تمهيد
يشكل التوثيق العصري أحد أهم المهن القانونية المساعدة للقضاء، التي ظلت بعيدة عن التطوير والتحديث القانوني، ورغم دوره المحوري في تحقيق الأمن التعاقدي واستقرار المعاملات وحماية الحقوق والأموال. وقد جاء القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق في سياق إصلاح منظومة العدالة وتحديث المهن القانونية والقضائية، حيث وضع شروط الولوج إلى المهنة وحدد الاستثناءات الواردة عليها، وذلك من خلال المادة 8 التي أعفت بعض الفئات المهنية من اجتياز مباراة الولوج إلى المهنة، بالنظر إلى ما راكمته من خبرة قانونية وإدارية وقضائية.
وقد أثارت هذه المادة منذ صدور القانون نقاشا مهنيا وحقوقيا متجددا حول مدى انسجام الفئات المستفيدة من الإعفاء مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، خاصة مع بروز مطالب بإضافة فئات أخرى لها ارتباط مباشر بالعمل القضائي والقانوني، ومن بينها موظفو كتابة الضبط الحاصلون على الإجازة في القانون والذين قضوا مدة خدمة فعلية لا تقل عن عشر سنوات داخل المحاكم.
وتكمن أهمية هذا النقاش في ظل الحديث عن مراجعة قانون التوثيق ومواكبة التحولات التي عرفتها منظومة العدالة، وما صاحب ذلك من جدل حول مشروع القانون رقم 66.23، الذي أعاد إلى الواجهة إشكالية تمثيلية بعض الفئات المهنية ومدى نجاح الهيئات النقابية في الدفاع عن مطالبها التشريعية.
ومن ثم نطرح السؤال الإشكالي التالي:
إلى أي حد يمكن تبرير تعديل المادة 8 من قانون التوثيق العصري بإدراج موظفي كتابة الضبط ضمن الفئات المعفاة من مباراة الولوج إلى المهنة؟ وهل يعكس هذا المطلب توجها نحو تحقيق العدالة المهنية وتثمين الخبرة القضائية، أم أنه يكشف عن محدودية التأثير النقابي في تدبير الإصلاحات التشريعية المرتبطة بمنظومة العدالة؟
المبحث الأول: الأساس القانوني والموضوعي لمطلب تعديل المادة 8 لفائدة موظفي كتابة الضبط
يشكل تعديل المادة 8 من قانون 32.09 المتعلق بالتوثيق العصري، إحدى أهم مطالب الشغيلة العدلية، إسوة بباقي الفئات المهنية المستفيدة من جق الولوج عملا بمبدأ المساواة.
المطلب الأول: فلسفة المادة 8 من قانون 32.09 ومبررات الإعفاء من المباراة
لقد نص المشرع في المادة 8 من القانون رقم 32.09 على إعفاء فئات محددة من مباراة الولوج إلى مهنة التوثيق، من بينها المحافظون على الأملاك العقارية، ومفتشو الضرائب المكلفون بالتسجيل، وبعض القضاة والمحامين وأساتذة التعليم العالي، شريطة توفرهم على شروط معينة مرتبطة بالشهادة والخبرة المهنية والسن.
ويستفاد من هذا التوجه الذي سنه المشرع أنه لم يجعل المباراة غاية في ذاتها، وإنما وسيلة للتحقق من الكفاءة القانونية للمترشحين. ولذلك تم الاستغناء عنها بالنسبة للفئات التي راكمت تجربة مهنية طويلة في مجالات ترتبط ارتباطا وثيقا بالمعاملات القانونية والعقارية والمالية والقضائية.
إذن تقوم هذه الفلسفة التشريعية على معيارين أساسيين:
أولا : التكوين القانوني الأكاديمي المتمثل في الحصول على الإجازة في الحقوق أو ما يعادلها.
ثانيا: الخبرة المهنية النوعية المكتسبة من خلال ممارسة وظائف ذات صلة مباشرة بالمجال القانوني والقضائي.
المطلب الثاني: مدى أحقية موظفي كتابة الضبط بالاستفادة من مقتضيات الإعفاء
يعد موظفو كتابة الضبط من أهم الفاعلين الأساسيين داخل منظومة العدالة، إذ يساهمون في تدبير الإجراءات القضائية وتتبع الملفات وصياغة المحاضر والأحكام وتوثيق مختلف الأعمال المرتبطة بسير المرفق القضائي.
كما أن عددا مهما منهم يتوفرون على تكوين قانوني جامعي من الطراز العالي ، ويزاولون مهامهم لسنوات طويلة داخل المحاكم بمختلف درجاتها وتخصصاتها، الأمر الذي يمكنهم من اكتساب خبرة عملية واسعة في المجالات المدنية والعقارية والتجارية والأسرية.
وانطلاقا من ذلك، يمكن الاستناد إلى مجموعة من الحجج لتبرير إدراجهم ضمن الفئات المستفيدة من المادة 8، من أهمها:
تحقيق مبدأ المساواة بين مختلف مكونات أسرة العدالة.
تثمين الخبرة المهنية المتراكمة داخل المحاكم .
توفير مسارات للترقي المهني وإعادة التموقع الوظيفي.
الاستفادة من الكفاءات القانونية التي راكمت تجربة عملية طويلة في مجال تطبيق القانون.
المبحث الثاني: بين رهانات الإصلاح التشريعي ومحدودية الفعل النقابي في الدفاع عن مطلب تعديل المادة8 من قانون 32.09
لاشك أن النقابات العدلية تعيش واقعا مرا، بفعل تراجع زخمها وضعف التواصل مع قواعدها بل عجز النقابات العدلية في كثير من الأحيان عن مسايرة وعي جماهير واسعة من منخرطيها وطغيان مبدأ المصلحية عند بعض الفئات.
المطلب الأول: التحديات القانونية المرتبطة بتوسيع دائرة المعفيين في المادة 8 من قانون 32.09
أن خصوصية مهنة التوثيق لا تقتصر على المعرفة القانونية العامة، وإنما تشمل تكوينا تقنيا ومهنيا دقيقا في مجال تحرير العقود والتدبير المالي والمسؤولية المهنية، وهو ما يقتضي التأكد من توفر الكفاءة المتخصصة لدى كل فئة ترغب في الاستفادة من الإعفاء.
فأي تعديل تشريعي ينبغي أن يستند إلى دراسة موضوعية لحاجيات المهنة ومتطلبات الأمن التعاقدي، بعيدا عن منطق التوازنات الفئوية الضيقة، لهذا نجد أن كتاب الضبط هم الأقدر على ولوج المهنة بسبب غنى مشاربهم المعرفية وتعدد مهامهم ومخالطتهم لكل المهن المساعدة للقضاء، لهذا فإدراج نسبة معقولة من حجم المناصب في كل مباراة يبدو أمرا معقولا ووجيها.
المطلب الثاني: قراءة في دور النقابات العدلية على ضوء النقاش التشريعي الراهن
أعاد النقاش المرتبط بمشروع القانون رقم 66.23 طرح سؤال فعالية التنظيمات النقابية والتمثيلية المهنية في التأثير على السياسات التشريعية المرتبطة بمنظومة العدالة، وتحقيق مبدأ المساواة إسوة بباقي الفئات المهنية.
فإذا كانت النقابات العدلية قد رفعت خلال السنوات الأخيرة عددا من المطالب المتعلقة بالوضعية المهنية لموظفي كتابة الضبط، فإن تحقيق هذه المطالب يظل رهينا بقدرتها على الانتقال من منطق الاحتجاج القطاعي إلى منطق الترافع المؤسساتي المبني على الدراسات القانونية والمقترحات التشريعية الدقيقة، وإفساح المجال لكفاءتها المحلية بدل تهميشها.
وفي هذا الإطار، فإن نجاح مطلب إدراج موظفي كتابة الضبط ضمن المادة 8 لا يرتبط فقط بقوة الخطاب النقابي، وإنما بمدى القدرة على إثبات وجود تشابه وظيفي وقانوني بين هذه الفئة وبعض الفئات المستفيدة حاليا ، وأيضا مساهمة هذا التعديل المرتقب في تطوير المهنة وتحقيق الأمن التعاقدي. كما أن هذا المقترح التعديلي ينسجم مع المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة والاستحقاق والكفاءة.
وعليه، فإن الحديث عن “استفادة النقابات العدلية من إخفاقها” في بعض المحطات التشريعية يظل أمرا نسبيا؛ لأن الفشل المرحلي في تمرير بعض المطالب قد يتحول إلى فرصة لإعادة صياغة الملفات المطلبية وفق رؤية أكثر قوة وبرغماتية وإقناعا للمشرع المغربي.
خاتمة
إن مطلب تعديل المادة 8 من قانون32.09 المتعلق بالتوثيق العصري لإدراج موظفي كتابة الضبط الحاصلين على الإجازة في القانون والذين راكموا خدمة فعلية لا تقل عن عشر سنوات، يجد مشروعيته في الاعتبارات المرتبطة بالخبرة المهنية والمساواة بين الفاعلين داخل منظومة العدالة ولا يشكل سابقة تشريعية بل إضافة نوعية للمهنة وتصحيحا لخطأ تشريعي سابق أقصى موظفي كتابة الضبط من ولوج المحاماة ومهنة التوثيق العصري .