وجهة نظر

ما بعد الزعيم الشعبوي والإيديولوجيا التعبوية

تشهد الحياة السياسية المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولاً تدريجياً في طبيعة العلاقة بين المجتمع والخطاب السياسي. تأثير اللغة التعبوية المشحونة بالعاطفة فقد جانباً مهماً من فعاليته، مقابل صعود اهتمام متزايد بالنتائج وبالقدرة على تدبير الشأن العام بعقلية تعتمد الكفاءة والتخطيط والمعرفة. هذا التحول يتجاوز حدود واقعة انتخابية أو صعود حزب معين، لأنه يرتبط بتغير أعمق في تصور معنى الشرعية السياسية ووظيفة العمل الحزبي داخل الدولة الحديثة.

الأجيال الجديدة نشأت داخل فضاء رقمي مفتوح، وتعودت التعامل اليومي مع أدوات قائمة على المعطيات والتحليل والتوقع. الشاب الذي يستعمل التطبيقات الذكية في تفاصيل حياته، ويتابع المؤشرات الاقتصادية، ويقارن بين تجارب الدول في التعليم والصحة والنقل، صار أقل استعداداً للاكتفاء بالشعارات العامة والخطابات الفضفاضة. اهتمامه يتجه أكثر نحو الأثر الملموس في الحياة اليومية: جودة الخدمات، فرص العمل، فعالية الإدارة، واستقرار المجال الاقتصادي والاجتماعي.

هذا التحول لا يعني اختفاء العوامل التقليدية من المجال السياسي. ما تزال الروابط الاجتماعية والمحلية والرمزية تؤثر في جزء من السلوك الانتخابي، وما يزال الخطاب العاطفي قادراً على التعبئة في لحظات معينة. غير أن المزاج العام داخل قطاعات واسعة من المجتمع أصبح أكثر ميلاً إلى تقييم الفاعلين السياسيين بمنطق الحصيلة والقدرة على الإنجاز. المواطن يريد نقلاً فعالاً، ومدرسة محترمة، ومستشفى منضبطاً، وإدارة سريعة، وعدالة عملية. لذلك تراجعت جاذبية الخطابات التي ترفع عناوين كبرى دون أثر واضح على مستوى الواقع.

هذا التحول كشف أيضاً اتساع الفجوة بين المجتمع وبين جزء من البنية الحزبية التقليدية. عدد من التنظيمات السياسية واصل الاشتغال بالأدوات الذهنية نفسها، مع إعادة إنتاج الوجوه ذاتها وآليات التدبير ذاتها، رغم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع والدولة معاً. في المقابل بدأ الرأي العام يمنح اهتماماً أكبر لمعايير جديدة: مستوى التكوين، نوعية الكفاءات المحيطة بالفاعل السياسي، التصور الاقتصادي والإداري، والقدرة على تحويل البرامج إلى نتائج قابلة للقياس.

وخلال السنوات الأخيرة راكم المجتمع المغربي خبرة واسعة مع خطابات رفعت سقف الوعود دون أن تحقق أثراً يوازي حجم اللغط السياسي المصاحب لها. هذا التراكم خلق نوعاً من الإرهاق الجماعي تجاه اللغة السياسية التقليدية، وعزز شعوراً متزايداً بأن السياسة هي القدرة على بناء المؤسسات وتحسين الخدمات وتدبير التوازنات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة ، وليست مجالاً للخطابة فقط.

الدولة المعاصرة تدير ملفات شديدة التعقيد ترتبط بالاقتصاد العالمي، والتحول الرقمي، والأمن الطاقي، والاستثمار، وسوق الشغل، والتكنولوجيا، والتعليم، والحماية الاجتماعية. هذا الواقع يفرض حضور نخب تمتلك أدوات عالية في الفهم والتحليل واتخاذ القرار. غير أن جزءاً مهماً من الحياة الحزبية المغربية ظل محكوماً بمنطق الزعامة المغلقة والولاء التنظيمي وإعادة تدوير النخب نفسها، وهو ما ساهم في إضعاف قدرتها على استقطاب الكفاءات الشابة القادرة على التجديد.

ومع اتساع هذه الفجوة تراجعت الثقة في جزء من الطبقة السياسية. فالمواطن الذي يواكب التحولات العالمية ويلاحظ صعود الاقتصاد المعرفي والثورة التكنولوجية يجد صعوبة في الاقتناع بخطاب سياسي ينتمي إلى أدوات مرحلة سابقة. لذلك تغيرت نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام إلى مفهوم القيادة السياسية نفسه. الصورة الكاريزمية والخطاب الحماسي لم يعودا كافيين لإنتاج الشرعية كما كان يحدث في مراحل سابقة، لأن المجتمع صار أكثر حساسية تجاه مسألة الكفاءة والفعالية والنتائج.

غير أن هذا التحول يطرح في الوقت نفسه مفارقة سياسية مهمة. فتراجع الإيديولوجيا التعبوية لا يؤدي دائماً إلى توسيع المجال الديمقراطي، بل قد يفتح المجال أيضاً أمام صعود منطق تكنوقراطي يجعل القرار العمومي أكثر ارتباطاً بالخبرة التقنية والمؤسسات الإدارية الكبرى. وهنا يبرز أحد الأسئلة المركزية داخل الدولة الحديثة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الشرعية الديمقراطية وضرورات التدبير التقني المعقد؟

عدد من الدول انتبه مبكراً إلى هذا التحول، فاتجه نحو إعادة بناء نخبها السياسية والإدارية على أسس جديدة، وربط صناعة القرار العمومي بالجامعات ومراكز البحث والخبرات التقنية. في المقابل دخلت الأحزاب التي أهملت التكوين واكتفت بالولاء التنظيمي في مسار تراجع تدريجي، لأنها عجزت عن إنتاج لغة سياسية قادرة على مخاطبة مجتمع يبحث عن خطاب عملي يشرح تفاصيل السياسات العمومية ومصادر التمويل وآليات التنفيذ والتقييم.

الأزمة التي تواجهها الأحزاب التقليدية تتعدى مسألة الشعبية الانتخابية. الأزمة تمس قدرتها على فهم التحولات الجارية داخل المجتمع والعالم معاً. المجال العام تحكمه اليوم معايير جديدة ترتبط بالمعرفة والكفاءة والقدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. كما أن الثقافة التنظيمية المغلقة داخل عدد من الأحزاب ساهمت في توسيع المسافة بينها وبين فئات واسعة من الشباب المتعلم، خاصة أصحاب المهارات التقنية والمعرفية العالية الذين لا يجدون أنفسهم داخل تنظيمات يغلب عليها الجمود وضعف التداول الداخلي.

الأنظمة الحزبية لا تبقى ثابتة. ضغط التحولات الاجتماعية والاقتصادية يدفعها دائماً إلى إعادة تشكيل نفسها. ومع تصاعد الوعي بأهمية الكفاءة والنتائج ستجد الأحزاب نفسها أمام حاجة متزايدة إلى مراجعة بنيتها الداخلية وفتح المجال أمام نخب جديدة تمتلك أدوات العصر ومعارفه. فالمجتمع لم يعد يبحث عن خطيب قادر على إثارة الحماس بقدر ما يبحث عن فاعل سياسي يمتلك القدرة على الفهم والتخطيط والتنفيذ.

المستقبل السياسي يتجه تدريجياً نحو من ينجح في الجمع بين الشرعية الديمقراطية والكفاءة المؤسساتية. فالمجتمع يريد حلولاً واقعية لمشكلاته اليومية، وإدارة عمومية فعالة، واقتصاداً يوفر فرصاً حقيقية للاستقرار والترقي الاجتماعي. وهذه المطالب تفرض تحولاً عميقاً في طبيعة النخب السياسية وفي مفهوم العمل الحزبي نفسه.

المجتمعات التي تدخل عصر الاقتصاد المعرفي تغيّر تدريجياً طبيعة الشرعية التي تقوم عليها السلطة. ومع اتساع أثر التكنولوجيا والمعرفة داخل تفاصيل الحياة اليومية لتصبح القدرة على التدبير والفهم والإنجاز جزءاً أساسياً من إنتاج الثقة السياسية. لذلك تبدو الأحزاب التي ما تزال تشتغل بعقلية الزعيم التعبوي أقرب إلى بقايا مرحلة سياسية تفقد شروط استمرارها بصورة متسارعة.