كثيراً ما نتحدث عن الإصلاح، ونطالب بتطوير الإدارة، وتحسين أداء المؤسسات العمومية، والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وتُعقد الاجتماعات، وتُعد البرامج والاستراتيجيات، وتُرصد الميزانيات، وتُرفع الشعارات، لكن النتائج في بعض الأحيان تبقى دون مستوى التطلعات.
والسبب في ذلك أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ دائماً من القوانين أو المخططات أو الموارد المالية، بل يبدأ أولاً من الإنسان الذي يتولى المسؤولية، ومن الطريقة التي ينظر بها إلى موقعه ودوره في خدمة المصلحة العامة.
لقد أكد جلالة الملك محمد السادس، في العديد من خطاباته منذ اعتلائه العرش، على مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، ومحاربة كل أشكال المحسوبية والزبونية والريع، واعتماد الكفاءة والاستحقاق أساساً لتولي المسؤوليات وتدبير الشأن العام. وهي مبادئ لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تحلى المسؤول بالنزاهة والتجرد والحياد.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن أول خطوة في طريق الإصلاح هي أن ينجح المسؤول في إخراج نفسه وأهله وأصدقاءه ومعارفه من المعادلة عند اتخاذ القرار.
فالمسؤول الذي يسعى إلى خدمة الصالح العام لا ينبغي أن ينظر إلى المؤسسة أو الإدارة التي يشرف عليها باعتبارها مجالاً لتحقيق مصالح شخصية أو عائلية أو فئوية، بل باعتبارها أمانة ومسؤولية تجاه جميع المواطنين على قدم المساواة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي إدارة أو مؤسسة هو أن تصبح العلاقات الشخصية أقوى من القانون، وأن تتحول القرارات إلى وسيلة لمكافأة المقربين أو خدمة الأصدقاء أو منح الامتيازات لمن تربطهم بالمسؤول صلات خاصة. ففي مثل هذه الأجواء تضيع الكفاءات، وتُهدر الفرص، وتتراجع الثقة، ويصبح الإصلاح مجرد شعار جميل يفتقد إلى المضمون.
أما عندما يضع المسؤول مسافة واضحة بين مسؤولياته العمومية وعلاقاته الشخصية، فإنه يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرارات السليمة، وأكثر حرية في محاربة الاختلالات، وأكثر قوة في فرض احترام القانون على الجميع دون استثناء.
إن الموظف المجد يحتاج إلى الشعور بأن ترقيته مرتبطة بكفاءته واجتهاده، لا بقربه من هذا المسؤول أو ذاك. والمقاول يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن الصفقات العمومية تخضع للمنافسة الشريفة والشفافية. والمواطن يحتاج إلى الثقة في أن حقوقه لن تتأثر بنفوذ الآخرين أو علاقاتهم.
ولهذا فإن الكفاءة والاستحقاق والشفافية ليست مجرد شعارات إدارية، بل هي شروط أساسية لتحقيق التنمية وتحسين الأداء واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات.
ولعل من أصعب الاختبارات التي تواجه أي مسؤول هي قدرته على قول “لا” عندما يتعلق الأمر بطلب غير مشروع صادر عن قريب أو صديق أو شخص ذي نفوذ. فهنا يظهر الفرق بين من يعتبر المسؤولية خدمة للوطن والمواطنين، ومن يعتبرها فرصة لتوزيع الامتيازات وإرضاء المقربين.
إن الدول والمؤسسات الناجحة لم تصل إلى ما وصلت إليه بسبب كثرة القوانين فقط، بل لأنها نجحت في جعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وربطت الحقوق والواجبات بالكفاءة والاستحقاق، ووضعت حداً لتضارب المصالح ولتأثير العلاقات الشخصية على القرار العمومي.
إن المواطن المغربي اليوم يتطلع إلى إدارة أكثر نزاهة وفعالية، وإلى مسؤولين يجعلون خدمة الوطن فوق كل الحسابات الضيقة. وهو طموح مشروع ينسجم مع التوجيهات الملكية الرامية إلى بناء إدارة حديثة ومنصفة وقادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من قرار بسيط في مظهره، عظيم في أثره: أن يخرج المسؤول نفسه وأهله وأصدقاءه ومعارفه من المعادلة، وأن يجعل القانون والكفاءة والعدالة هي المرجع الوحيد في قراراته.
فعندما تنتصر المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وعندما يتساوى الجميع أمام القانون، وعندما يصبح الاستحقاق هو الطريق الوحيد إلى المسؤولية والامتياز، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن إصلاح حقيقي ينعكس أثره على حياة المواطنين ويقود إلى تنمية مستدامة وشاملة.