وجهة نظر

متى سيشيخ المغرب؟

منذ سنوات، كان الحديث عن انخفاض معدلات الولادة في المغرب يرتبط أساساً بالمدن الكبرى، حيث ارتفعت تكاليف المعيشة وتغيرت أنماط الحياة وتزايد انخراط النساء والرجال في سوق الشغل. لكن ما يلفت الانتباه اليوم هو أن الظاهرة لم تعد حكراً على المدن، بل بدأت تمتد بشكل واضح إلى القرى والبوادي، بما فيها المناطق التي كانت تُعرف تاريخياً بارتفاع معدلات الإنجاب وكثرة الأطفال داخل الأسرة الواحدة.

هذا التحول ليس مجرد رقم في تقارير الإحصاء، بل هو انعكاس لتغير عميق في نظرة المجتمع المغربي إلى الأسرة والحياة والمستقبل.

في الماضي، كان إنجاب عدد كبير من الأبناء أمراً عادياً بل ومطلوباً أحياناً. فالأطفال كانوا يمثلون قوة إضافية للأسرة، ويساهمون في الفلاحة والرعي والأعمال اليومية. كما أن الأسرة الممتدة كانت توفر شبكة من التضامن والدعم؛ فالجدات والأعمام والعمات والجيران كانوا يشاركون، بشكل أو بآخر، في تربية الأطفال والعناية بهم.

أما اليوم فقد تغيرت الظروف. أصبح الأب والأم يتحملان وحدهما تقريباً مسؤولية التربية والتعليم والرعاية الصحية والتوجيه والمتابعة اليومية. وأصبحت تكلفة تربية الطفل مرتفعة بشكل لم يكن مطروحاً في السابق، سواء تعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو النقل أو السكن أو متطلبات الحياة الحديثة بشكل عام.

كما أن ثقافة المجتمع نفسها تغيرت تحت تأثير التعليم والعولمة ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. لم يعد النجاح يقاس بعدد الأبناء، بل بقدرة الأسرة على توفير ظروف جيدة لهم. وأصبحت الأولوية لدى الكثير من الآباء والأمهات هي ضمان تعليم جيد ومستقبل مستقر لأطفالهم، ولو كان عددهم قليلاً.

لقد انتقل المجتمع المغربي تدريجياً من منطق “كثرة الأبناء” إلى منطق “جودة الحياة”. فالكثير من الأسر أصبحت تفضل طفلين أو ثلاثة يحصلون على تعليم جيد ورعاية أفضل، بدل عدد كبير من الأبناء قد يصعب توفير الظروف المناسبة لهم.

ويبدو أن هذا التحول أصبح أكثر وضوحاً في القرى والمناطق النائية، حيث بدأت الأسر تتبنى نفس التصورات التي كانت سائدة في المدن قبل سنوات. لذلك لم يعد مستغرباً أن نلاحظ تراجع أعداد الأطفال في بعض الدواوير، أو انخفاض أعداد التلاميذ في بعض المؤسسات التعليمية مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود الماضية.

لكن السؤال الأهم ليس لماذا انخفضت الولادات، بل ماذا سيحدث إذا استمر هذا التراجع؟

إن التجارب الدولية تظهر أن استمرار انخفاض الخصوبة لفترات طويلة يؤدي في النهاية إلى شيخوخة المجتمع. فكلما قل عدد المواليد، تراجعت نسبة الشباب وارتفعت نسبة المسنين. وهذا ما عرفته العديد من الدول الأوروبية والآسيوية التي أصبحت تواجه اليوم تحديات كبيرة مرتبطة بنقص اليد العاملة وارتفاع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية.

في الجنوب الشرقي للمغرب، تبدو بعض ملامح هذا التحول أكثر وضوحاً. فالهجرة نحو المدن أو الخارج أصبحت خياراً واسع الانتشار بين الشباب، مما أدى إلى إفراغ عدد من القرى من جزء مهم من طاقاتها البشرية. ومع انخفاض الولادات من جهة واستمرار الهجرة من جهة أخرى، بدأت بعض المناطق تعرف تراجعاً ملحوظاً في عدد الأطفال والشباب القادرين على العمل والإنتاج.

وقد يكون من المبكر الحديث عن أزمة ديموغرافية، لكن من الصعب تجاهل المؤشرات الحالية. فاليد العاملة البسيطة التي كانت متوفرة بكثرة في الفلاحة والبناء والأشغال الموسمية أصبحت أقل عدداً مما كانت عليه في السابق. وإذا استمرت هذه الاتجاهات لعقود أخرى، فقد يجد المغرب نفسه مضطراً إلى استقطاب عمال من بلدان أخرى لسد الخصاص في بعض القطاعات، كما هو الحال اليوم في العديد من الدول الأوروبية التي تعيش آثار الشيخوخة السكانية.

ولا يعني هذا أن انخفاض الولادات أمر سلبي بالمطلق، فله جوانب إيجابية عديدة مرتبطة بتحسين ظروف العيش ورفع مستوى التعليم وتعزيز فرص النجاح الفردي. لكن التحدي يكمن في إيجاد التوازن بين تحسين جودة الحياة والحفاظ على حيوية المجتمع وتجدد أجياله.

لقد انتقل المغرب خلال عقود قليلة من التخوف من الانفجار السكاني إلى التساؤل حول مستقبل التوازن الديموغرافي. وما يحدث اليوم في المدن والقرى على حد سواء يؤكد أن المجتمع المغربي يعيش تحولاً تاريخياً عميقاً قد تتضح نتائجه أكثر خلال العقود القادمة.

لذلك فإن السؤال لم يعد: لماذا تنخفض الولادات في المغرب؟ بل أصبح: هل بدأ المغرب فعلاً مساره نحو الشيخوخة السكانية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نحن مستعدون منذ الآن لمواجهة آثارها الاقتصادية والاجتماعية؟

إن المؤشرات الحالية تدعونا إلى التفكير الجاد في هذا الموضوع، لأن الشيخوخة لا تحدث فجأة، بل تبدأ بخطوات صغيرة وصامتة. وربما تكون هذه الخطوات قد بدأت بالفعل.