لقد عُرف الأشراف الرقيبات، أبناء القطب الرباني سيدي أحمد الرقيبي، عبر مختلف مراحل التاريخ بما تحلوا به من وطنية صادقة ووفاء راسخ للثوابت الدينية والوطنية، وبما ربطهم من علاقات متينة بالعرش العلوي المجيد. وقد شكلوا على الدوام أحد المكونات الأصيلة للمجتمع المغربي، وأسهموا في الدفاع عن وحدة الوطن وصيانة مقوماته الحضارية والدينية، كما كان لهم حضور بارز في ميادين العلم والجهاد والإصلاح الاجتماعي. وظل الأشراف الرقيبات، بما يضمونه من بيوتات شريفة وعائلات علمية مرموقة، وفية لبيعة ملوك الدولة العلوية، محافظة على أدوارها التاريخية في خدمة الدين والوطن.
ومن بين هذه الأسر الشريفة العريقة تبرز أسرة الأشراف آل بصيري بالصحراء المغربية وشمال المملكة، وهي أسرة ضاربة الجذور في التاريخ والعلم والتصوف السني المعتدل، تجمع بين شرف النسب وسمو الرسالة. وقد أسست هذه الأسرة العديد من الزوايا والمدارس العلمية التي تحولت إلى منارات للإشعاع الديني والثقافي، وتخرج منها عشرات العلماء والفقهاء والقضاة والأئمة، فضلا عن المئات من المريدين والطلبة الذين حملوا رسالة العلم والإصلاح إلى مختلف مناطق المغرب.
وتؤكد المعطيات التاريخية أن أسرة آل بصيري، الممتدة بين الصحراء المغربية وقرية بني عياط بإقليم أزيلال، جسدت عبر الأجيال نموذجا للوحدة الروحية والاجتماعية التي ربطت الصحراء بعمقها المغربي. وقد عرفت الأسرة بوطنيتها الصادقة وولائها الثابت للملوك العلويين، كما كان أفرادها منخرطين في خدمة المجتمع ونشر العلم والمحافظة على الهوية الدينية والوطنية للمملكة.
ومن رحم هذه الأسرة الكريمة برز الشهيد محمد سيد إبراهيم بصيري، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ مقاومة الاستعمار الإسباني بالصحراء. فقد كان رجلا متعلما ومثقفا وصاحب مشروع إصلاحي، آمن بحق أبناء الصحراء في التحرر من الهيمنة الاستعمارية الإسبانية، وساهم من خلال نشاطه الفكري والصحافي والسياسي في رفع الوعي بقضايا المنطقة والدفاع عن كرامة الإنسان الصحراوي وحقوقه المشروعة.
لقد أظهرت مختلف المحطات التي ارتبطت باسم الشهيد بصيري أن جوهر نضاله كان موجها ضد الاستعمار الإسباني وسياساته الإقصائية، وهو ما تجسد بشكل واضح في انتفاضة الزملة التاريخية يوم 17 يونيو 1970، التي شكلت واحدة من أبرز محطات مقاومة الوجود الاستعماري الإسباني بالصحراء. وقد اختار الشريف بصيري أن يكون إلى جانب الجماهير التي آمنت بمشروعه، رافضا التخلي عنها أو البحث عن النجاة الفردية، ليصبح رمزا من رموز الصمود والتضحية في مواجهة الاحتلال.
كما أن العديد من الوقائع التاريخية تؤكد أن الشهيد بصيري اختفى سنة 1970، أي قبل ظهور جبهة البوليساريو بعدة سنوات، وهو ما يجعل كل محاولات إلحاقه بمشاريع سياسية لاحقة موضع نقاش تاريخي واختلاف في التأويل. فالرجل عاش وناضل في سياق تاريخي مختلف، وكان همه الأساسي مواجهة الاستعمار الإسباني والدفاع عن كرامة أبناء الصحراء، وهو ما يقتضي قراءة سيرته في إطارها الزمني الحقيقي بعيدا عن الإسقاطات اللاحقة.
ومن المؤسف أن قيادة جبهة البوليساريو حاولوا، على مر السنين، توظيف رمزية الشهيد محمد سيد إبراهيم بصيري وتقديم قراءات انتقائية لمساره النضالي بما يخدم أجندات سياسية معينة، في حين أن الإنصاف التاريخي يقتضي احترام الوقائع الثابتة والتمييز بين ما هو موثق وما هو مجرد تأويل أو توظيف سياسي. فالرجل ينتمي أولا إلى أسرته وحاضنته الاجتماعية وتاريخ المنطقة التي نشأ فيها، كما ينتمي إلى ذاكرة كل من يقدر تضحيات المقاومين الذين واجهوا الاستعمار ودافعوا عن كرامة الإنسان وحقه في الحرية.
وفي الختام، فإن الوفاء الحقيقي لذكرى الشهيد محمد سيد إبراهيم بصيري يقتضي تكثيف جهود البحث والتوثيق من أجل الكشف عن حقيقة مصيره وتحديد المكان الذي ووري فيه الثرى، بما يحفظ كرامته وكرامة أسرته ومكانته في الذاكرة الوطنية. كما يقتضي الأمر تعزيز التعاون بين الجهات المغربية المختصة وأسرة الشهيد ومؤسساتها العلمية والدينية من أجل جمع الوثائق والشهادات المرتبطة بهذه الشخصية التاريخية. وإن الحفاظ على رمزية الشهيد يستوجب صون اسمه وتاريخه من كل أشكال الاستغلال أو التوظيف السياسي، والتعامل مع إرثه باعتباره جزءا من الذاكرة التاريخية المشتركة، ورمزا من رموز مقاومة الاستعمار الإسباني. رحم الله الشهيد محمد سيد إبراهيم بصيري، ورحم مؤسسي زاوية أهل بصير وعلماءها، وحفظ الله الأسرة الكريمة والقائمين على مؤسساتها العلمية والدينية، وجعل أعمالهم في خدمة الدين والوطن والعرش العلوي المجيد.