منتدى العمق

القانون رقم 14.25 المغير والمتمم للقانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية: بين رهانات الحكامة الجبائية وإشكالات التنزيل

مقدمة

تعد الجبايات المحلية إحدى الدعائم الأساسية للمالية العمومية المحلية، بالنظر إلى دورها المحوري في تمويل الجماعات الترابية وتمكينها من الاضطلاع باختصاصاتها الدستورية والقانونية. فبقدر ما تتوفر الجماعات الترابية على موارد مالية ذاتية ومستقرة، بقدر ما تكون قادرة على تحقيق التنمية الترابية وتقديم خدمات عمومية تستجيب لحاجيات المواطنين. ومن هذا المنطلق، كرس دستور المملكة المغربية لسنة 2011 مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية، وربط ممارسة اختصاصاتها بتوفير الموارد المالية الضرورية لمباشرة مهامها في إطار الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.¹

غير أن التجربة العملية لتطبيق القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية أظهرت وجود مجموعة من الإكراهات المرتبطة بتعدد المتدخلين في تدبير الرسوم المحلية، وضعف مردودية بعضها، وتعقد مساطر التحصيل والمنازعات المرتبطة بها، فضلاً عن التفاوتات المجالية التي تعرفها الجماعات الترابية من حيث الإمكانات المالية والقدرات التدبيرية.²

وفي سياق الإصلاحات الكبرى التي شهدها النظام الجبائي المغربي، جاءت توصيات المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات لتؤكد ضرورة مراجعة الجبايات المحلية وفق مقاربة تقوم على تبسيط الرسوم وتحقيق العدالة الجبائية وتحسين الحكامة المالية المحلية. كما عزز القانون-الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي هذا التوجه، ولاسيما من خلال المادتين التاسعة والعاشرة اللتين أكدتا على ضرورة تحديث الجبايات المحلية والرفع من مردوديتها المالية.³

وتنزيلاً لهذه التوجهات، صدر القانون رقم 14.25 المغير والمتمم للقانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7412 بتاريخ 12 يونيو 2025، بهدف ترشيد وعاء الجبايات المحلية، وإعادة توزيع الاختصاصات بين مختلف المتدخلين، وإرساء نمط حكامة جبائية أكثر فعالية وشفافية.⁴

وانطلاقاً مما سبق، يثار التساؤل الآتي: إلى أي حد نجح القانون رقم 14.25 في تعزيز حكامة الجبايات المحلية وتحقيق النجاعة الجبائية، وما هي أبرز الإشكالات القانونية والعملية التي يثيرها تنزيل مقتضياته؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع وفق المحاور التالية: أولاً: مستجدات القانون رقم 14.25؛ ثانياً: الأبعاد التدبيرية والمالية للإصلاح؛ وثالثاً: الإشكالات القانونية والعملية المرتبطة بتنزيله.

أولاً: مستجدات القانون رقم 14.25 المغير والمتمم للقانون رقم 47.06

يشكل القانون رقم 14.25 محطة مهمة في مسار إصلاح الجبايات المحلية بالمغرب، بالنظر إلى ما تضمنه من تعديلات جوهرية تروم تحديث تدبير الرسوم المحلية وتعزيز مردوديتها المالية وتحسين الحكامة الجبائية.

1. إسناد تدبير بعض الرسوم المحلية إلى المديرية العامة للضرائب

من أبرز المستجدات التي جاء بها القانون إسناد مهمة إصدار وتحصيل رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية إلى المديرية العامة للضرائب، بالإضافة إلى الرسم المهني الذي كانت تتولى تدبيره سابقاً. ويعكس هذا الاختيار توجه المشرع نحو توحيد تدبير الرسوم الكبرى داخل إدارة جبائية متخصصة تتوفر على الخبرة التقنية والموارد البشرية والأنظمة المعلوماتية اللازمة لتحسين جودة التدبير الجبائي.⁵

كما تم تمكين مصالح المديرية العامة للضرائب من ملفات الملزمين المتعلقة بالرسمين المذكورين، والتي سبق تحويلها إلى الخزينة العامة للمملكة، قصد تصفية وإصدار وتحصيل الرسوم والبت في المطالبات والمنازعات المرتبطة بها.⁶

وترتيباً على ذلك، حل المدير العام للضرائب محل الخازن العام للمملكة في جميع القضايا المعروضة أمام المحاكم والمتعلقة برسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، بما يحقق الانسجام بين سلطة التدبير وسلطة التقاضي.⁷

ويعكس هذا التوجه إرادة المشرع في إرساء حكامة جبائية تقوم على توحيد الاختصاصات وتقليص تشتت المتدخلين، بما ينسجم مع مبادئ النجاعة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

2. تعزيز دور القباض الجماعيين

بالموازاة مع نقل بعض الاختصاصات إلى المديرية العامة للضرائب، حافظ القانون على تدبير عدد من الرسوم المحلية من طرف المصالح الجبائية للجماعات الترابية، مع إسناد مهمة تحصيلها إلى القباض الجماعيين المعينين بقرار مشترك بين السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية.⁸

ويخول القانون لهؤلاء القباض مباشرة مختلف إجراءات التحصيل، بما فيها التحصيل الجبري، الأمر الذي من شأنه الرفع من فعالية استخلاص الموارد الجبائية المحلية وتقليص المتأخرات الضريبية.

كما نص القانون على حلول القابض الجماعي محل الخازن العام للمملكة في القضايا المرتبطة بتحصيل هذه الرسوم، وهو ما ينسجم مع مبدأ إسناد المسؤولية للجهة المختصة بالتدبير والتحصيل.

3. مراجعة أسعار الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية

من بين المستجدات الجوهرية التي جاء بها القانون رقم 14.25 مراجعة أسعار الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، من خلال ربطها بمستوى التجهيز الذي تعرفه المناطق التي توجد بها العقارات الخاضعة للرسم.⁹

وفي هذا الإطار، حدد المشرع سعر الرسم بالنسبة للمناطق المجهزة ما بين 15 و30 درهماً للمتر المربع، بينما يتراوح بين 5 و15 درهماً بالنسبة للمناطق متوسطة التجهيز، وبين 0.5 ودرهمين بالنسبة للمناطق ضعيفة التجهيز.¹⁰

ويهدف هذا التصنيف إلى تحقيق العدالة الجبائية المجالية من خلال ربط العبء الجبائي بمستوى الخدمات العمومية والبنيات التحتية المتوفرة، فضلاً عن الحد من المضاربة العقارية وتشجيع الاستثمار العقاري المنتج.

ثانياً: الأبعاد التدبيرية والمالية للإصلاح

من المرتقب أن يساهم القانون رقم 14.25 في تعزيز مردودية الجبايات المحلية وتحسين حكامتها من خلال توحيد تدبير بعض الرسوم داخل إدارة متخصصة تتوفر على الإمكانيات البشرية والتقنية اللازمة.

كما أن اعتماد أنظمة معلوماتية متطورة من طرف المديرية العامة للضرائب من شأنه تحسين عمليات الإحصاء الجبائي وتوسيع الوعاء الضريبي ومحاربة التهرب الجبائي، بما ينعكس إيجاباً على الموارد المالية للجماعات الترابية.¹¹

ويتيح هذا الإصلاح أيضاً تعزيز الشفافية والوضوح في توزيع الاختصاصات بين مختلف المتدخلين، وتقليص المنازعات الإدارية المرتبطة بتداخل المسؤوليات، فضلاً عن تحسين جودة الخدمات المقدمة للملزمين.

وعلى المستوى المالي، من شأن تحسين استخلاص الرسوم المحلية أن يعزز الاستقلال المالي للجماعات الترابية ويدعم قدرتها على تمويل المشاريع التنموية المحلية، بما ينسجم مع أهداف الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المستدامة.

ثالثاً: الإشكالات القانونية والعملية المرتبطة بتنزيل القانون

رغم أهمية الإصلاح الذي جاء به القانون رقم 14.25، فإن تنزيل مقتضياته العملية يثير مجموعة من الإشكالات القانونية والتنظيمية التي قد تؤثر على فعاليته.

1. إشكالية تحديد المسؤوليات القانونية

يطرح نقل الملفات الجبائية من الخزينة العامة للمملكة إلى المديرية العامة للضرائب إشكال تحديد المسؤولية القانونية عن الإجراءات السابقة، خاصة إذا تم إلغاء هذه الإجراءات قضائياً أو ترتب عنها سقوط الدين الجبائي بالتقادم.¹²

ويثير هذا الوضع إشكالات مرتبطة بمبدأ المسؤولية عن الفعل الشخصي وربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ قد يتحمل موظف مسؤولية عن أعمال لم يباشرها بنفسه.

2. إشكالات نقل الملفات والباقي استخلاصه

تقتضي عملية نقل الملفات احترام مسطرة دقيقة تضمن جرد الملفات وتحديد وضعيتها القانونية والمالية، خاصة فيما يتعلق بالديون الباقية استخلاصها. كما يفرض هذا النقل التنسيق بين مختلف المتدخلين ضماناً لاستمرارية المرفق العام وحماية حقوق الملزمين.¹³

3. الصعوبات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية

تنص المادة الرابعة من القانون رقم 14.25 على دخول مقتضياته حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، مع تأجيل عملية تسليم المهام والملفات لمدة شهرين.¹⁴

وتثير هذه المرحلة الانتقالية عدة تساؤلات حول الجهة المختصة بتدبير المنازعات القضائية الجارية وتنفيذ الأحكام الصادرة خلال هذه الفترة.

4. تحديات التحول الرقمي

أصبح نجاح الإصلاحات الجبائية رهيناً بمدى قدرة الإدارات العمومية على تطوير بنياتها الرقمية وربط قواعد البيانات بين مختلف المتدخلين، بما يضمن تبادل المعطيات وتحسين جودة الخدمات والرفع من فعالية التحصيل.

خاتمة

يشكل القانون رقم 14.25 محطة أساسية في مسار إصلاح الجبايات المحلية بالمغرب، بالنظر إلى ما جاء به من مستجدات تروم تحديث تدبير الرسوم المحلية وإعادة توزيع الاختصاصات بين مختلف المتدخلين وتعزيز الحكامة الجبائية.

غير أن نجاح هذا الإصلاح يظل رهيناً بمدى قدرة المؤسسات المعنية على تنزيل مقتضياته بشكل منسق وفعال، مع الحرص على توضيح المسؤوليات القانونية وتطوير الأنظمة المعلوماتية المشتركة وتعزيز التنسيق المؤسساتي.

وعليه، فإن تحقيق الأهداف المتوخاة من هذا الإصلاح لا يقتصر على تعديل النصوص القانونية فحسب، بل يقتضي إرساء حكامة جبائية متكاملة تقوم على الشفافية والنجاعة والعدالة الجبائية، بما يساهم في تعزيز الاستقلال المالي للجماعات الترابية وتحقيق التنمية الترابية المستدامة.

الهوامش

¹ دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 135 إلى 146.

² القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية.

³ القانون-الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي.

⁴ القانون رقم 14.25، الجريدة الرسمية عدد 7412 بتاريخ 12 يونيو 2025.

⁵ وزارة الداخلية، “أهم مقتضيات القانون رقم 14.25″، 2025.

⁶ المرجع نفسه.

⁷ القانون رقم 14.25، مرجع سابق.

⁸ المرجع نفسه.

⁹ وزارة الداخلية، مرجع سابق.

¹⁰ القانون رقم 14.25، مرجع سابق.

¹¹ القانون-الإطار رقم 69.19، مرجع سابق.

¹² بوطيب، نور الدين، “مشروع القانون المتعلق بجبايات الجماعات المحلية”، جريدة أكورا بريس.

¹³ الظهير الشريف رقم 1.00.175 الصادر في 3 ماي 2000 بتنفيذ القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية، خاصة المادة 125.

¹⁴ المادة 4 من القانون رقم 14.25.