وجهة نظر

جهة درعة تافيلالت بين الفقر التنموي وهيمنة الأباطرة السياسيين

رغم ما تزخر به جهة درعة تافيلالت من مؤهلات طبيعية وسياحية ومعدنية وثقافية مهمة، فإنها لا تزال تعاني من اختلالات تنموية عميقة تجعلها ضمن الجهات التي تواجه تحديات كبيرة على مستوى التشغيل والاستثمار والبنية التحتية والخدمات الأساسية. وبينما تتطلع الساكنة إلى مشاريع تنموية حقيقية قادرة على تحسين ظروف العيش وتحقيق العدالة المجالية، يبدو أن جزءاً مهماً من المشهد السياسي منشغل بحسابات أخرى لا تلامس انتظارات المواطنين ولا تستجيب لأولويات المرحلة.

فمع اقتراب كل محطة انتخابية، تتسارع وتيرة البحث عن التزكيات الحزبية، وتتكاثر الولائم والتجمعات واللقاءات المغلقة داخل المنازل الفاخرة والصالونات المكيفة، في مشهد يوحي بأن الصراع على المواقع والمناصب أصبح يتقدم على النقاش الجاد حول قضايا التنمية. ونسأل الله أن يديم الخير والرخاء على الجميع، لكن المواطن البسيط يتساءل: ماذا تحقق للجهة من تنمية؟ وأين هي المشاريع المهيكلة القادرة على خلق فرص الشغل ومحاربة الهشاشة وفك العزلة عن المناطق النائية؟

إن ما يزيد من حالة النفور السياسي، خاصة لدى الشباب، هو استمرار بعض الممارسات التي تعكس نوعاً من التعنت والتعالي وهيمنة ما يمكن تسميتهم بالأباطرة السياسيين الذين راكموا النفوذ والمال والعلاقات على مدى سنوات طويلة، حتى أصبح المشهد السياسي في نظر الكثيرين مجالاً مغلقاً أمام الطاقات الجديدة والكفاءات الشابة.

لقد ترسخت لدى فئات واسعة من المواطنين قناعة مؤلمة مفادها أن النجاح السياسي لم يعد مرتبطاً بالكفاءة أو الرؤية أو القدرة على خدمة الصالح العام، بل أصبح في كثير من الأحيان مرتبطاً بحجم الإمكانيات المالية وشبكات النفوذ والعلاقات. فعندما تُعقد اللقاءات السياسية داخل فضاءات مترفة وصالونات مكيفة تقي أصحابها لهيب الشمس الحارقة، بينما يعيش المواطن البسيط تحت ضغط البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وقسوة الظروف الاجتماعية، تتسع الفجوة بين المنتخب والناخب، وبين الخطاب السياسي والواقع اليومي للساكنة.

ويزداد هذا الشعور حدة لدى الشباب الذين يشاهدون الوجوه نفسها تتكرر في كل الاستحقاقات، بينما تتراجع فرص الكفاءات الجديدة في الولوج إلى مواقع المسؤولية. وهو ما يخلق انطباعاً عاماً بأن السياسة أصبحت حكراً على فئة محدودة تمتلك المال والنفوذ، في حين تُقصى الطاقات الشابة التي يمكن أن تضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة وتساهم في بلورة حلول مبتكرة لمشكلات الجهة.

إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الولائم ولا بحجم الحضور في المناسبات السياسية، بل بقدرة الفاعلين العموميين على تحويل الوعود إلى مشاريع ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية. فجهة درعة تافيلالت لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات، بل إلى رؤية تنموية واضحة، وإلى نخب سياسية تؤمن بأن خدمة المواطن هي جوهر العمل العام، وأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفاً.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة لمنظومة العمل السياسي والحزبي بما ينسجم مع تطلعات الأجيال الجديدة ومتطلبات المرحلة الراهنة. فالمسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الأحزاب وحدها، بل تشمل مختلف المؤسسات المعنية بتأطير الحياة السياسية وضمان تطورها بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة في المؤسسات.

لقد أظهرت التجارب المتراكمة أن العديد من الآليات التقليدية في التدبير الحزبي والانتخابي أصبحت عاجزة عن استقطاب الشباب وإقناعهم بالمشاركة الفاعلة في الشأن العام. كما أن استمرار هيمنة منطق الأعيان والمال والنفوذ يساهم في إضعاف الثقة في المؤسسات المنتخبة ويحد من فرص تجديد النخب السياسية.

إن المرحلة الحالية تقتضي اعتماد مقاربات جديدة تجعل من المصلحة العامة للساكنة محوراً أساسياً لكل إصلاح سياسي، وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والطاقات المحلية للمساهمة في صناعة القرار. كما تستوجب الانتقال من منطق المنافسة الانتخابية التقليدية إلى رؤية أكثر حداثة تعتمد على الكفاءة والبرامج والنتائج القابلة للقياس والتقييم.

فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وشباب القرن الحادي والعشرين يمتلك وعياً مختلفاً وتطلعات جديدة وأدوات حديثة لفهم الواقع ومساءلة الفاعلين السياسيين. لذلك فإن تجديد الحياة السياسية لم يعد ترفاً سياسياً ولا مطلباً نخبوياً، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان استمرارية الثقة في المؤسسات وتعزيز المسار الديمقراطي والتنموي.

أما الإبقاء على الأنماط التقليدية نفسها، وعلى الوجوه والأساليب ذاتها، فإنه قد يؤدي إلى مزيد من العزوف والإحباط، ويجعل الحياة السياسية أقل قدرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي يكمن في بناء نموذج سياسي جديد، أكثر انفتاحاً وعدالة ونجاعة، يضع المواطن في صلب الاهتمام، ويجعل من التنمية والكرامة وتكافؤ الفرص أهدافاً فوق كل اعتبار.

إن جهة درعة تافيلالت لا تحتاج إلى صراعات التزكيات بقدر ما تحتاج إلى تنافس حقيقي حول المشاريع والأفكار والبرامج. ولا تحتاج إلى استعراض النفوذ بقدر ما تحتاج إلى استثمار الثقة في الإنسان. فالتاريخ لا يخلد أصحاب الولائم والصالونات، بل يخلد من تركوا أثراً تنموياً حقيقياً في حياة الناس، ومن جعلوا من السياسة جسراً للتنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية.