منوعات

“دعم الفراقشية” يشعل البرلمان.. المعارضة تبحث عن “تضارب المصالح” والأغلبية ترفض “التوظيف السياسي”

يتجه ملف دعم استيراد المواشي وإعادة تشكيل القطيع الوطني، المعروف إعلاميا بملف “دعم الفراقشية”، إلى تصدر المشهد السياسي والبرلماني مجددا في السنة الأخيرة من عمر الولاية التشريعية الحالية، بعدما كشفت مكونات المعارضة بمجلس النواب عن مبادرة جديدة تروم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم العمومي الموجه للقطاع.

يأتي ذلك، في وقت تواجه فيه هذه الخطوة رفضا وتحفظا من الأغلبية البرلمانية، بينما دافعت الحكومة عن حصيلتها في تدبير الملف ورفضت ما وصفته بمحاولات استغلاله سياسيا.

ويمكن تشكيل لجان تقصي الحقائق بمبادرة من الملك أو بطلب ثلث أعضاء مجلس النواب أو المستشارين، ويناط بها جمع المعلومات حول وقائع معينة أو حول تدبير مؤسسات أو مصالح عمومية، وتنتهي مهامها بإيداع تقريرها لدى مكتب المجلس أو بإحالته على القضاء إذا استوجبت الوقائع ذلك، مع منع تشكيل اللجنة في وقائع متعلقة بمتابعات قضائية جارية.

وتنص المادة 107 من النظام الداخلي لمجلس النواب، على أنه يجوز للجن الدائمة أن تكلف، بناء على طلب من رئيسها بعد موافقة مكتب اللجنة أو رئيس فريق  أو رئيس مجموعة نيابية أو ثلث أعضاء اللجنة، عضوين أو أكثر من أعضائها، بمهمة استطلاعية مؤقتة حول شروط وظروف تطبيق نص تشريعي معين، أو موضوع يهم المجتمع، أو يتعلق بنشاط من أنشطة الحكومة والإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية باتفاق مع مكتب مجلس النواب.

وأكد عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، أن الهدف من المبادرة يتمثل في كشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام الوطني وإنهاء حالة الغموض التي رافقت هذا الملف منذ أكثر من سنة، خاصة في ظل تضارب الأرقام والمعطيات والتصريحات الرسمية المرتبطة بحجم الدعم والمستفيدين منه ونتائجه الفعلية.

وأوضح شهيد أن فرق ومجموعات المعارضة متفقة على إطلاق هذه المبادرة الرقابية من أجل إزالة كل لبس يحيط ببرنامج دعم استيراد المواشي وإعادة تشكيل القطيع الوطني، مشيرا إلى أن المعارضة تنتظر موقف الأغلبية قبل الشروع في جمع التوقيعات القانونية اللازمة لإحالة الطلب على رئاسة مجلس النواب، خصوصاً مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية.

إقرأ أيضا: “الفراقشية” يختبرون قوة البرلمان .. المعارضة تتشبث بـ”تقصي الحقائق” والأغلبية تدافع عن “مهمة استطلاعية” (فيديو)

وأضاف أن لجنة تقصي الحقائق، في حال تشكيلها، ستعمل على الكشف عن لائحة المستفيدين من الدعم العمومي، والتحقق من طبيعة انتماءاتهم السياسية والاقتصادية، والبحث في مدى وجود حالات محتملة لتنازع المصالح، فضلا عن تحديد الحجم الحقيقي للأموال التي تم صرفها في إطار هذا البرنامج وتقييم مدى تحقيقه للأهداف المعلنة.

واعتبر رئيس الفريق الاشتراكي أن المبالغ التي رصدت لإعادة تشكيل القطيع الوطني كانت كبيرة، غير أن آثارها لم تنعكس بالشكل المطلوب على السوق الوطنية، مستدلا باستمرار ارتفاع أسعار الأضاحي خلال الموسم الحالي وصعوبة اقتنائها بالنسبة لعدد من الأسر محدودة الدخل.

وأشار إلى أن المبادرة تستهدف أيضا فحص مختلف حلقات سلسلة الإنتاج والتوزيع والاستيراد والتسويق، بهدف الوقوف على مكامن الخلل وضمان عدم تحول السوق إلى مجال خاضع لهيمنة فاعلين محدودين أو لممارسات احتكارية.

في المقابل، شككت مكونات الأغلبية في خلفيات المبادرة وتوقيتها السياسي، معتبرة أن إثارة الملف في الأشهر الأخيرة من عمر الولاية الحكومية يحمل أبعاداً انتخابية أكثر من كونه سعيا لكشف الحقائق.

وفي هذا الإطار، نفى علال العمراوي، رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، وجود أي تواصل رسمي من طرف المعارضة مع الأغلبية بشأن المبادرة، مؤكدا أنه لم يتلق أي اتصال في الموضوع، وأنه علم بها من خلال وسائل الإعلام والتصريحات التي أعقبت جلسة المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة.

إقرأ أيضا: الغموض يلف استطلاع البرلمان لـ”دعم الفراقشية” وسط اتهامات متبادلة بـ”إقبار الحقيقة”

وشدد العمراوي على أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يتطلب توافقا سياسيا ومؤسساتيا مسبقا ونقاشا مسؤولا بين مختلف الفرق البرلمانية، مؤكدا أن هذه الآلية الرقابية تخضع لشروط قانونية ومسطرية لا يمكن تجاوزها.

واعتبر أن المعارضة أضاعت في وقت سابق فرصة تشكيل مهمة استطلاعية حول الملف كان من شأنها تقديم المعطيات الضرورية للرأي العام، متهما بعض مكوناتها بمحاولة توظيف القضية سياسيا في المرحلة الأخيرة من الولاية التشريعية.

ومن جهته، دخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش على خط الجدل الدائر حول ملف الأضاحي ودعم استيراد المواشي، منتقدا بشدة ما وصفه بمحاولات تحويل مناسبة دينية إلى موضوع للتجاذب السياسي.

وقال أخنوش، خلال جلسة المساءلة الشهرية بمجلس النواب، إن بعض الأطراف “قررت أن تبني برنامجها الانتخابي على الحولي”، متسائلا عما إذا كانت هذه الجهات لا تمتلك برامج وأفكاراً أخرى للتنافس السياسي، مضيفا أن اختزال النقاش العمومي في موضوع الأضحية لا يخدم الممارسة السياسية الجادة.

وأكد رئيس الحكومة أن غالبية الأسر المغربية التي كانت ترغب في اقتناء أضحية العيد تمكنت من ذلك في ظروف عادية ووفق إمكانياتها، مشيرا إلى أن العرض كان متوفراً في مختلف الأسواق الوطنية وبأثمان متفاوتة، وأن حالات الضغط التي سجلت ببعض الأسواق الحضرية الكبرى خلال الساعات الأخيرة قبل العيد ظلت محدودة ومعزولة وتم التعامل معها في حينها.

وأعرب أخنوش عن أسفه لما اعتبره “استغلالا سياسويا وشعبويا وانتخابويا” للموضوع، متهما بعض الجهات بتبني روايات سلبية حول وضعية الأسواق والتحريض على عدم اقتناء الأضاحي، رغم توفر العرض، وبمحاولة شيطنة المهنيين والفلاحين والحكومة، معتبرا أن مثل هذه الممارسات تساهم في التشويش على أجواء العيد وفرحة المواطنين.

وشدد رئيس الحكومة على أن التنافس السياسي ينبغي أن يقوم على البرامج والمشاريع والأفكار القادرة على تحسين أوضاع المواطنين، وليس على توظيف الشعائر الدينية في السجال الانتخابي.

وفي معرض دفاعه عن الإجراءات الحكومية، أكد أخنوش أن قطاع تربية الماشية واجه منذ سنة 2020 ظروفاً استثنائية بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19 وتوالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، مشيرا إلى أن الحكومة، تنفيذا للتوجيهات الملكية، أطلقت برامج لدعم الفلاحين والكسابة وإعادة تشكيل القطيع الوطني.

وأضاف أن المؤشرات الحالية تؤكد، بحسب تعبيره، خروج القطاع تدريجيا من المرحلة الصعبة والدخول في مرحلة أكثر توازنا، مؤكدا أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في مواصلة إصلاح الأسواق ومسالك التسويق ومحاربة المضاربة غير المشروعة بما يضمن استقرار القطاع وتحسين ظروفه خلال السنوات المقبلة.

ويعيد هذا السجال السياسي والبرلماني فتح النقاش حول حصيلة برامج دعم استيراد المواشي وإعادة تكوين القطيع الوطني، في وقت تتزايد فيه المطالب بالكشف عن تفاصيل الاستفادة من الأموال العمومية المخصصة لهذا القطاع وتقييم أثرها الحقيقي على الأسعار وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، وسط استمرار التباين بين رؤية المعارضة التي تطالب بالتحقيق والمساءلة، وموقف الأغلبية والحكومة التي تؤكد سلامة الإجراءات المتخذة ونجاعتها في مواجهة الظروف الاستثنائية التي عرفها القطاع.