دستور 2011 بالمغرب: قراءة تحليلية في مسار الإصلاح الدستوري
وجهة نظر

دستور 2011 بالمغرب: قراءة تحليلية في مسار الإصلاح الدستوري

يشكل دستور 2011 بالمغرب إحدى أبرز المحطات الدستورية والسياسية في التاريخ المعاصر للدولة المغربية، ليس فقط بالنظر إلى ما حمله من تحولات مؤسساتية ودستورية عميقة، ولكن أيضا بسبب الجدل الذي رافق تفسير سياق ميلاده وأسبابه الحقيقية، ففي الوقت الذي يختزل فيه البعض هذا الدستور في كونه مجرد استجابة مباشرة لحراك 20 فبراير وسياق ما سمي بالربيع العربي، تكشف القراءة التاريخية والمؤسساتية المتأنية أن دستور 2011 لم يكن نتاج لحظة احتجاجية إستثنائية وإنما ثمرة سيرورة طويلة من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والحقوقية التي انخرط فيها المغرب منذ عقود، وتحديدا منذ سنوات التناوب السياسي، مرورا بورش الإنصاف والمصالحة، وتوسيع مجال الحقوق والحريات، وإعادة هيكلة الحقل الحزبي والمؤسساتي، وصولا إلى خطاب 9 مارس 2011 الذي جاء تتويجا لمسار إصلاحي متدرج أكثر مما كان استجابة لحراك إجتماعي.

إن اختزال دستور 2011 في حراك 20 فبراير وحده يمثل قراءة غير مكتملة للتاريخ السياسي المغربي، لأنها تتجاهل طبيعة الدولة المغربية باعتبارها دولة ذات تقاليد إصلاحية تراكمية، اعتمدت عبر مراحل مختلفة على منطق التدرج والاستباق المؤسساتي بدل منطق القطيعة المبنية على الحراك الاحتجاجي، فالمغرب قبل سنة 2011 كان قد دخل بالفعل في أوراش إصلاحية كبرى همت مجالات متعددة، سواء على مستوى حقوق الإنسان، أو تحديث الإدارة، أو توسيع هامش الحريات العامة، أو إصلاح القضاء، أو تعزيز دور الأحزاب السياسية، أو إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

فمنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999 برز توجه واضح نحو إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة قائمة على الإنصاف والاعتراف والتحديث المؤسساتي المتدرج، وقد تجسد ذلك في عدد من المبادرات الكبرى أبرزها إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 باعتبارها أول تجربة للعدالة الانتقالية في العالم العربي والإفريقي، وهي تجربة لم تكن مجرد آلية لمعالجة انتهاكات الماضي بقدر ما شكلت مدخلا لإعادة التفكير في بنية الدولة وعلاقتها بالحقوق والحريات.

كما عرف المغرب قبل 2011 سلسلة من الإصلاحات القانونية والسياسية المهمة من قبيل إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، وتعزيز حضور المرأة في المؤسسات المنتخبة، وإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، وتوسيع اختصاصات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، فضلا عن النقاشات المرتبطة بإصلاح القضاء والجهوية واللاتمركز الإداري، وهي كلها مؤشرات تؤكد أن فكرة الإصلاح الدستوري لم تكن غريبة عن النقاش العمومي والمؤسساتي المغربي قبل ظهور حركة 20 فبراير.

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع الجهوية المتقدمة باعتباره أحد أهم المعطيات التي تؤكد أن ورش الإصلاح الدستوري بالمغرب كان سابقا عن حراك 20 فبراير، وأن الدولة المغربية كانت قد دخلت فعليا في إعادة هيكلة عميقة لنمط التنظيم الترابي والمؤسساتي للدولة قبل سنة 2011، فقد جاء الخطاب الملكي بتاريخ 3 يناير 2010 ليعطي الانطلاقة الحقيقية لورش الجهوية المتقدمة باعتباره مشروعا استراتيجيا لإعادة توزيع السلط وتعزيز الديمقراطية الترابية والتنمية المجالية.

وقد أعلن جلالة الملك محمد السادس في ذلك الخطاب عن إحداث اللجنة الاستشارية للجهوية من أجل بلورة تصور واضح المعالم للنموذج المغربي للجهوية الموسعة، وذلك وفق خصوصيات الدولة المغربية ووحدتها الترابية والمؤسساتية، وقد حمل هذا الورش أبعادا سياسية ودستورية عميقة، لأنه يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين المركز والمجال، وبين الدولة والجماعات الترابية في إطار تصور جديد للحكامة الترابية والتنمية المحلية.

إن مجرد إطلاق ورش الجهوية المتقدمة قبل سنة كاملة من دستور 2011 يكشف أن النقاش حول إعادة بناء الدولة الترابية كان قائما بالفعل، وأن الإصلاح الدستوري جاء لاحقا لتأطير هذه التحولات ومنحها أساسا دستوريا متكاملا، ولذلك خصص دستور 2011 الباب التاسع كاملا للجهات والجماعات الترابية الأخرى في تحول نوعي غير مسبوق في تاريخ الدساتير المغربية.

ولعل الدلالة الأبرز تكمن في ما نص عليه الفصل الأول من الدستور ضمن باب الأحكام العامة حين أكد أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، وهو مقتضى دستوري يعكس إرادة واضحة في الإرتقاء بالمنظومة الجهوية وجعلها ركيزة أساسية للنظام اللامركزي المغربي، فالدستور هنا لم يأت بفكرة الجهوية من فراغ أو إستجابة للحظة احتجاجية وإنما قام بدسترة ورش إصلاحي كان قد انطلق فعليا قبل ذلك ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

ويفصح الخطاب الملكي لــ20 غشت 2010 بشكل إستباقي وإستشرافي أن مسار الإصلاح بالمغرب كان نابعا من رؤية سيادية وطنية مستقلة، تستند إلى خصوصيات الدولة المغربية وتراكمها التاريخي والمؤسساتي، بعيدا عن أي منطق للاستنساخ أو الإستيراد الجاهز لنماذج خارجية، وبمعزل عن أي إملاءات أو ضغوط ظرفية كيفما كان مصدرها، فالتأكيد فيه على بلورة “نموذج مغربي-مغربي” لم يكن مجرد توصيف لغوي وإنما إعلان واضح عن فلسفة إصلاحية لها مرجعية تاريخية تقوم على إنتاج نموذج وطني خاص في التدبير الديمقراطي والتنمية الترابية، يلائم بين التحديث والاستقرار، وبين الانفتاح والحفاظ على الثوابت الوطنية، كما أن استحضار مفهوم “الثورة الدائمة للملك والشعب” ومفهوم “الطمأنينة” في الخطاب الملكي يعكس أن للمغرب ثورته الخاصة الممتدة في الزمان والمكان والتي تنبني على تصور واضح للإصلاح باعتباره مسارا متواصلا للتجديد المؤسساتي والتنمية، يتم في إطار الطمأنينة والاستقرار والتلاحم بين العرش والشعب، لا عبر منطق القطيعة أو الارتباك السياسي الذي طبع تجارب إقليمية أخرى.

وفي هذا السياق، يكتسي خطاب 9 مارس 2011 أهمية مركزية لفهم مسار الولادة الحقيقية لدستور 2011، فالقراءة المتأنية لمضمون الخطاب تكشف بوضوح أنه لم يقدم الإصلاح الدستوري باعتباره تنازلا ظرفيا تحت ضغط الشارع ولكن باعتباره امتدادا لتوجه إصلاحي استراتيجي ومتدرج، فالخطاب استند إلى مرجعيات متعددة، تاريخية، وطنية، مؤسساتية وتنموية، وربط الإصلاح الدستوري بالشروع في المرحلة الموالية من مسار الجهوية المتقدمة وما تنطوي عليه من مواصلة بناء دولة الحق والمؤسسات، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وتكريس فصل السلط، وتوطيد استقلال القضاء، وتوسيع مجال الحريات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لقد كان لافتا في خطاب 9 مارس أن المرجعية الأساسية له كانت هي لغة البناء المؤسساتي والاستمرارية التاريخية، فالخطاب تحدث عن تكريس الطابع التعددي للهوية المغربية، ودسترة هيئات الحكامة، وتعزيز مكانة الوزير الأول، وتوسيع صلاحيات البرلمان، وهي قضايا كانت مطروحة في النقاش السياسي المغربي منذ سنوات، سواء داخل الأحزاب السياسية أو في تقارير الهيئات الوطنية أو في النقاش الأكاديمي والحقوقي.

ويكتسي ما ورد في الرسالة السامية الموجهة إلى المشاركين في أشغال المناظرة الوطنية الأولى للجهوية المتقدمة بأكادير يوم 20 دجنبر 2019 أهمية خاصة لأنه جاء ليؤكد صواب الطرح الذي اعتمدناه في تحليلنا هذا لمسار دستور 2011، باعتباره ثمرة سيرورة تاريخية متدرجة من التراكمات السياسية والإصلاحات المؤسساتية والتنموية، لا مجرد استجابة ظرفية لحراك 20 فبراير، فقد أكد جلالة الملك محمد السادس بشكل واضح أن دستور 2011 جاء كتتويج لمسار من التراكمات السياسية والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي أسست للمجتمع الديمقراطي الحداثي في ظل دولة الحق والقانون، وهي صياغة ذات دلالة سياسية ودستورية عميقة تعيد وضع الدستور داخل سياقه التاريخي الحقيقي باعتباره امتدادا لمسار إصلاحي متدرج انخرطت فيه الدولة المغربية لسنوات، وقائم على منطق البناء التراكمي للمؤسسات وتعزيز النموذج الديمقراطي الوطني في إطار الاستقرار والاستمرارية و بعيدا عن منطق التدبير الإستثنائي للأزمات.

إن هذا المعطى يبرز أن حراك 20 فبراير رغم أهميته الرمزية والسياسية في بلدان أخرى لم يكن منشئا لفكرة الإصلاح الدستوري بالمغرب بقدر ما كان عاملا مسرعا لإخراج إصلاحات كانت الدولة المغربية قد راكمت شروطها السياسية والمؤسساتية مسبقا، فهناك فرق بين من يصنع الإصلاح من فراغ تحت ضغط الانهيار، وبين دولة كانت قد رسمت مسبقا أسس دينامية إصلاحية وجاءت السياقات الإقليمية لتسرع وتيرة بعض الأوراش وتعيد ترتيب أولوياتها الزمنية.

ومن هنا فإن المقارنة بين المغرب وعدد من دول ما يسمى بالربيع العربي تكشف اختلافا جوهريا في طبيعة التفاعل مع التحولات الإقليمية، ففي الوقت الذي دخلت فيه بعض الأنظمة في مواجهات صفرية مع مجتمعاتها بسبب غياب قنوات الإصلاح المؤسساتي، كان المغرب قد راكم أسسا قوية من المرونة السياسية والمؤسساتية سمح له ذلك بامتصاص التوترات عبر منطق الإصلاح في إطار الاستمرارية المحفوفة بالأمن والإستقرار.

كما أن المسار الذي أعقب دستور 2011 يؤكد بدوره أن الأمر يتعلق بخيار استراتيجي للدولة المغربية وليس برد فعل ظرفي فقط، فالدولة بعد دستور 2011 استمرت في تنزيل أوراش كبرى التي كرستها مسبقا والمرتبطة بمشاريع الجهوية المتقدمة، وإصلاح العدالة، وتوسيع اختصاصات المؤسسات الدستورية، وتعزيز الحكامة الترابية، وإعادة تعريف العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة، وهي أوراش لا يمكن فهمها إلا باعتبارها جزءا من مشروع تحديث طويل المدى للدولة المغربية.

ومن ثم فإن استحضار هذه المرجعيات والخطب الملكية في قراءة دستور 2011 يفرض على الفاعلين السياسيين والباحثين الأكاديميين والإعلاميين التحرر من القراءات الاختزالية والانتقائية التي تفصل الدستور عن سياقه التاريخي والمؤسساتي الحقيقي، وعدم الانجرار وراء الاستهلاك السطحي لخطاب الربيع العربي باعتباره التفسير الوحيد لما وقع بالمغرب سنة 2011، فمثل هذه المقاربات تتجاهل عمق التراكم الإصلاحي الذي عرفته الدولة المغربية وتغفل خصوصية النموذج المغربي الإستثنائي القائم على التدرج الإصلاحي والاستباق والاستمرارية المؤسساتية، كما أن حصر دستور 2011 في كونه مجرد رد فعل ظرفي لا يسيء فقط إلى فهم المسار الدستوري المغربي ولكن يحجب أيضا طبيعة التحولات العميقة التي كانت الدولة قد أطلقتها قبل ذلك بسنوات وفي مقدمتها ورش الجهوية المتقدمة وبناء نموذج تنموي ومؤسساتي وطني مستقل.

وبعد مرور خمسة عشر سنة على إقرار دستور 2011 يتضح أن هذا الدستور كان في كثير من مقتضياته متقدما على ما كان يتيحه الواقع السياسي والمؤسساتي آنذاك وحتى الآن، خاصة من حيث توسيع وتعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة، فالإشكال لم يكن في محدودية النص الدستوري بقدر ما ارتبط أحيانا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين على استيعاب فلسفته الديمقراطية وتفعيل مقتضياته بروح الإصلاح التي أقر بها، كما أن التجربة أظهرت أن عددا من المقتضيات الدستورية ظلت متقدمة على الممارسة السياسية والحزبية بالمغرب، وذلك من خلال سياق سياسي ظل يعاني من أعطاب تتعلق بتخليق الحياة السياسية والحزبية، وضعف التأطير السياسي، وهيمنة الحسابات الانتخابية الضيقة على جزء من الفعل الحزبي والمؤسساتي.

وانطلاقا من التحولات المؤسساتية والتنفيذية التي يشهدها المغرب في السنتين الأخيرتين، يطرح هذا النقاش سؤالا مشروعا حول ما إذا كانت البلاد تتجه مستقبلا نحو مرحلة دستورية جديدة، ليس بالضرورة بمنطق القطيعة مع دستور 2011، وإنما في إطار مراجعة بعض مقتضياته بما ينسجم مع التحولات العميقة التي عرفتها بنية الدولة ووظائفها التنفيذية والترابية، فالتطور المتسارع لأدوار وزارة الداخلية، وتكريس مركزية الجهوية المتقدمة، وترسيخ الحكم الذاتي، وتصاعد أهمية الحكامة الترابية والنجاعة التنفيذية، إلى جانب التحولات المرتبطة بالدولة الاجتماعية والأوراش الاستراتيجية الكبرى، كلها معطيات قد تدفع مستقبلا نحو إعادة التفكير في بعض التوازنات الدستورية والمؤسساتية، خاصة في ما يتعلق بالعلاقة بين الفعالية التنفيذية والوساطة السياسية، وبين المركز والجهات، وبين الشرعية الانتخابية وشرعية الكفاءة والنجاعة والإنجاز، كما يمكن التأكيد مرة أخرى أن خصوصية التجربة المغربية تجعل أي تطور دستوري محتمل سيكون امتدادا لمنطق التدرج والتراكم والإصلاح الهادئ الذي ميز الدولة المغربية.