وجهة نظر

الفرنكوفونية في المدرسة المغربية والاستلاب الهوياتي؟

لا يزال النقاش حول لغة التدريس في المنظومة التعليمية المغربية يشكل واحدا من أعقد الإشكاليات التي تؤرق كل الفاعلين التربويين، فرغم مرور عقود على الاستقلال وتعاقب الخطط والإستراتيجيات الإصلاحية — من “المخطط الاستعجالي” إلى “الرؤية الإستراتيجية 2015-2030” وصولا إلى مستجدات “خارطة الطريق” — لا يزال التذبذب اللغوي سيد الموقف، وتتجلى أبرز مظاهر هذا الارتباك في الهيمنة المتزايدة للغة الفرنسية على المقررات التعليمية، خاصة في المسالك العلمية والتقنية (الباكالوريا الدولية نموذجا)، مما يضع المدرسة المغربية أمام مفارقة كبيرة: هل تخدم هذه “الفرنسة” الكفاءة العلمية والتطور الاقتصادي للبلد، أم أنها تكرس استلابا هوياتيا وعائقا بيداغوجيا يعمق الفوارق الطبقية؟

الامتداد التاريخي والتناقض الإستراتيجي

إن فهم الهيمنة الحالية للغة الفرنسية في المقررات المغربية يستدعي تفكيك خلفيتها التاريخية ، بحيث لم تكن الفرنسية يوما مجرد اختيار بيداغوجي مجرد، بل هي امتداد لإرث سياسة تعليمية وضعت لبناتها الأولى إبان عهد الحماية، وبالرغم من إن المغرب تبنى شعار “التعريب” كأحد المرتكزات الأربعة لإصلاح التعليم غداة الاستقلال، إلا أن هذا التعريب ظل ناقصا وشعارا براقا في الحملات الانتخابية والمناسباتية ؛ إذ حُصر في التعليم الابتدائي والثانوي بسلكيه، بينما ظلت المواد الحيوية في التعليم العالي والشعب ذات الاستقطاب المحدود حكرا على لغة موليير.

هذا التناقض أنتج قطيعة معرفية وفجائية يعاني منها التلميذ المغربي؛ حيث يقضي اثنتي عشرة سنة يدرس العلوم باللغة العربية، ليجد نفسه فجأة في الجامعة مطالبا باستيعاب الرياضيات والفيزياء بلغة أجنبية لم يتمكن من آلياتها التواصلية أصلا، مما يمثل ارتباكا إستراتيجيا وهدرا لكثير من القدرات المهارات التي لدى التلميذ المغربي وضياعا لزمن مدرسي كان يمكن أن يستغل في مجالات تعنتني بالقيم كالتربية والإسلامية والفلسفة الراشدة والعلوم الإنسانية …

العائق البيداغوجي والمعرفي: عندما تصبح اللغة حاجزا وجحيما

من الناحية التربوية المحضة، يجمع خبراء البيداغوجيا على أن التحصيل العلمي السليم يحدث عندما يتلقى التلميذ المعارف باللغة التي يفكر بها، أو على الأقل بلغة يمتلك ناصيتها. إن فرض اللغة الفرنسية كوعاء لتدريس المواد العلمية (الرياضيات، الفيزياء، علوم الحياة والأرض) حوّلها من “أداة تواصل وانفتاح” إلى “عائق معرفي”. بل إلى “جحيم حقيقي”.

في الفصول الدراسية اليوم، يصل الزمن المدرسي المستهلك في مادة اللغة الفرنسية إلى ثمانية ساعات في الأسبوع، يهدر فيها التلميذ المغربي جهده الذهني في فك شفرات هذه اللغة ومصطلحاتها عوض التركيز على تمثل المفاهيم العلمية وبناء قيمه وأخلاقه (ونحن نعيش أزمة أخلاقية خانقة) وتطوير حسه النقدي. هذا الوضع يفسر بشكل جلي التراجع المستمر للمغرب في المؤشرات الدولية لتقييم المردودية التعليمية مثل (PISA) و(TIMSS)، حيث يظهر بوضوح أن ضعف الكفايات اللغوية بالفرنسية في ظل ارتفاع وزن هذه المادة من ناحية المعاملات والمكانة التي تحضى بها أثناء التقييم ينعكس سلبا على جودة العملية التعليمية التعلمية.

إعادة إنتاج النخبة وتعميق الفوارق

إذا انتقلنا من الفصل الدراسي إلى البنية المجتمعية، نجد أن التمكين للغة الفرنسية في المناهج يساهم في تكريس “طبقية تعليمية” حادة، فاللغة الفرنسية في الفضاء السوسيولوجي المغربي ليست مجرد لغة، بل هي “رأسمال رمزي” وثقافي، فرضه الاستعمار الفرنسي للبلد بالقوة والإكراه من خلال القروض والمديونية وتمويل القطاع وفرض الوصاية على القطاع التعليمي وكل محاولة لكسر هذه التبعية وتجعل تجعل المسؤولين الفرنسيين يتحولون إلى آلة لممارسة كل أشكال الإبتزاز والتهديد بقطع التمويل.

فالمدرسة المغربية بدلا من أن تلعب دورها التاريخي كآلية للارتقاء الاجتماعي وتحقيق تكافؤ الفرص، أصبحت بفعل عائق اللغة وسيلة لإعادة إنتاج النخبة من الأعيان والمثقفين بالوكالة الذين يشيعون كل أشغال الغش الثقافي ودعاة الانسلاخ الهوياتي من العروبة والأمازيغية والإسلام في المقابل الغلو والتعصب لكل ما هو فرنكفوني..

أما أن أبناء الطبقات الميسورة ومرتادي التعليم الخصوصي، الذين يمتلكون بيئة أسرية تدعم التحدث بالفرنسية فيجدون طريقا معبدا نحو التخصصات الواعدة، في المقابل، يواجه أبناء المدرسة العمومية — خاصة في الأحياء الشعبية والعالم القروي — إقصاءً مضاعفا، فهم لا يفتقرون فقط إلى الدعم اللوجيستي، بل يطالبون بالتفوق في مواد علمية تُدرّس بلغة أجنبية تغيب تماما عن محيطهم السوسيو-ثقافي اليومي، مما يحول الامتحانات الوطنية إلى تمييز باعتماد مرجعيات سوسيواقتصادية طبقية غير عادلة يكون فيها الفضل شاسعا بين الفقير والغني.

موقع الفرنسية عالميا

تسقط أطروحة “الدفاع عن الفرنسية بداعي الانفتاح على العالم” أمام الواقع الاقتصادي والعلمي الراهن في القرن الحادي والعشرين، فالخارطة العلمية الدولية تتحدث لغة واحدة هي اللغة الإنجليزية؛ إذ إن أكثر من 90% من الأبحاث العلمية، والمجلات المحكمة، ومنشورات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي تصدر بالإنجليزية.

إن التقوقع داخل الفضاء الفرنكفوني لم يعد يمثل خيارا براغماتيا أبدا، فحتى في سوق الشغل المغربية الحديثة، أصبحت الشركات الناشئة، ومراكز ترحيل الخدمات (Offshoring)، والشركات متعددة الجنسيات تضع إتقان الإنجليزية شرطا أساسيا للتوظيف. وبذلك تصبح المنظومة التعليمية المتشبثة بالفرنسية كأنها تحضر خريجين لزمن ولى، بدلا من تأهيلهم لمتطلبات السوق الدولية والعولمة الراهنة.

اغتراب الوعي الناشئ

لا يمكن عزل المسألة اللغوية عن السيادة الوطنية والأمن الثقافي ينص الدستور المغربي صراحة على أن اللغتين العربية والأمازيغية هما اللغتان الرسميتان للمملكة. وبالتالي فإن التمكين المفرط للغة الأجنبية على حساب اللغتين الرسميتين يعد خرقا للمقومات الهوياتية للبلاد وسخطا كبير في الأوساط التربوية ورفضا شعبيا وسياسيا عند الغالبية العامة …

فهذا التهميش الممنهج يولد لدى الأجيال الناشئة شعورا ضمنيا بدونية لغتهم الأم وعدم قدرتها على مواكبة العصر والعلوم، وهو وعي مغترب وخطير يفصل التلميذ عن تاريخه وثقافته، ويجعل انتمائه ممزقا بين واقع يعيشه وهوية لغوية يراها عاجزة في نظره بسبب اختلالات المناهج.

في ضرورة تصحيح المسار اللغوي

بناء على ما تقدم، يتضح أن نقد انتشار الفرنسية في المقررات المغربية ليس دعوة للانغلاق أو معاداة للغات الأجنبية، بل هو صرخة وعي من أجل حكامة لغوية عادلة وناجعة، وتقتضي الضرورة الوطنية اليوم تبني استراتيجية شجاعة تتأسس على نقطتين رئيسيتين:

التعريب الذكي للعلوم: بتدريس المضامين العلمية باللغة الرسمية (العربية) مع الانفتاح المبكر على المصطلحات التقنية باللغة الإنجليزية، أسوة بالتجارب الآسيوية الناجحة (كاليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة) التي طورت علومها بلغتها الأم.

الانتقال المتدرج نحو الإنجليزية: إعادة النظر في ترتيب اللغات الأجنبية بالمقررات، بجعل الإنجليزية لغة الانفتاح العلمي الأولى والأساسية، والتعامل مع الفرنسية كلغة أجنبية ثانية للتواصل فقط، وليس كوعاء بيداغوجي لتدريس المعرفة.

فإصلاح التعليم بالمغرب يبدأ بالتحرر من التبعية اللغوية، فالمعرفة تبنى بالوعي، والوعي لا يتشكل إلا بلغة تحترم عقل التلميذ ووجدانه ويأخد بعين الاعتبار الخصوصية العربية _ الأمازيغية والإسلامية للبعد عوض الإرتهان في أحضان الثقافة الفرنكوفونية السالبة لكل ما صار يصطلح عليه ب” تمغربيت “.