في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية وتتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع رهانات الأمن والاستقرار، لم يعد النقاش السياسي محصوراً في منطق تدبير الشأن العام بمعناه التقليدي، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدول على التموقع داخل نظام دولي يعاد تشكيله باستمرار، حيث تتقدم قوة الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا على غيرها من أدوات التأثير. وفي هذا السياق تتراجع أهمية الخطاب السياسي المجرد لصالح منطق الإنجاز والفعالية، وترتفع قيمة الكفاءة والقدرة على إنتاج قرار عمومي قائم على الاستشراف وربط المسؤولية بالنتائج.
وتبدو الاستحقاقات المقبلة مختلفة عن سابقاتها، بالنظر إلى حجم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وإلى طبيعة الرهانات الوطنية المطروحة خلال المرحلة المقبلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بتجديد المؤسسات أو إعادة تشكيل الخريطة السياسية، بل بمدى قدرة الفاعلين على إنتاج نخب قادرة على مواكبة مرحلة مركبة تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية مع التحولات الجيوسياسية، وتتداخل فيها متطلبات التنمية مع رهانات تعزيز الموقع الدولي للمملكة. لقد دخل العالم فعلاً مرحلة الحروب الاقتصادية والتنافس على الموارد والأسواق والتكنولوجيا، حيث لم تعد قوة الدول تقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على خلق الثروة، وضمان الأمن الغذائي والمائي والطاقي، والاندماج الفعال في سلاسل القيمة العالمية. ومن ثم فإن الفعل السياسي مطالب اليوم بالانتقال من منطق الوعود إلى منطق الحلول، ومن تدبير اللحظة إلى بناء الأثر المستدام.
وفي هذا الأفق، يبرز المغرب كفاعل إقليمي صاعد داخل فضائه الإفريقي والمتوسطي والأطلسي، مستنداً إلى استقرار مؤسساته وإلى رؤية استراتيجية راكمت المملكة من خلالها موقعاً متقدماً على مستوى العلاقات الدولية، مدعومة بدينامية دبلوماسية عززت الحضور المغربي ووسّعت دائرة الدعم لمواقفه الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تواصل ترسيخ موقعها داخل مسار متجه نحو الحسم السياسي والدبلوماسي. كما يستعد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، باعتباره ورشاً وطنياً يتجاوز البعد الرياضي ليشمل البنيات التحتية والاستثمار والسياحة والتشغيل وتعزيز الجاذبية الدولية. وإلى جانب ذلك، فإن أوراش الجهوية المتقدمة، وتحديات التنمية المجالية، ومتطلبات النموذج التنموي الجديد، تفرض مستوى عالياً من النجاعة في التدبير والتنسيق والإنجاز، بما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة بناء استراتيجي أكثر منها مرحلة تدبير عادي.
ومن هنا تبرز أهمية الاستحقاقات المقبلة باعتبارها مرحلة لاختيار نخب قادرة على مواكبة هذا التحول. فالتجارب الدولية تؤكد أن التنمية والإقلاع الاقتصادي لا يصنعهما الخطاب، بل تصنعهما الكفاءة، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالفعل والنتيجة. وفي المقابل يطرح تحدي تراجع منسوب الثقة في الفعل السياسي وتنامي العزوف الانتخابي نفسه بإلحاح، بما يجعل استعادة الثقة في المؤسسات السياسية وإعادة الاعتبار للعمل السياسي أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، عبر تعزيز المصداقية وتكريس الفعالية، وربط القرار العمومي بأثره المباشر في حياة المواطنين.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى نخب سياسية تمتلك روح رجل الدولة، وتجمع بين الرؤية الاستراتيجية والقدرة التنفيذية، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فالمغرب اليوم لا يحتاج إلى جدل سياسي عابر بقدر ما يحتاج إلى كفاءات قادرة على مواصلة مسار الإصلاح والبناء، وإلى قيادات تدرك أن رهانات المستقبل ترتبط بالاقتصاد والاستثمار والابتكار والعدالة المجالية والأمن الاستراتيجي بمختلف أبعاده. وفي عالم لا يمنح الاعتراف إلا لمن يملك القوة والإنجاز، يبقى الرهان الحقيقي هو القدرة على صناعة موقع متقدم للمغرب داخل خريطة الدول الصاعدة، بثقة واستمرارية ورؤية واضحة للمستقبل.