من الجميل أن يمتلك المغرب شركة وطنية تشتغل في مجال التكنولوجيا الرقمية، والأجمل أن ترتبط هذه المبادرات بمؤسسات جامعية مغربية قادرة على تحويل البحث العلمي إلى مشاريع عملية. غير أن النقاش حول جهاز مكافحة الغش الذي تم الترويج له مؤخرا لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الإعجاب بالتكنولوجيا أو الانبهار بالابتكار المحلي، بل يستدعي طرح أسئلة أعمق تتعلق بفلسفة المشروع وموقعه داخل الأزمة البنيوية التي تعيشها المدرسة المغربية.
فأول ما يثير الانتباه هو أن التكنولوجيا المعاصرة تسير في اتجاه تقليص حضور المادة وتوسيع حضور المعلومة. لقد انتقل العالم من الآلة الضخمة إلى الرقاقة الدقيقة، ومن الوثيقة الورقية إلى السحابة الرقمية، ومن الكاميرا الثقيلة إلى العدسات المجهرية، ومن مراكز التخزين العملاقة إلى فضاءات افتراضية لا ترى. لذلك يبدو من المشروع التساؤل عما إذا كان الشكل المادي للجهاز يعكس بالفعل روح التكنولوجيا الحديثة أم أنه يستعيد منطق الأدوات الضخمة في زمن اللامادية الرقمية.
لكن هذه الملاحظة تبقى ثانوية مقارنة بالسؤال الجوهري: ماذا يعني أن تصبح المدرسة في حاجة إلى أجهزة متطورة من أجل حماية الامتحان؟
في العمق، لا يتعلق الأمر بالغش فقط، بل بتحول الامتحان نفسه إلى فضاء للأزمة. فالمدرسة الحديثة قامت تاريخيا على افتراض بسيط: أن الشهادة تعكس المعرفة، وأن النجاح يعبر عن الكفاءة، وأن الامتحان أداة عادلة للفرز الاجتماعي. غير أن انتشار الغش على نطاق واسع يكشف تصدعا في هذا الافتراض. فعندما يصبح الغش ظاهرة جماعية وليس مجرد انحراف فردي، فإن المشكلة تنتقل من مستوى الأخلاق إلى مستوى البنية الاجتماعية.
لقد بين عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو أن المؤسسات الحديثة تبني سلطتها من خلال المراقبة والانضباط. غير أن تكثيف أدوات المراقبة لا يكون دائما دليلا على قوة المؤسسة، بل قد يكون مؤشرا على تراجع قدرتها الرمزية. فالمؤسسة القوية هي التي تجعل الأفراد يحترمون القواعد لأنهم يؤمنون بها، أما المؤسسة التي تضطر إلى مضاعفة أدوات المراقبة باستمرار فهي تعترف، بطريقة غير مباشرة، بأن القاعدة فقدت جزءا من مشروعيتها الاجتماعية.
ومن هنا يمكن النظر إلى جهاز مكافحة الغش بوصفه مؤشرا على أزمة ثقة أكثر منه مجرد حل تقني. فالمتعلم الذي يلجأ إلى الغش لا يعلن فقط رغبته في الحصول على نقطة إضافية، بل يكشف أيضا عن اهتزاز العلاقة بين الجهد والمكافأة، وبين الاستحقاق والنجاح، وبين المدرسة والمستقبل.
لقد كان النجاح المدرسي في فترات سابقة يشكل وعدا اجتماعيا واضحا: اجتهد تنجح، تنجح تحصل على شهادة، تحصل على شهادة تضمن موقعا اجتماعيا أفضل. أما اليوم فقد تآكلت أجزاء من هذا الوعد. فأعداد من الشباب الحاصلين على الشهادات يجدون أنفسهم في أوضاع هشاشة أو بطالة أو انتظار طويل. وفي مثل هذا السياق يصبح الغش، بالنسبة لبعض التلاميذ، محاولة مختصرة للوصول إلى نتيجة فقدت أصلا جزءا من قيمتها الواقعية.
ومن زاوية أخرى، فإن مكافحة الغش تطرح مفارقة سوسيولوجية نادرا ما يتم الانتباه إليها. فكلما ارتفعت نسب النجاح اعتبر ذلك مؤشرا إيجابيا على أداء المنظومة التعليمية، لكن ماذا لو كانت تلك النسب تخفي أشكالا مختلفة من الغش أو التساهل أو التضخم في التنقيط؟ وهل تستطيع المنظومة أن تتحمل فعلا نتائج حرب حقيقية ضد الغش إذا ترتب عنها انخفاض ملموس في معدلات النجاح؟
هنا ننتقل من سؤال الغش إلى سؤال أكثر حساسية: هل المدرسة المغربية مهيأة لاستقبال الأثر الحقيقي لمحاربة الغش؟
إذا افترضنا أن الإجراءات الجديدة نجحت في الحد من الظاهرة بشكل جذري، فإن ذلك قد يعني ارتفاع نسب الرسوب. وارتفاع الرسوب يعني مزيدا من الضغط على البنيات التحتية، ومزيدا من الأقسام المكتظة، ومزيدا من الحاجة إلى الموارد البشرية والمالية. لذلك يصبح الغش، من حيث لا نشعر، جزءا من معادلة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات التربوية والإدارية والسياسية.
إن الأمر يشبه ما يسميه علماء الاجتماع بـ”التوازنات الصامتة”؛ تلك الترتيبات غير المعلنة التي تسمح للأنظمة الاجتماعية بالاستمرار رغم اختلالاتها. لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: كيف نحارب الغش؟ بل: ما الذي سيحدث للمنظومة إذا اختفى الغش فعلا؟
ومن منظور آخر، تكشف هذه المبادرات التكنولوجية عن تحول مهم في تصور الدولة للإصلاح التعليمي. فبدل التركيز على إصلاح شروط التعلم وإعادة بناء الدافعية نحو المعرفة، يجري أحيانا توجيه الاهتمام نحو ضبط السلوك ومراقبة الانحرافات. وهنا تبرز مفارقة لافتة: فكلما تعقدت المشكلات الاجتماعية ازداد الميل إلى البحث عن حلول تقنية لها.
غير أن التكنولوجيا لا تستطيع معالجة أزمة المعنى. فهي قادرة على اكتشاف الهاتف المخفي، لكنها عاجزة عن اكتشاف أسباب الرغبة في استعماله. وهي قادرة على رصد سماعة دقيقة داخل الأذن، لكنها غير قادرة على تفسير لماذا أصبح النجاح بالنسبة لبعض التلاميذ أهم من التعلم نفسه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول النقاش من سؤال: “كيف نجعل المدرسة منتجة للمعرفة؟” إلى سؤال: “كيف نجعل الغش أكثر صعوبة؟”. ففي الحالة الأولى نكون بصدد إصلاح تربوي، أما في الحالة الثانية فنحن أمام تدبير تقني لأعراض أزمة أعمق.
كما أن أي مشروع من هذا النوع يظل في حاجة إلى وضوح أكبر فيما يتعلق بتكلفته وطرق تقييمه ومؤشرات نجاحه. فالسياسات العمومية الحديثة لا تقاس فقط بحجم الابتكار الذي تحمله، بل أيضا بدرجة الشفافية التي ترافقها. لأن الغموض في المشاريع العمومية يفتح المجال للتأويلات والشائعات أكثر مما يفتح المجال للثقة.
في النهاية، يبدو أن الغش ليس مجرد مشكلة امتحان، بل مرآة تعكس أوضاعا اجتماعية وثقافية أوسع. إنه يكشف علاقة المجتمع بالنجاح، وعلاقة الأسر بالشهادة، وعلاقة المدرسة بسوق الشغل، وعلاقة الدولة بإنتاج النخب. ولذلك فإن أي جهاز مهما بلغت درجة تطوره لن يكون سوى أداة محدودة الأثر إذا لم يندرج ضمن مشروع أشمل يعيد بناء الثقة في المدرسة باعتبارها فضاء للمعرفة لا مجرد معبر نحو الشهادة.
فالمدرسة لا تنتصر حين تصبح قادرة على اكتشاف كل حالات الغش، بل حين تجعل الغش خيارا غير ذي معنى. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تصبح قوة القيم أكبر من قوة الأجهزة، وتصبح شرعية المعرفة أقوى من كل تقنيات المراقبة.