أسفرت الزيارة الرسمية التي أدّاها فلاديمير بوتين إلى بكين 19-20 ماي 2026 عن خارطة طريق استراتيجية تجمع روسيا والصين. وفي سياق أزمة طاقة عالمية تفجّرت جراء إغلاق مضيق هرمز، أعلنت القوتان رسمياً عن إرادتهما المشتركة في بناء « عالم متعدد الأقطاب »، مستندتَين في ذلك إلى آليات مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون. غير أن فهم دلالات هذه الزيارة يستلزم طرح السؤال الاستراتيجي الحقيقي: ليس “ماذا يجري بين موسكو وبكين؟” بل “ماذا يعني ذلك للعالم من حولنا؟”.
إذ لا يمكن قراءة التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، ولا استيعاب ما يجري في إيران ومضيق هرمز وشبه القارة الهندية، دون فهم الإطار الأعمق الذي يُنظّم العلاقة بين موسكو وبكين في عصر ما بعد القطبية الأحادية. فمنذ أن أعلن الرئيسان بوتين وشي جين بينغ في فبراير 2022 عن شراكة « بلا حدود »، لم يعد هذا المحور مجرد تقارب براغماتي بين قوتين تجمعهما مصلحة آنية، بل تحوّل إلى تكتل استراتيجي متماسك يحمل رؤية متكاملة لنظام دولي بديل، يضع في صميمه احترام السيادة ورفض الوصاية وتعددية الأقطاب بوصفها مبدأً راسخاً لا شعاراً دعائياً.
باستقباله بوتين في قاعة الشعب الكبرى بعد أقل من أسبوع على استقبال ترامب، يؤكد شي جين بينغ طموح بكين في فرض نفسها حَكَماً على نظام عالمي في طور إعادة التشكّل. وقد جرى التوقيع على نحو أربعين وثيقة، من بينها إعلان مشترك حول بزوغ عالم متعدد الأقطاب ومعاهدة للتعاون الاستراتيجي تتضمن بنوداً ذات طابع عسكري.
في بداية عام 2026، أكد شي جين بينغ أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين قد بلغت مستوى متقدماً، مع تطبيق سياسات الإعفاء المتبادل من التأشيرات، وتقدم ملموس في مشاريع البنية التحتية الطاقوية المشتركة، ونشاط متصاعد في دعم بعضهما البعض داخل الأمم المتحدة والهيئات الدولية. وقد أعلن الزعيمان أن عامَي 2026-2027 سيُكرَّسان “سنتَي التعليم الروسي-الصيني”، في إشارة إلى أن هذا المحور يبني أيضاً عمقاً حضارياً وإنسانياً يتجاوز الحسابات الاقتصادية والعسكرية المباشرة.
ما يميّز هذا التحالف عن نماذج التحالفات الكلاسيكية هو غياب الاشتراطات الشكلية التي طالما ميّزت الأحلاف الغربية. فلا توجد مادة دفاع مشترك، ولا قيادة موحدة، ولا التزام مكتوب بالتدخل المتبادل التلقائي. ما يجمع المحورَين هو شيء أكثر تعقيداً وأشد متانة: تقاسم الأدوار في مواجهة هيمنة الغرب على مفاصل النظام الدولي. فروسيا تضطلع بالثقل العسكري التقليدي، وتستنزف الطاقة الاستراتيجية الغربية في أوكرانيا وأوروبا الشرقية، فارضةً استنزافاً لوجستياً ومالياً يُضيّق على واشنطن هامش التفرغ للملف الصيني في المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي. في المقابل، تُقدم الصين العمق الاقتصادي والثورة التكنولوجية، إذ حافظت على علاقاتها التجارية مع موسكو في قطاعات التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام والسلع الصناعية، متجاوزةً العقوبات الغربية عبر شبكة معاملات مُحكمة ومتطورة.
الأبرز من ذلك كله أن المحور الروسي-الصيني لا يكتفي بالتحدي العسكري والاقتصادي للغرب، بل يعمل بمنهجية صارمة على إعادة هندسة المنظومة المؤسسية الدولية من الداخل. فمجموعة بريكس، التي انضمت إليها في 2024 دول محورية كالمملكة العربية السعودية والإمارات ومصر وإثيوبيا، تحوّلت من منتدى لمناقشة الاقتصاد إلى منصة جيوسياسية فاعلة تطرح بديلاً للدولار في التسويات الدولية وتُقلّص الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية. وفي الوقت ذاته، تواصل منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم اليوم قرابة نصف سكان الأرض، بناء نظام أمني إقليمي بديل يُدار بمنطق مختلف جوهرياً عن منطق حلف الناتو القائم على الهيمنة الأمريكية. وهكذا تتحوّل هاتان المنظمتان معاً إلى ركيزتَي المشروع المؤسسي الذي تعتزم موسكو وبكين البناء عليه لتجسيد رؤيتهما لنظام دولي بديل، قوامه احترام سيادة الدول ورفض الأحادية الغربية.
أما على صعيد البنية التحتية، تواصل مبادرة الحزام والطريق تشييد شبكة اتصالات وطرق وموانئ تجعل عشرات الدول النامية مرتبطة هيكلياً ببكين، مما يُرجّح كفة التعامل مع الصين على حساب الارتهان لشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هذا التكامل بين الثقل العسكري الروسي والعمق الاقتصادي الصيني والبديل المؤسسي الجماعي يُشكّل ما يمكن وصفه بـ”منظومة متكاملة لإنتاج نظام دولي موازٍ”.
يبقى ميدان الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا العسكرية هو الساحة الفاصلة في هذه المنافسة الحضارية الكبرى. فالصين تمتلك اليوم بنية تحتية رقمية ونظاماً لتجميع البيانات، في حين اكتسبت موسكو في أوكرانيا خبرات ميدانية لا تُعوَّض في الحرب الهجينة والحرب الإلكترونية والمواجهة المطوّلة مع الترسانات الغربية. والنتيجة تكامل غير متكافئ من حيث الحجم، لكنه وظيفي بامتياز: روسيا توفر ميادين الاختبار القتالي والرادع النووي الاستراتيجي، فيما توفر الصين الثورة التكنولوجية بتكاليف لا يُجاريها أحد.
ولعل أوضح تجلٍّ لهذه المعادلة ما كشفه الصراع حول إيران في 2026. فبينما يسعى الجيش الأمريكي الآن لأول مرة إلى نشر صواريخه الفرط صوتية “دارك إيغل” في المنطقة، كانت روسيا والصين قد نشرتا أنظمتهما الفرط صوتية منذ سنوات. هذه الفجوة ليست تقنية بحتة، بل هي مؤشر على تحوّل عميق في توازن القوى يُعيد رسم خرائط الردع الاستراتيجي على المستوى العالمي. وفي ميدان الروبوتات العسكرية، أنتجت الصين أنظمة بأسعار تكسر كل المعادلات السائدة: مقاتل آلي بتكلفة تُعادل جزءاً صغيراً مما ينفقه الغرب على وحدات مماثلة، مما يُفتح أمام بكين أفق جيوش آلية بكميات لا يستطيع أي منافس مجاراتها.
المغرب وزمن الفرص الاستراتيجية
في خضم هذه التحولات الكبرى، يقف المغرب في موقع لم يكن متاحاً لأي دولة صاعدة منذ عقود: موقع من يملك خيارات حقيقية. فالمملكة التي كانت تُعرَّف تقليدياً بكونها حليفاً غربياً بالدرجة الأولى، باتت اليوم تنسج علاقات متعددة الأبعاد تعكس قراءة استراتيجية ناضجة لعالم تتفكك فيه القطبية الأحادية أمام أعيننا.
فعلى الصعيد الصيني، حصل المغرب على مكانة “الشريك المحوري” في إطار الخطة الخمسية الصينية 2026-2030، مع فتح آفاق للتعاون في نقل التكنولوجيا وقطاع الطاقة المتجددة وإلغاء الرسوم الجمركية، وبلغت التبادلات التجارية بين البلدين 60 مليار درهم في النصف الأول من 2025 بارتفاع 19% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. كما أصبحت الصين ثالث مستثمر أجنبي في المغرب، وتُجسّد مدينة محمد السادس طنجة تك نموذجاً ملموساً لهذا التعاون التصنيعي والرقمي، فيما رسّخت شركة BYD الصينية حضورها في القطاع الصناعي المغربي بوصفها جزءاً من منظومة صناعة السيارات الكهربائية في المملكة. وعلى صعيد الصحراء المغربية، أبدت الصين دعمها لمبدأ الحل السياسي المتفاوض عليه عبر امتناعها الاستراتيجي في مجلس الأمن، في مقابل دعم مغربي ثابت لمبدأ “الصين الواحدة” — وهو ما يُرسّخ قاعدة تبادل المصالح على أسس متكافئة.
وعلى الصعيد الروسي، أسفر اجتماع الجالس المشترك في أكتوبر 2025 بموسكو عن إبرام ثلاثة اتفاقيات قطاعية في مجالات الصيد البحري والجمارك والتعريفات التجارية مع الفضاء الأوراسي، كما أُعلن عن تأسيس لجنة عمل مشتركة بين وزارتَي الخارجية لتقييم الشراكة الاستراتيجية وصياغة آفاق جديدة للتعاون. وقد آثر المغرب اعتماد موقف الحياد البنّاء من الحرب الأوكرانية، موقف قرأه كثير من المحللين بوصفه دفاعاً عن سيادة قرار القانون الدولي بعيداً عن الانجرار إلى محاور عسكرية مسبقة الولاء.
الرهان المغربي اليوم ليس الاختيار بين الغرب والشرق، فهذه ثنائية تجاوزها الزمن. بل هو تحويل الموقع الجغرافي والديموغرافي والاقتصادي إلى رافعة تفاوضية في عالم متعدد الأقطاب. فالمغرب الذي يمتلك 70% من احتياطيات الفوسفات العالمي، ويُشكّل بوابة استراتيجية بين أوروبا وأفريقيا ومحور الحزام والطريق، لا يحتاج إلى أن يُقدّم نفسه حليفاً مطيعاً لأحد. بل يملك من المقومات ما يجعله شريكاً لا غنى عنه لجميع الأقطاب في آنٍ واحد.
وماذا عن العالم العربي؟
للإجابة عن هذا السؤال بصدق، ينبغي الاعتراف بحقيقة مزعجة: العالم العربي لم يُحسن تاريخياً توظيف التحولات الكبرى في النظام الدولي لصالحه. ففي الحرب الباردة، انقسمنا بين معسكرَين، وخسرنا في الحالتَين هامش الاستقلالية الحقيقي. ثم مع اللحظة الأحادية القطبية بعد 1991، وجدنا أنفسنا في منطقة خضعت لتدخلات عسكرية وإملاءات سياسية لم تُفضِ في معظمها إلى الاستقرار الذي وُعدنا به.
اليوم تُتاح فرصة مختلفة. ما يعني نظرياً هامشاً أوسع للدول العربية لصياغة خياراتها. لكن ذلك لن يحدث تلقائياً، بل يستلزم دبلوماسية نشطة ورؤية استراتيجية واضحة وقدرة على بناء تحالفات متعددة الأبعاد دون الوقوع في فخ الاصطفاف الأعمى مع أي طرف.
الدرس الصيني هنا بالغ الدلالة: بكين لم تختر يوماً بين الغرب والشرق، بل وسّعت دائرة خياراتها قبل أن تُضيّقها. وروسيا بدورها حافظت على ورقة الطاقة والتسليح أداةً للتفاوض لا للتنازل. ما يحتاجه العالم العربي هو أن يُعامل موارده النفطية والغازية والمعدنية وموقعه الجغرافي المتوسط بين القارات بنفس المنطق: لا كورقة تُستهلك في تحالفات ثابتة، بل كرافعة تفاوضية تتجدد قيمتها في كل لحظة يتغير فيها الميزان.