة، وسط رهان على استقطاب أعمال تطرح قضايا الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية، وهي مواضيع ظلت حاضرة بقوة في اختيارات المهرجان خلال السنوات الأخيرة.