وجهة نظر

بين التعطيل العملي للدستور ومدى ضرورة التدخل الملكي لحماية الاختيار الديمقراطي

يعد البرلمان من أهم مؤسسات الرقابة الشعبية على المؤسسات، ويعتبر النائب البرلماني حسب نص الدستور ممثلاً للأمة، وأن مفهوم الأمة يتجاوز مفهوم المواطنة، وفكرة الانتماء الحزبي، بحيث إن الدستور والقانون التنظيمي لمجلس النواب ليس فيه ما يجعل النائب ملزماً بالتصويت حسب انتسابه الحزبي، وهذا من أجل تمكين هاته المؤسسة التي هي ثالث أهم مؤسسة بعد الملك ورئيس الحكومة.

إلا أن هاته المؤسسة (البرلمان) ممثل الأمة قد يطرأ عليه بعض الاستثناءات أو الحالات التي تعيق آليات اشتغال المجلس، وهنا نستحضر أيضاً فلسفة بني عليها الدستور المغربي ألا وهي التكامل والتعاون، حيث إنه لا مؤسسة مستقلة استقلالاً تاماً، وهذا ما يجعل كل المؤسسات تتعاون وتتكاتف فيما بينها قصد تجويد القرار العمومي.

لكن ما استُحدث أثناء هاته الولاية التشريعية هو تداخل عنصرين: الأول حكومة تقرر وأغلبيتها مضمونة قبل طرح القوانين على البرلمان، مقابل أن المعارضة مجتمعة ليس لها أن تفرض أي شيء، وانضاف إلى هاته المعضلة نواب تجردوا من فكرة تمثيل الأمة إلى شكل من أشكال عصبية الانتماء الحزبي، فأصبحت عندنا أغلبية معيبة حيث إن الأغلبية البرلمانية تمارس دورها بمنطق الانضباط السياسي الداعم للبرنامج الحكومي، في حين تراجعت قدرة المعارضة على التأثير في مسار التشريع والرقابة، الأمر الذي أفرز نوعاً من الاختلال في التوازن الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين الحكومة والمعارضة داخل المؤسسة التشريعية.

قد يعتبر البعض أن المعارضة خصم سياسي، لكنها أيضاً من ضرورات الدولة الديمقراطية التي يجب أن يضمن لها هذا الحق حق التدافع السياسي، وحق ضمان التوازن بينها وبين الأغلبية، كي لا يصبح القرار العمومي حصراً في يد الحكومة ويصبح البرلمان فقط قاعة للمصادقة على كل مشاريع القوانين التي تنتجها الحكومة دون تجويد هاته النصوص من طرف المعارضة ومقترحاتها وتعديلاتها.

هنا يأتي دور المؤسسة الملكية كضامن للاستقرار، وكضامن لحسن سير المؤسسات، فعنصر التوازن الذي من المفروض أن يساعد مؤسسة المعارضة في القيام بواجباتها المنوطة بها دستورياً، لأن عدم التوازن بين أدوار المعارضة والحكومة هو وضع ما قبل للدستور ولا يمكن أن يصححه إلا التحكيم أو المبادرات الملكية.

هنا نستحضر الأزمة البرلمانية في عدم قدرة فرق المعارضة على تفعيل أو القيام بأي من الأدوار التي تتيحها لهم النيابة عن الأمة، خاصة وأنه في هاته الولاية الحكومية، ولثاني مرة، لم تستطع فرق المعارضة التمكن من تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، فمنذ 2021 أظهرت حالتا الغازوال الروسي ودعم استيراد المواشي أن آلية لجنة تقصي الحقائق أصبحت عملياً رهينة بالتوازنات العددية داخل البرلمان. فعندما تعجز المعارضة عن تأمين العدد المطلوب أو عندما يُستعاض عن اللجنة بآليات رقابية أضعف (المقصود هنا المهمة الاستطلاعية)، ويطرح هنا السؤال حول مدى فعالية الرقابة البرلمانية وحول الحاجة إلى تفعيل المقتضى الدستوري الذي يمنح الملك حق المبادرة إلى إحداث لجان تقصي الحقائق عند وجود مصلحة عامة تستدعي كشف الحقيقة.

نستحضر أيضاً الفصل 42 من الدستور، والذي ينص على أن الملك هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى، والضامن لدوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي. وتكمن أهمية هذا الفصل في كونه لا يختزل دور المؤسسة الملكية في ممارسة اختصاصات محددة فقط، بل يمنحها أيضاً وظيفة التحكيم والتوازن كلما برز اختلال قد يؤثر على السير العادي للمؤسسات أو على ممارسة إحدى السلط لاختصاصاتها الدستورية بشكل كامل. ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول محدودية بعض آليات الرقابة البرلمانية أو حول الصعوبات التي تواجهها المعارضة في ممارسة أدوارها الدستورية لا يمكن مناقشته في معزل عن فلسفة الفصل 42، باعتباره المقتضى الدستوري الذي يضمن بقاء المؤسسات في حالة توازن وتكامل، ويحول دون تحول الاختلالات الظرفية أو العددية إلى أعطاب مؤسساتية دائمة قد تؤثر على جودة الممارسة الديمقراطية وثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

فإذا كان الملك هو الضامن لحسن سير المؤسسات الدستورية والساهر على صيانة الاختيار الديمقراطي، وإذا كانت آلية لجنة تقصي الحقائق أصبحت عملياً غير قابلة للتفعيل من طرف المعارضة بسبب التوازنات العددية داخل البرلمان، فإلى أي حد يمكن اعتبار المبادرة الملكية المنصوص عليها في الفصل 67 آلية دستورية مشروعة لإعادة التوازن إلى الوظيفة الرقابية للبرلمان؟

فوجوباً أن نستحضر مبدأ الاختيار الديمقراطي وفلسفة الدستور حول مدى مشروعية وملاءمة اللجوء إلى المبادرة الملكية عبر تفعيل الآلية التي يكفلها الدستور في فصله 67 (…..علاوة على اللجان الدائمة المشار إليها في الفقرة السابقة، يجوز أن تشكل بمبادرة من الملك، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، لجان نيابية لتقصي الحقائق، يُناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها…..).

فإن فلسفة الاختيار الديمقراطي تقوم على ضمان الحق في تفعيل كل الآليات الدستورية، حيث إنه في الحالة التي نناقشها وهي صعوبة تفعيل الفصل 67 من الدستور من طرف فرق المعارضة، انتبه له المشرع الدستوري حيث إنه لم يحصر إحداث لجان تقصي الحقائق في المبادرة البرلمانية فقط، إنما وسّع من نطاقها ليشمل ثلاث جهات مختلفة في المبادرة وهي: الملك، ثم ثلث أعضاء مجلس النواب، وثلث أعضاء مجلس المستشارين. وهذا التعدد في مصادر الإحالة يعكس إرادة واضحة في جعل هذه الآلية الرقابية أداة مرنة تُفعل كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، دون أن تبقى رهينة لتوازنات سياسية ظرفية داخل إحدى غرفتي البرلمان.

كما يتبين من مضمون نفس الفقرة أن وظيفة هذه اللجان تنحصر في جمع المعطيات المرتبطة بوقائع معينة أو بتدبير المرافق والمؤسسات والمقاولات العمومية، ثم رفع نتائج أعمالها إلى المجلس الذي أنشأها، ويمكنها هذا القيام بالعمل الرقابي الموسع لضمان الشفافية، وكذلك لإحالة الملف إن كانت خروقات قانونية على السلطة القضائية عبر رئيس مجلس النواب.

لكن أمام صعوبة القيام بهذا الدور لثاني مرة خلال هاته الولاية أصبح يستدعي المبادرة الملكية، التي قد تعتبر أنها تدخل في أدوار المؤسسة التشريعية أو تميل لكفة المعارضة مقابل الحكومة، لكن أيضاً عدم قدرة تفعيل المبادرة من طرف المعارضة هو في حد ذاته تعطيل عملي للدستور، وتصحيحه لا يمكن أن يكون إلا عبر المبادرة الملكية، وبالتالي فإنه من صميم الحفاظ على حسن سير البرلمان قد يعتبر أنها المنفذ كي لا يُعطل العمل الدستوري والذي بلغ في هاته الولاية مرحلة الانسداد الكلي لأي دور رقابي يقره الدستور للمعارضة.

تأسيساً على كل ما سبق، يتضح أن الإشكال المطروح ليس مرتبطاً فقط بمدى فعالية آلية دستورية معزولة، إنما قد نعتبره حياداً عن بنية التوازن التي يقوم عليها العمل البرلماني في ارتباطه بباقي المؤسسات الدستورية. حيث أبانت التجربة البرلمانية خلال هذه الولاية التشريعية عن صعوبة عملية في تفعيل بعض أدوات الرقابة، وعلى رأسها لجان تقصي الحقائق، نتيجة التداخل بين المعطى الدستوري المرتبط بشروط التفعيل، والمعطى السياسي المرتبط بموازين القوى داخل المؤسسة التشريعية.

كذلك إذا ما استقرأنا الفصلين 42 و67 يتأكد أن الدستور المغربي لم يقم على منطق الفصل الجامد بين السلط بقدر ما يقوم على منطق التكامل والتوازن بينها، حيث تسند وظيفة ضمان السير العادي للمؤسسات وصيانة الاختيار الديمقراطي إلى المؤسسة الملكية، في مقابل منح البرلمان أدوات رقابية وتشريعية يفترض أن تمارس في إطار توازن سياسي فعال. غير أن تعثر تفعيل بعض هذه الأدوات يطرح إشكال الفعالية أكثر مما يطرح إشكال المشروعية، ويفتح النقاش حول مدى قدرة التصميم الدستوري الحالي على ضمان اشتغال متوازن للرقابة البرلمانية؛ وعليه فإن المبادرة الملكية المنصوص عليها في الفصل 67 يمكن النظر إليها، في إطار فلسفة الدستور، كآلية استثنائية موجهة أساساً لضمان استمرارية الوظيفة الرقابية حينما تواجه صعوبات عملية في التفعيل، دون أن يعني ذلك المساس باختصاصات البرلمان أو إحلال مؤسسة محل أخرى. فهي تظل جزءاً من الهندسة الدستورية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين المؤسسات، وضمان أن لا تتحول الاختلالات الظرفية في موازين القوى السياسية إلى عائق دائم أمام ممارسة الرقابة على تدبير الشأن العام.

هذا أيضاً ما بنيت عليه الفلسفة الدستورية، وهو ما يمكن أن نعتبر أن الفصلين 67 والفصل 42 وظيفتهما الأساسية أن لا يصل البرلمان في مرحلة معينة إلى انسداد يجعل تفعيل النص الدستوري غير قابل لأن يُعطّل، حتى ولو كانت للحكومة 80% من البرلمان، تبقى المظلة الملكية ضامناً وحكماً على أي تغوّل قد يعيق منطق وفلسفة النص الدستوري.