وجهة نظر

جينيالوجيا استغلال المجال المشترك.. كيف يكفّ المشترك عن إثارة الدهشة؟

تقديم:

مع حلول كل صيف، يتجدد النقاش حول الشواطئ المحتلة بالمظلات والكراسي، وحول حراس السيارات الذين يفرضون أنفسهم وسطاء بين المواطن والشارع، وحول المقاهي التي تمدد خارج حدود محلاتها، وحول الحواجز التي تظهر فجأة لتحجز موقفاً للسيارات أو جزءاً من الطريق. غير أن هذه الوقائع، على كثرتها، ليست الجانب الأكثر إثارة للدهشة في المشهد؛ إن المفارقة الحقيقية تكمن في كونها غدت مألوفة، لا تثير أي دهشة أو غضاضة.

ولو استولى شخص على منزل غيره أو على قطعة أرض يملكها فرد بعينه، لاعتُبر الأمر اعتداءً واضحاً وجريمة صريحة. أما حين يتعلق الأمر بفضاء عمومي، فإن ردود الفعل تصبح أكثر التباساً؛ إذ يتحول المجال المشترك إلى منطقة رمادية تتداخل فيها الحقوق بالأعراف، والقانون بالأمر الواقع، والاستغلال بالاستحواذ.

لهذا، فإن السؤال الذي يستحق الحفر لا يقف عند استطلاع أسباب احتلال الملك العمومي، وإنما يتجه صوب المساءلة الأعمق: كيف أصبح احتلاله ممكناً إلى هذا الحد؟ وكيف تحول، في حالات كثيرة، من سلوك استثنائي إلى جزء من البنية المشهدية اليومية؟ وهو السؤال الذي تحاول هذه المقالة طرحه، مبتعدة عن رصد التجاوزات وإدانتها، لتنصرف إلى تفكيك الآليات الصامتة التي جعلت الخرق يبدو كأنه البداهة بعينها.

إن الأمر يتجاوز حدود رصيف هنا أو شاطئ هناك، ليعبر عن منطق أوسع يجعل أي مجال مشترك مشروع ملكية مؤجلة؛ فالرصيف يمتد إليه التاجر والمقهى، والشارع يجد فيه حارس السيارات موردًا للعيش، والشاطئ يتحول إلى أرخبيل من مناطق النفوذ الصغيرة. وحتى الممرات والفضاءات المفتوحة لا تسلم من نزعة تحويلها إلى امتداد خاص لمصالح فردية أو فئوية.

ويُفترض، في منطوق النصوص والتشريعات، أن الملك العمومي ملك للجميع. لكن في مفارقة ساطعة، قد ينتهي ما يملكه الجميع إلى أن يتصرف فيه البعض كما لو أنه لا يملكه أحد. وهنا تكمن النواة الصلبة التي تستحق التأمل: فالمشكل لا يبدأ عندما يتم الاستيلاء على المشترك، وإنما عندما يتوقف الاستيلاء عن إثارة الدهشة.

– اقتصاد السبق والتطبيع بالتكرار

لا يبدو الاستيلاء على المشترك فعلاً معزولاً بقدر ما يبدو نتيجة منطق غير مكتوب يحكم علاقتنا بالمجال. فمن الصعب فهم امتداد هذه الممارسات دون الانتباه إلى الكيفية التي يتحول بها الاستغلال إلى شكل من أشكال الحق، أو على الأقل إلى ما يشبهه في المخيال اليومي؛ فما يُستعمل باستمرار يُكتسب تدريجياً، وما يُكتسب يُطوَّع ويُطبَّع، وما يُطبَّع يُصبح مألوفاً وجزءاً من العادي. وهكذا لا يتم إنتاج شرعية الاستيلاء من خلال نص القانون، وإنما عبر التكرار والاعتياد والتعايش الطويل مع الفعل نفسه.

ضمن هذا السياق، يمكن الحديث عن اقتصاد خفي للسبق؛ أي أن من يصل أولاً إلى المجال المشترك يكتسب أفضلية غير معلنة، لا لكونه يملك حقاً قانونياً، وإنما لنجاحه في تثبيت حضوره المادي أولاً. ومع الزمن، يتحول هذا الحضور المادي إلى ما يشبه الحق الضمني، خاصة حين لا يُواجه بردع مستمر أو مساءلة دائمة.

تبعاً لذلك، ينزاح الاستفهام ليتجاوز سؤال الملكية الصارم: من يملك هذا الفضاء؟ نحو سؤال الحضور: من ينجح في فرض وجوده المادي فيه؟ وهنا يتحول المجال العمومي من فضاء مُنظم قانونياً إلى فضاء تُعاد فيه صياغة الحقوق لحظة بلحظة، بحسب القوة الاجتماعية، أو القدرة على التكرار، أو حتى الصبر على الاستمرار. وهو استمرارٌ يجد ركيزته في درجة التسامح الاجتماعي مع هذا التحويل؛ إذ لا يكتفي المجتمع بمراقبة الفعل، وإنما يشارك في إنتاج معاييره الضمنية، فيُغضّ الطرف عما يبدو ضروريًا في سياق العيش اليومي، ويُدمج ما يبدو مألوفاً في المشهد دون مقاومة تُذكر، ليتشكل بذلك نوع من التواطؤ الصامت الذي يسمح باستدامة هذا الواقع.

والأخطر في هذا المنطق ليس وجود الاستيلاء في حد ذاته، وإنما قابليته للتعميم؛ فما يبدأ كاستثناء محدود سرعان ما يتحول إلى نموذج قابل للتكرار، لينتهي به المطاف كقاعدة غير مكتوبة لتنظيم العلاقة بالمجال. وهنا بالضبط يفقد المشترك طابعه بوصفه مشتركاً، ويتحول إلى سلسلة من المواقع المؤقتة التي تتنازعها أشكال مختلفة من التملك غير الرسمي. وتأسيساً على هذا، لا يتعلق الأمر بخرق قانوني معزول، وإنما بتحول في البنية الذهنية والجمالية التي تُعرّف ما هو عام وما هو خاص، حتى تصبح العين آلفة لتشظي الفضاء، وتعتبر الرصيف العاري أو الشاطئ المفتوح فضاءً ناقصاً ما لم تمتد إليه يد الاستغلال.

– المفاوضة المستمرة وانزياح التسمية

إذا كان هذا التحول في علاقة المجال بالمجتمع هو ما يجعل الاستيلاء ممكناً، فإن ما يستحق التأمل أكثر هو الطريقة التي يُعاد بها إنتاج فكرة المشترك نفسها. فالمشترك، نظرياً، يفترض أن يكون فضاءً لا يُستملك إلا جماعياً، وأن يظل خارج منطق التملك الفردي أو الجزئي. غير أن ما يحدث في الممارسة اليومية يسير في اتجاه آخر؛ فالمشترك لا يُلغى، وإنما يُعاد تعريفه تدريجياً بحيث يصبح قابلاً للتجزئة غير المعلنة.

من زاوية أخرى، لا يبدو الملك العمومي كياناً ثابتاً، بل يتجلى كأقرب ما يكون إلى مورد مفتوح للتفاوض المستمر؛ تفاوض لا يتم داخل المؤسسات والقنوات الرسمية فحسب، وإنما يجري أيضاً في الشارع، وعلى الرصيف، وفي الشاطئ، وعند مداخل الأحياء، وفي كل نقطة تماس بين حركة الأفراد والمجال. وهكذا تتشكل خريطة غير رسمية للفضاء، خريطة تُرسم بالممارسات اليومية المتكررة، ولا تُرسم بالقانون؛ فكل موقع يُستعمل باستمرار يكتسب نوعاً من الاستحقاق العملي، وكل استحقاق عملي قابل للتحول، مع الوقت، إلى ما يشبه الحق، ولو لم يُعترف به رسمياً.

لكن هذه الدينامية لا تشتغل في فراغ؛ فهي تستند إلى بنية أوسع من التوقعات الاجتماعية: من يُبادر إلى تثبيت حضوره في المجال لا يُنظر إليه كمتجاوز فحسب، بل يُستقبل أحياناً بوصفه شخصاً وجد حلاً أو نظم وضعا أو استثمر فراغا. وهنا يتغير معنى الفعل نفسه: من فعل استيلاء إلى فعل تدبير، ومن تجاوز إلى تنظيم غير رسمي، ومن خرق إلى بديل عملي. هذا الانزياح في التسمية لا يمثل تفصيلاً لغوياً عابراً، بل يشكل جزءاً من آلية إنتاج القبول الاجتماعي؛ فحين يتغير الاسم يتغير الحكم، وحين يتغير الحكم تتغير درجة الاستغراب، وحين يضعف الاستغراب يترسخ الفعل.

وضمن هذا الأفق التحليلي، يتضح أن الاستيلاء على المشترك لا يستمد مقوماته من القوة أو الحاجة أو الاقتصاد غير المهيكل فحسب، وإنما يتغذى أيضاً من تلك القدرة الجماعية على إعادة تأويل ما يحدث. فنحن نعيش في فضاء خاضع للاستغلال بقدر ما هو خاضع لإعادة التفسير المستمرة التي تُطوّع الاستثناء ليغدو واقعاً مقبولاً. ومن هنا تنبثق المفارقة الأساسية. فالمجال العمومي لا يفقد عموميته في لحظة صدمة واحدة؛ بل ينسلخ عنها تدريجياً، عبر سلسلة من التحولات الصغيرة التي قد لا تبدو حاسمة في ذاتها، غير أن تراكمها هو ما يُعيد تشكيل معنى المشترك من أساسه.

وعند هذه النقطة، يُشرّع السؤال الجينيالوجي على مداه الأكثر حدة: إذا كان المشترك يُعاد تشكيله بهذا التواتر المستمر، فهل يظل ممكناً الحديث عن «ملك عمومي» بمعناه القانوني الصارم؟ أم أننا، في واقع الأمر، نتحرك داخل نظام هجين تتعايش فيه فكرة القانون مع منطق الأمر الواقع، في نزاع مفتوح لا يقبل الحسم النهائي؟

– بنية التواطؤ: الدولة المتقطعة وسوسيولوجيا الوسيط

يكشف هذا التوتر غير المحسوم أن الظاهرة تتجاوز حدود الخلل التدبيري العابر، لتشكل علامةً بنيوية أعمق تحكم العلاقة بين المجتمع والمجال، وتختبر المسافة الفاصلة بين الحق والاستغلال. فما يُفترض أنه مشترك في الأفق النظري، ينقلب في الممارسة اليومية إلى حيز قابل للتملك المؤقت أو الدائم. ومن هنا، فإن القانون، حين يفتقد الحضور الفعلي والمستمر في المجال، لا يندثر تماماً؛ وإنما يتراجع إلى الخلفية، تاركاً الفضاء للممارسة بوصفها مصدراً بديلاً للمعنى والتنظيم. وهنا لا تعود المسألة متعلقة بلحظة الخلل الأولى، إذ تتجاوز منطق البحث عن لحظة أصلية ومفاجئة وقع فيها الخلل، لتنصرف نحو تتبع الكيفية التي تراكبت بها أنماط الاستغلال، والتسامح، والتأويل. إنها رصدٌ دقيق لتلك الصيرورة التي أنتجت واقعاً يبدو بديهياً وطبيعياً، رغم استناده في عمقه إلى تفاوض دائم حول حدود الملكية وحدود العمومية.

إن هذا التحول البنيوي محكوم بمحدّدين غالباً ما يظلان في الخلفية: نمط حضور الدولة، ودور الوسيط في تنظيم هذا الحضور أو تعويضه. فالمرجع السيادي هنا يتأرجح بين الغياب الكلي والحضور المستمر، ليتخذ شكل قوة متقطعة؛ تتجلى في لحظات التدخل عبر الحملات التطهيرية الموسمية، وتتوارى في فترات الامتداد اليومي للممارسات. هذا الإيقاع المتذبذب لا يخلق فراغاً مجرداً، وإنما يُفرز شكلاً خاصاً من الذكاء الاجتماعي، يتمثل في قدرة الفاعلين على التكيف مع لحظات التواري واستثمارها كمساحات زمنية لإعادة تشكيل المجال. وهكذا، لا يتأسس النظام الفعلي للمجال العمومي على صرامة النص القانوني وحده، بقدر ما يقوم على معرفة دقيقة بإيقاع تطبيقه وأوقات تعليقه.

وينبثق من رحم هذا الإيقاع المتذبذب وتلك الأوقات المعلقة للمرجعية القانونية، دور الوسيط بوصفه فاعلاً حاسماً. فالاستيلاء على المشترك يتجاوز صيغته المباشرة أو الفردية الصرفة، ليمر عبر شخصيات أو ترتيبات غير رسمية (كحراس الفضاءات العشوائيين، ومنسقي الأسواق غير المهيكلة، أو أصحاب النفوذ المحليين) تُعيد صياغة العلاقة بالمجال، مسبغةً عليه مظهراً منظماً أو خدماتياً. والوسيط هنا يمثّل قناعاً مزدوجاً؛ فهو بالنسبة للفاعلين في الفضاء حامٍ وضامن للاستمرار، وبالنسبة للإدارة واجهةٌ لتهدئة النزاع وتدبير الأمر الواقع. إن وظيفته لا تقتصر على فرض منطق الاستغلال، وإنما تمتد لتطويق الظاهرة بلغة مقبولة اجتماعياً، كالحماية والتنظيم والخدمة والتهيئة، أو حتى التسيير اليومي. وبهذا المعنى، يتجرد الوسيط من صفة المنتفع العابر، ليغدو جزءاً عضواً في آلية إنتاج هذه الشرعية الاجتماعية وترسيخها.

– حين تفقد العمومية بداهتها

ينفتح هذا المسار الجينيالوجي، في نهاية المطاف، على سؤال أكثر اتساعاً وعمقاً؛ إذ لم تعد المسألة تتعلق بكيفية استغلال الملك العمومي، أو سبل تنظيمه وضبطه، وإنما بما يلحق بفكرة «العمومية» نفسها حين تذوب في التجريد، وتدخل في علاقة يومية مع الاستعمال المتكرر، والوساطة غير الرسمية، والحضور المتقطع للسلطة. وفي هذه المنطقة الرمادية، لا يختفي القانون تماماً، غير أنه يفقد احتكاره لتعريف الواقع وصياغته، مثلما لا تعمل الممارسة خارج إطار رمزي أو اجتماعي يسبغ عليها المعنى. إن ما يتولّدُ هنا يتجاوز الانهيار البسيط للقاعدة، ليتخذ شكل إعادة تركيب مستمرة لها في تفاصيل الحياة اليومية؛ تركيبٌ لا يتشكل عبر لحظة قرار حاسمة، وإنما يتغذى على تراكم بطيء يجعل الحدود الفاصلة بين العام والخاص أقل وضوحاً، وأكثر استجابة لتفاوض دائم وغير معلن.

وقد يكون أهم ما تكشفه هذه الجينيالوجيا يتجاوز رصد حجم الاستغلال الواقع على المشترك، لينصرف نحو تفكيك طبيعة العلاقة المتشكلة معه؛ وهي علاقة لا تتأسس على الرفض الصريح لفكرة العمومية، ولا على تبنيها بالكامل، وإنما تقوم على إعادة تعريفها إجرائياً بشكل عملي يجعلها قابلة للاستخدام، دون الشروع بالضرورة في تملك نظري واضح. وكلما تجذر حضور الممارسات اليومية في تنظيم المجال، لا يندثر مفهوم الملك العمومي، وإنما يفقد بداهته؛ ليتحول إلى مفهوم يُفترض أكثر مما يُرى، ويُستحضر أكثر مما يُعاش، ويُستند إليه أكثر مما يُحدد بدقة حدود الفعل.

ولعل ما يستحق التأمل، ختاماً، يتجاوز رصد كيفية استعمال المشترك، لينفذ إلى تفكيك كيفية التفكير فيه؛ فقبل أن يكون الملك العمومي فضاءً مادياً، هو في الأصل تصورٌ ناظم للعلاقة بين الفرد والجماعة، وتنازعِ الحق والاستعمال، والمسافةِ الفاصلة بين ما يُترك للجميع وما يُسمح بتملكه جزئياً أو مؤقتاً. وحين يصبح هذا التصور نفسه سائلاً وغير مستقر، فإن كل التدخلات اللاحقة – قانونية كانت أو إدارية أو أخلاقية – تظل تدور في حلقة مفرغة حول سؤال بنيوي لم يُحسم بعد: ما الذي نعنيه، في واقع الأمر، حين نقول إن هذا الفضاء «مشترك»؟