الملك المثقف.. “قراءة في المسار الأكاديمي: على ضوء الرسالة الملكية في رحيل إدغار موران”
وجهة نظر

الملك المثقف.. “قراءة في المسار الأكاديمي: على ضوء الرسالة الملكية في رحيل إدغار موران”

مقدمة: تعزية تكشف عن عمق معرفي

حين بعث جلالة الملك محمد السادس ببرقية تعزية في وفاة الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران (1921-2026م)، لم تكن تلك مجرد مجاملة دبلوماسية بروتوكولية من رئيس دولة إلى أسرة مفكر راحل، بل كانت البرقية، بمضامينها ومفرداتها، تنمّ عن وعي عميق بالمشروع الفكري لموران، إذ وصفه جلالته بـ”الفيلسوف والفاعل الثقافي في العصر المعاصر وصديق المغرب”. إن اختيار هذه الأوصاف بعناية ودقة يعكس إلمامًا حقيقيًا بالمتن الفلسفي لموران، لا مجرد إشارة عابرة إلى اسم لامع في الفضاء الثقافي الدولي.

هذا المشهد يفتح أمامنا نافذة على جانب شبه مجهول من شخصية جلالة الملك محمد السادس، جانب لا تلتقطه عادةً كاميرات الإعلام المنشغلة بالبُعد السياسي والتنموي والدبلوماسي، ولا ينتبه إليه الرأي العام المحلي والدولي: البُعد المعرفي والأكاديمي والثقافي العميق لشخصية ملكية تحمل درجة الدكتوراه، وتُرى في أغلب لقاءاتها خارج الوطن وهي تحمل كتابًا أو مجلة علمية.

يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على هذا البُعد المغيَّب، من خلال مقاربة أكاديمية تستحضر المسار التكويني للملك، وتحلل مظاهر انعكاس ثقافته الواسعة على ممارسته للحكم وخطاباته وعلاقاته الدولية، وتضع ذلك في سياق مقارن مع نماذج تاريخية ومعاصرة لقادة حملوا هاجس المعرفة إلى جانب عبء السلطة.

المبحث الأول: المسار الأكاديمي – من مقاعد الدرس إلى منصة الدكتوراه

 1.1. التكوين المبكر: بناء العقل قبل بناء الدولة

لم يكن التكوين العلمي للملك محمد السادس تكوينًا شكليًا أو بروتوكوليًا كما قد يتبادر إلى أذهان من يختزلون التنشئة الملكية في الطقوس والمراسم؛ فقد حرص المغفور له الملك الحسن الثاني على أن يتلقى ولي عهده تعليمًا صارمًا ومتعدد الأبعاد، يجمع بين العلوم الشرعية واللغوية والقانونية والسياسية، في بيئة فكرية تحفّز التفكير النقدي والاطلاع الموسوعي.

حصل الأمير سيدي محمد على شهادة البكالوريا عام 1981، ثم التحق بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث حصل على الإجازة في القانون عام 1985؛ وهنا تجدر الإشارة إلى أن اختيار تخصص القانون لم يكن اختيارًا اعتباطيًا، بل كان يعكس وعيًا مبكرًا بأن الحكم الرشيد لا يستقيم بدون فهم عميق للبنيات القانونية والمؤسساتية التي تُنظّم المجتمع والدولة.

 1.2. شهادة الدكتوراه: إنجاز أكاديمي حقيقي

الأهم في المسار الأكاديمي للملك محمد السادس هو حصوله على شهادة دبلوم الدراسات العليا المعمقة (D.E.A) عام 1987، ثم على شهادة الدكتوراه في القانون عام 1993 (سنة ازديادي) من جامعة نيس صوفيا أنتيبوليس (Université de Nice SophiaAntipolis)  بفرنسا، وذلك بتقدير “مشرّف جدًا مع تهاني اللجنة” (Très honorable avec félicitations du jury)، وهو أعلى تقدير يُمنح في النظام الأكاديمي الفرنسي.

كان موضوع أطروحته يتمحور حول العلاقات بين الاتحاد الأوروبي (الجماعة الاقتصادية الأوروبية آنذاك) والمغرب العربي، وهو موضوع يتقاطع فيه القانون الدولي بالاقتصاد السياسي بالجيوستراتيجيا، مما يدل على قدرة على التفكير المركّب (la pensée complexe) – وهو، بمفارقة لطيفة، المفهوم المركزي في فلسفة إدغار موران نفسه الذي عزّى جلالته في وفاته.

إن الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة أوروبية مرموقة بميزة عالية ليس أمرًا بديهيًا حتى بالنسبة للباحثين المتفرغين كليًا للبحث الأكاديمي، فكيف إذا كان صاحب الأطروحة أميرًا وليًا للعهد، تُثقل كاهله مسؤوليات تمثيلية ومؤسساتية جسام؟ هذا الإنجاز يعكس إرادة معرفية حقيقية، ورغبة صادقة في الانتماء إلى عالم البحث والمعرفة لا مجرد الانتماء إلى عالم السلطة.

 1.3. ما بعد الدكتوراه: التعلم المستمر كنهج حياة

لم يتوقف المسار المعرفي عند حدود الأطروحة، فالمتتبعون للشأن الملكي يعرفون أن جلالة الملك محمد السادس يواظب على القراءة والاطلاع بشكل يومي، ويُعدّ من أكثر القادة المعاصرين استهلاكًا للمادة المكتوبة، وهذه ملاحظة تستحق التأمل: ففي عصر الشاشات والمحتوى الرقمي السريع، يظل الملك وفيًا للكتاب والمجلة كأدوات للتثقيف والتأمل.

المبحث الثاني: الملك حاملًا الكتاب – صورة ثقافية تخترق البروتوكول

 2.1. الكتاب كرفيق سفر: شهادة صامتة على ثقافة عميقة

من أكثر الصور دلالة على البُعد المعرفي للملك محمد السادس، تلك الصور واللقاءات العفوية التي يظهر فيها جلالته خارج الوطن وهو يحمل كتابًا أو مجلة، هذه الصور لم تكن مُعدّة للنشر ولم تكن مُخرجة إعلاميًا، بل كانت لقطات عفوية التقطها مواطنون مغاربة أو أجانب صادفوا جلالة الملك في أوروبا أو غيرها، ولاحظوا أنه كان يحمل مطبوعة فكرية أو كتابًا.

هذه الصورة المتكررة ليست تفصيلًا هامشيًا، ففي علم الاجتماع السياسي وفي دراسات القيادة (Leadership Studies)، تُعتبر العادات اليومية للقائد – وخاصة تلك التي تظهر في لحظات عدم الوعي بالكاميرا – مؤشرات عميقة على البنية الذهنية والقيمية للشخصية القيادية. إن قائدًا يحمل كتابًا في لحظات فراغه هو قائد ينظر إلى المعرفة باعتبارها حاجة وجودية لا مجرد أداة وظيفية.

 2.2. القراءة كفعل سيادي: مقاربة نظرية

يمكن تأطير علاقة جلالة الملك بالكتاب ضمن ما يسميه الفيلسوف الأمريكي مارثا نوسباوم (Martha Nussbaum)  بـ”الخيال السردي”(narrative imagination)، وهو القدرة على فهم العالم من خلال الاطلاع الواسع على تجارب الآخرين عبر القراءة. ترى نوسباوم أن القادة الذين يقرأون ليسوا فقط أكثر ثقافة، بل هم أكثر قدرة على التعاطف واتخاذ القرارات الحكيمة، لأن القراءة توسّع أفق الفهم وتُعقّد النظرة المبسطة للأمور.

وفي السياق ذاته، يرى الباحث في العلوم السياسية دوريس كيرنز غودوين (Doris Kearns Goodwin)، في دراسته المرجعية عن الرؤساء الأمريكيين القراء، أن ثمة ارتباطًا وثيقًا بين عادة القراءة عند القادة وبين جودة قراراتهم الاستراتيجية. فالقائد القارئ يمتلك “مخزونًا معرفيًا تراكميًا” يمكّنه من استدعاء سوابق تاريخية ونماذج تحليلية متعددة عند مواجهة أزمة أو اتخاذ قرار مصيري.

 2.3. مقارنة مع قادة قراء في التاريخ المعاصر

لا يخلو التاريخ المعاصر من قادة عُرفوا بشغفهم بالقراءة والمعرفة:

 الرئيس الأمريكي جون كينيدي كان يُعرف بقراءته السريعة والنهمة، وكان يقرأ ما يقارب ألف كلمة في الدقيقة، ويستهلك عدة كتب أسبوعيًا.

 المستشار الألماني هلموت شميت كان مثقفًا موسوعيًا يتقن العزف على البيانو ويكتب في الفلسفة والاقتصاد.

 الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران كان أديبًا وكاتبًا بقدر ما كان سياسيًا، وترك إرثًا أدبيًا موازيًا لإرثه السياسي.

غير أن ما يميز حالة جلالة الملك محمد السادس هو التقاطع الفريد بين المشروعية الدينية والتاريخية من جهة، والتكوين الأكاديمي الحديث من جهة أخرى؛ فهو أمير المؤمنين الحاصل على الدكتوراه، وسليل أعرق سلالة حاكمة في العالم العربي الحامل لرؤية حداثية متجذرة في المعرفة. هذا التوليف النادر يجعل منه نموذجًا فريدًا يستحق الدراسة الأكاديمية المعمقة.

المبحث الثالث: انعكاس الثقافة على الخطاب الملكي – تحليل في المضامين والمفاهيم

 3.1. الخطاب الملكي كنص معرفي

من يقرأ الخطابات الملكية بعين الباحث الأكاديمي لا بعين المتلقي العادي، يلاحظ فيها كثافة مفاهيمية وعمقًا تحليليًا يتجاوزان كثيرًا ما هو مألوف في خطابات رؤساء الدول. فالخطابات الملكية تستدعي مفاهيم من حقول معرفية متعددة: القانون الدولي، والاقتصاد السياسي، والعلاقات الدولية، والفكر الإسلامي المقاصدي، وعلم الاجتماع التنموي، بل وحتى الفلسفة السياسية المعاصرة.

على سبيل المثال، حين تحدث جلالة الملك في خطاباته عن “النموذج التنموي الجديد”، لم يكن يطرح شعارًا سياسيًا فحسب، بل كان يستحضر نقاشًا أكاديميًا عميقًا حول نظريات التنمية (Development Theory)، ومحدودية النماذج الكلاسيكية، وضرورة بناء نماذج تنموية ذاتية تراعي الخصوصيات السوسيوثقافية لكل بلد. هذا الطرح يتقاطع مع أعمال أمارتيا سن (Amartya Sen) حول “التنمية بوصفها حرية”، ومع أطروحات داني رودريك (Dani Rodrik) حول “اقتصاديات الممكن” وخصوصية المسارات التنموية.

 3.2. المقاربة المركّبة في التعاطي مع القضايا

يظهر في الخطاب الملكي نزوع واضح نحو المقاربة المركّبة التي ترفض الاختزال والتبسيط، وهذا ما يجعل التقاطع مع فكر إدغار موران تقاطعًا حقيقيًا وليس مجرد مصادفة. فموران بنى مشروعه الفكري كله على نقد “نموذج التبسيط” (paradigme de simplification)  والدعوة إلى “نموذج التعقيد” (paradigme de complexité)  الذي يرى الظواهر في تشابكها وتداخلها.

والمتأمل في المقاربة الملكية للقضايا الكبرى – من قضية الصحراء المغربية إلى الإصلاح الديني إلى التعاون جنوب جنوب إلى التدبير الوبائي خلال كوفيد19 – يلاحظ هذا النفس المركّب: رفض الحلول الأحادية، والجمع بين أبعاد متعددة (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، روحية)، والانفتاح على التجارب المقارنة مع الحفاظ على الخصوصية، إنها مقاربة لا يمكن أن تصدر إلا عن عقل مُدرَّب على التحليل المعمق والقراءة المتعددة الأبعاد.

 3.3. الإصلاح الديني: نموذج لثقافة ملكية تتجاوز المألوف

من أبرز المجالات التي تتجلى فيها الثقافة العميقة للملك محمد السادس، مجال الإصلاح الديني، فالمقاربة المغربية للشأن الديني، التي بلورها جلالته بصفته أميرًا للمؤمنين، تستند إلى معرفة دقيقة بعلم الأصول والمقاصد الشرعية، وبتاريخ المذاهب الفقهية، وبالتحولات السوسيولوجية التي يعرفها الحقل الديني عالميًا.

إن تبني مقاربة تجمع بين المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، ليس مجرد خيار سياسي براغماتي، بل هو تركيب فكري يستند إلى فهم عميق لتاريخ الفكر الإسلامي ولخصوصية التدين المغربي عبر القرون، هذا الفهم لا يتأتى بدون ثقافة دينية وتاريخية واسعة، تتغذى من القراءة المستمرة والحوار مع العلماء والمفكرين.

المبحث الرابع: العلاقة بالمثقفين والفاعلين الثقافيين – شبكة معرفية ملكية

 4.1. تعزية موران: نموذج لعلاقة ملكية بالفكر العالمي

تكتسي برقية التعزية في وفاة إدغار موران دلالة خاصة حين نضعها في سياق أوسع، فموران لم يكن مجرد فيلسوف فرنسي مشهور، بل كان مفكرًا مُركّبًا يتقاطع مساره مع قضايا جوهرية تهم المغرب والعالم العربي والإسلامي: الهوية والحداثة، التعددية الثقافية، نقد المركزية الغربية، الإيكولوجيا السياسية، إصلاح الفكر وإصلاح التعليم.

وصف الملك لموران بـ”صديق المغرب” يُحيل إلى علاقة حقيقية بين المفكر الفرنسي والمملكة المغربية، فموران زار المغرب عدة مرات، وأبدى اهتمامًا خاصًا بالتجربة المغربية في الجمع بين التقليد والحداثة، وكان يرى في المغرب نموذجًا لما يسميه “الوطنالأرض” (TerrePatrie)  حيث تتعايش الثقافات والديانات. إن إدراك الملك لهذا البُعد في مسار موران يعكس متابعة فكرية حقيقية لأعمال الرجل وإسهاماته.

 4.2. رعاية الثقافة والمعرفة: سياسة ثقافية بخلفية أكاديمية

لم تقتصر علاقة جلالة الملك بالمعرفة على البُعد الشخصي، بل امتدت إلى السياسة الثقافية للدولة، فرعاية المعرض الدولي للكتاب والنشر بالدار البيضاء، ودعم المؤسسات الثقافية، وإنشاء المكتبات العمومية، وتطوير المؤسسات الجامعية، والاهتمام بالتراث المخطوط والمكتوب – كلها سياسات تعكس رؤية قائد يؤمن بأن المعرفة ليست ترفًا بل هي ركيزة التنمية والتقدم.

كما أن العلاقة مع المؤسسات الأكاديمية الدولية، واستقبال الباحثين والمفكرين، ومنح الأوسمة للعلماء والأدباء، تندرج ضمن رؤية تضع المعرفة في صلب المشروع المجتمعي؛ وهذه الرؤية لا يمكن أن تصدر إلا عن شخصية تُدرك قيمة المعرفة من الداخل، بصفتها هي ذاتها منتمية إلى عالم البحث والأكاديميا.

 4.3. الثقافة كأداة للدبلوماسية: القوة الناعمة المعرفية

يمكن القول إن الملك محمد السادس وظّف ثقافته الواسعة كأداة دبلوماسية من الطراز الرفيع، ففي لقاءاته مع القادة والمسؤولين الدوليين، تُشير المصادر الدبلوماسية إلى أن جلالته يُفاجئ محاوريه بعمق اطلاعه على الملفات وبقدرته على مناقشة القضايا من زوايا غير متوقعة، هذا العمق لا يمكن أن يكون ثمرة إحاطات مختصرة من المستشارين، بل هو ثمرة تراكم معرفي يومي يُبنى عبر القراءة المنتظمة والتأمل المستمر.

إن ما يُسمى في العلاقات الدولية بـ”القوة الناعمة” (Soft Power)، وفق مفهوم جوزيف ناي (Joseph Nye)، يجد في الثقافة الشخصية للقائد أحد أهم روافده، فالقائد المثقف يُقنع ويُلهم ويُؤثر، ليس بقوة السلاح أو المال فحسب، بل بقوة الحجة والمعرفة والرؤية الثاقبة.

 المبحث الخامس: لماذا يُغفل هذا البُعد؟ تحليل سوسيولوجي

 5.1. طغيان الصورة النمطية

السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يظل البُعد الأكاديمي والثقافي للملك محمد السادس مغفلًا أو مُهمّشًا في التناول الإعلامي والأكاديمي؟

ثمة عدة عوامل تفسيرية:

أولًا: هيمنة الصورة السياسية والتنموية؛ يميل الإعلام – المحلي والدولي – إلى تصنيف القادة ضمن قوالب جاهزة: القائد الإصلاحي، القائد التنموي، القائد الدبلوماسي… وهذه القوالب لا تترك مساحة كافية للبُعد الثقافي والمعرفي الذي يصعب “تصويره” أو تحويله إلى عنوان إخباري جاذب.

ثانيًا: تواضع الملك ذاته؛ لم يسعَ الملك محمد السادس يومًا إلى تقديم نفسه كمثقف أو أكاديمي، ولم يستخدم ألقابه العلمية (الدكتور محمد السادس) في الخطاب العام، هذا التواضع المعرفي، وإن كان يعكس نبلًا شخصيًا، فإنه يُسهم في حجب هذا البُعد عن الوعي العام.

ثالثًا: ضعف البحث الأكاديمي المحلي؛ لم تُنجز، في حدود علمنا، دراسات أكاديمية جادة حول البُعد الثقافي والمعرفي للملكية المغربية المعاصرة، فأغلب الدراسات تركز على البُعد السياسي والمؤسساتي، وتُهمل الخلفية الفكرية التي تُغذي القرار السياسي وتُوجهه.

رابعًا: الفصل المصطنع بين السلطة والمعرفة، ثمة تصور شائع – وخاطئ – يفصل بين عالم السلطة وعالم المعرفة، وكأنهما عالمان متنافران، هذا التصور يجعل الناس يستغربون حين يُقال لهم إن ملكًا يحمل الدكتوراه ويقرأ يوميًا، لأنهم اعتادوا تخيل القادة في مكاتبهم الرسمية لا في مكتباتهم الشخصية.

 5.2. الحاجة إلى إعادة بناء الصورة

إن إعادة الاعتبار للبُعد المعرفي في شخصية الملك ليست ترفًا فكريًا ولا تمرينًا في المديح، بل هي ضرورة أكاديمية لفهم أعمق للقرار السياسي المغربي وللمشروع المجتمعي الذي يقوده جلالته. فالقرارات الكبرى – من مدونة الأسرة إلى الجهوية المتقدمة إلى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى الخيارات الطاقية والمناخية – لا يمكن فهمها بعمق بدون استحضار الخلفية المعرفية التي تُنتجها.

المبحث السادس: الملك المثقف في السياق المغربي – استمرارية وتجديد

 6.1. إرث ثقافي ملكي عريق

لا يمكن فهم ثقافة الملك محمد السادس بمعزل عن الإرث الثقافي للسلالة العلوية الشريفة، فالملوك العلويون عُرفوا تاريخيًا بعلمهم واهتمامهم بالمعرفة، والمغفور له الملك الحسن الثاني كان خطيبًا مفوّهًا ومثقفًا واسع الاطلاع، أذهل العالم بحواراته التلفزيونية العميقة، أما المغفور له الملك محمد الخامس، فقد كان رمزًا للنهضة الثقافية والتعليمية المغربية؛ وقبلهما، كان السلاطين العلويون رعاة للعلم والعلماء، ومؤسسي المدارس والخزانات.

الملك محمد السادس يستمر في هذا الإرث لكنه يُجدده بإضافة البُعد الأكاديمي الحديث، فهو لم يكتفِ بالتكوين التقليدي الذي حظي به أسلافه، بل أضاف إليه تكوينًا جامعيًا صارمًا وبحثًا أكاديميًا أصيلًا توّجه بشهادة الدكتوراه، هذا التوليف بين المعرفة التقليدية والمعرفة الحديثة هو في حد ذاته إنجاز فكري يستحق التأمل.

6.2.  نحو مفهوم “الملكية العالمة”

يمكن اقتراح مفهوم “الملكية العالِمة” (La monarchie savante) لتوصيف هذا البُعد في الملكية المغربية المعاصرة، وهو مفهوم يتجاوز الوصف التقليدي لـ”الملكية التنفيذية” أو “الملكية الدستورية” أو حتى “إمارة المؤمنين”، ليلتقط بُعدًا مغفلًا لكنه جوهري: بُعد المعرفة كمكوّن بنيوي في الحكم وفي شخصية الحاكم.

هذا المفهوم لا يعني أن الملك يحكم بوصفه عالمًا أو أكاديميًا، بل يعني أن ممارسته للحكم مشبعة بثقافة واسعة ومعرفة عميقة تُؤثران في رؤيته وقراراته وخطاباته وعلاقاته؛ إنه نمط من الحكم يستند إلى ما يسميه الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) “الرأسمال الثقافي” (capital culturel)  بقدر ما يستند إلى الرأسمال السياسي والرمزي.

 المبحث السابع: أطروحة الدكتوراه – قراءة في الموضوع والمنهج والدلالة

 7.1. موضوع استشرافي بامتياز

حين اختار الأمير سيدي محمد – كما كان لقبه آنذاك – موضوع العلاقات المغاربية الأوروبية كموضوع لأطروحته، كان يختار موضوعًا استشرافيًا بامتياز، ففي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، كانت أوروبا تتجه نحو وحدة اقتصادية وسياسية أعمق (معاهدة ماستريخت 1992)، وكان المغرب العربي يبحث عن صيغ للتكامل الإقليمي (اتحاد المغرب العربي 1989). دراسة العلاقة بين هذين الفضاءين كانت تستشرف الأسئلة الكبرى التي ستهيمن على العقود اللاحقة: الشراكة الأورومتوسطية، مسألة الهجرة، التبادل الحر، الأمن المشترك.

هذا الاختيار يعكس حسًا جيوستراتيجيًا مبكرًا، وقدرة على التفكير في القضايا الكبرى قبل أن تصبح قضايا ملحّة في الأجندة السياسية؛ وهو ما تحقق فعلًا لاحقًا حين أصبحت العلاقة مع أوروبا أحد المحاور الرئيسية للسياسة الخارجية المغربية في عهد الملك محمد السادس، بما في ذلك الحصول على “الوضع المتقدم” مع الاتحاد الأوروبي عام 2008.

 7.2. دلالة الإطار الجامعي الفرنسي

اختيار جامعة نيس صوفيا أنتيبوليس لإعداد الأطروحة له دلالته أيضًا، فهذه الجامعة كانت (ولا تزال عبر جامعة كوت دازور التي خلفتها) مركزًا مرموقًا للبحث في القانون الدولي والعلاقات الأوروبية المتوسطية؛ كما أن النظام الأكاديمي الفرنسي في مرحلة الدكتوراه يتميز بصرامة منهجية عالية، ويتطلب من الباحث قدرة على التحليل النقدي والتركيب النظري وجودة الكتابة الأكاديمية.

حصول الأمير على أعلى تقدير (مشرف جدًا مع تهاني اللجنة) يعني أن اللجنة العلمية – المكونة من أساتذة جامعيين ليسوا ملزمين بأي اعتبار سياسي في تقييمهم الأكاديمي – قدّرت العمل تقديرًا عاليًا من حيث الأصالة والعمق والمنهجية. وهذا يُسقط أي تأويل يُقلل من القيمة العلمية لهذا الإنجاز.

المبحث الثامن: المثقف والملك – جدلية الخفاء والتجلي

 8.1. لماذا يختار الملك إخفاء بُعده الثقافي؟

ثمة سؤال مشروع: هل يتعمد الملك محمد السادس إخفاء بُعده الثقافي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟

يمكن تقديم عدة فرضيات تفسيرية:

الفرضية الأولى: أولوية الفعل على القول؛ قد يكون الملك يُفضّل أن تُعبّر سياساته وقراراته عن ثقافته، بدلًا من أن يُعلن عنها خطابيًا، وهذا نهج يتسق مع ما يُعرف في الفكر الإسلامي بـ”العلم النافع”، أي العلم الذي يتحول إلى عمل وأثر، لا العلم الذي يبقى في دائرة التباهي والاستعراض.

الفرضية الثانية: الحذر من التنميط، قد يخشى أن يُختزل في صورة “الملك المثقف” بشكل يُبعده عن الشعب أو يُوحي بالنخبوية، فالقائد الحكيم يعرف أن المبالغة في إبراز البُعد الثقافي قد تخلق مسافة مع المواطنين العاديين الذين يبحثون في قائدهم عن القرب والتعاطف أكثر من البحث عن الثقافة والاطلاع.

الفرضية الثالثة: التواضع الشخصي كقيمة؛ قد يكون الأمر ببساطة انعكاسًا لشخصية تتميز بالتواضع وتأبى الاستعراض، سواء في البُعد المعرفي أو في غيره، وهذا يتسق مع الصورة العامة للملك باعتباره شخصية تفضل العمل في الظل والتواصل بالأفعال أكثر من الكلمات.

 8.2. الكتاب في يد الملك: قراءة سيميائية

حين يظهر جلالة الملك في لقاء عفوي وهو يحمل كتابًا أو مجلة، فإن هذه الصورة تحمل شحنة سيميائية (دلالية) كثيفة، في علم السيميائيات (Semiotics)، الأشياء التي يحملها الشخص أو يرتديها أو يصطحبها تُشكل “علامات” (signs)  تُحيل إلى منظومة قيمية ومعرفية أوسع.

الكتاب في يد الملك يقول – بدون كلمات – عدة أشياء:

 إن المعرفة ليست مجرد وسيلة بل هي غاية في ذاتها.

 إن القائد ليس مجرد صانع قرارات بل هو أيضًا باحث عن فهم أعمق للعالم.

 إن لحظات “الفراغ” لا توجد عند هذا القائد، بل هي لحظات مملوءة بالقراءة والتأمل.

 إن الكتاب رفيق دائم، لا مجرد أداة ظرفية تُستعمل في لحظة ثم تُهمل.

هذه الصورة العفوية أبلغ في دلالتها من ألف خطاب عن أهمية القراءة والثقافة. إنها “القدوة الصامتة” التي تُحدث أثرًا أعمق من أي حملة رسمية لتشجيع القراءة.

 المبحث التاسع: نحو دراسة أكاديمية للبُعد المعرفي في القيادة الملكية

 9.1. فجوة بحثية تحتاج إلى سدّ

يكشف هذا المقال عن فجوة بحثية حقيقية في الدراسات السياسية والثقافية المغربية والدولية، فبينما تتراكم الدراسات حول البُعد السياسي والمؤسساتي والدبلوماسي للملكية المغربية، يظل البُعد المعرفي والثقافي شبه غائب عن الاهتمام الأكاديمي.

أقترح عدة محاور بحثية يمكن أن تُسهم في سد هذه الفجوة:

المحور الأول: تحليل الخلفية المعرفية للخطابات الملكية، دراسة لسانية ومفاهيمية منهجية للخطابات الملكية، تبحث في المفاهيم والمرجعيات الفكرية والنظرية التي تتخللها، وتربطها بالحقول المعرفية التي تنتمي إليها.

المحور الثاني: التكوين الأكاديمي وأثره على القرار السياسي، دراسة مقارنة تبحث في العلاقة بين المستوى الأكاديمي للقادة وجودة قراراتهم، مع التركيز على حالة الملك محمد السادس كنموذج لقائد يحمل الدكتوراه.

المحور الثالث: الثقافة الشخصية للملوك والرؤساء، دراسة أنثروبولوجية حول عادات القراءة والاطلاع عند القادة، وأثرها على أسلوب حكمهم وعلى السياسة الثقافية لدولهم.

المحور الرابع: مفهوم “الملكية العالمة”، تأصيل نظري لهذا المفهوم المقترح، واختباره على الحالة المغربية، ومقارنته بنماذج ملكية أخرى (بريطانيا، إسبانيا، اليابان، الأردن…).

 9.2. أهمية هذا البحث للمغرب والعالم العربي

إن دراسة البُعد المعرفي في القيادة السياسية ليست ترفًا أكاديميًا، بل هي ضرورة لفهم أعمق لآليات صنع القرار ولطبيعة المشاريع المجتمعية التي تُبنى في بلداننا، في العالم العربي، حيث يشكو كثيرون من ضعف الثقافة عند القادة ومن غياب الرؤية الاستراتيجية، يُشكل نموذج جلالة الملك محمد السادس حالة استثنائية تستحق الإبراز والدراسة، وهي ينبوع اقتداء لممثلي الأمة المغربية.

خاتمة: حين تلتقي المعرفة بالسلطة

في كتابه الشهير “الجمهورية”، حلم أفلاطون بأن يحكم الفلاسفة أو أن يتفلسف الحكام، وعلى مدى خمسة وعشرين قرنًا، ظل هذا الحلم محلّ جدل ونقاش، لكن الحالة المغربية تُقدم نموذجًا واقعيًا لالتقاء المعرفة بالسلطة: ملك يحمل الدكتوراه ويقرأ يوميًا ويُتابع الإنتاج الفكري العالمي ويُعزّي في وفاة الفلاسفة بكلمات تنمّ عن إلمام حقيقي بمشاريعهم الفكرية.

إن برقية التعزية في وفاة إدغار موران ليست مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل هي نافذة على عالم معرفي ملكي يستحق أن يُكتشف ويُدرس ويُقدّر، إنها تذكير بأن وراء القرارات الكبرى والمشاريع التنموية والمبادرات الدبلوماسية، يوجد عقل قارئ ومتأمل ومُتعلم، يرى في المعرفة ليس مجرد أداة للحكم بل أفقًا للفهم والحكمة.

وربما يكون أبلغ تعبير عن هذا البُعد هو تلك الصورة البسيطة والعميقة في آن واحد: ملك يمشي في شارع أوروبي وهو يحمل كتابًا؛ صورة تختزل فلسفة كاملة في الحكم والحياة: أن تقود لا يعني أن تتوقف عن التعلم، وأن تحكم لا يعني أن تتوقف عن القراءة.

***

المراجع والمصادر:

 

  1. Bourdieu, P. (1979). La Distinction: Critique sociale du jugement. Paris: Éditions de Minuit.
  2. Goodwin, D. K. (2018). Leadership: In Turbulent Times. New York: Simon & Schuster.
  3. Morin, E. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris: ESF Éditeur.
  4. Morin, E. (1993). TerrePatrie. Paris: Seuil.
  5. Nussbaum, M. (1997). Cultivating Humanity: A Classical Defense of Reform in Liberal Education. Cambridge: Harvard University Press.
  6. Nye, J. S. (2004). Soft Power: The Means to Success in World Politics. New York: PublicAffairs.
  7. Rodrik, D. (2007). One Economics, Many Recipes: Globalization, Institutions, and Economic Growth. Princeton: Princeton University Press.
  8. Sen, A. (1999). Development as Freedom. New York: Knopf.
  9. Tozy, M. (1999). Monarchie et Islam politique au Maroc. Paris: Presses de Sciences Po.
  10. Waterbury, J. (1970). The Commander of the Faithful: The Moroccan Political Elite. New York: Columbia University Press.

———————————————————————————————————

ملاحظة: هذا المقال يُقدَّم كمساهمة أكاديمية تسعى إلى فتح نقاش علمي حول بُعد مُغفل في دراسة القيادة السياسية المغربية، وهو لا يدّعي الإحاطة الشاملة بالموضوع، بل يدعو إلى مزيد من البحث والتعمق.