وجهة نظر

الأشراف آل بصير: منارة وطنية لترسيخ مغربية الصحراء والدفاع عن الوحدة الوطنية.

تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وفي إطار تخليد الذكرى السادسة والخمسين لانتفاضة سيدي محمد بصير التاريخية بمدينة العيون، احتضنت الزاوية البصيرية ببني عياط بإقليم أزيلال يومي 17 و18 يونيو 2026 ندوة علمية دولية رفيعة المستوى نظمتها مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام تحت شعار: «العلماء الصوفية: من التلقي العلمي إلى السلوك التربوي والإصلاح المجتمعي». وقد شكل هذا الحدث العلمي مناسبة لاستحضار المسار الفكري والوطني والديني لأسرة آل بصير وإبراز إسهاماتها المتعددة في خدمة الدين والوطن والمجتمع، من خلال مشاركة نخبة من العلماء والباحثين والأكاديميين الذين ناقشوا أدوار العلماء الصوفية في بناء الإنسان وترسيخ قيم الاعتدال والإصلاح.

ويعد الزعيم الوطني الراحل سيدي محمد بصير من أبرز الشخصيات التي طبعت تاريخ الصحراء المغربية المعاصر، حيث جمع بين التكوين الشرعي العميق والوعي الوطني المتقدم، فأسهم في نشر العلم والتربية الدينية وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، كما انخرط في الدفاع عن حقوق السكان الصحراويين ومواجهة الاستعمار الإسباني بالوسائل السلمية والحضارية. وقد توج هذا المسار بقيادته للانتفاضة التاريخية بالعيون سنة 1970، التي مثلت محطة مفصلية في تاريخ الكفاح الوطني بالأقاليم الجنوبية، ورسخت حضوره كأحد الرموز الوطنية التي ناضلت من أجل الحرية والكرامة والوحدة الترابية للمملكة.

ولم تقتصر أدوار آل بصير على الجانب السياسي والنضالي، بل امتدت إلى المجال الديني والتربوي من خلال الزاوية البصيرية التي شكلت عبر عقود طويلة منارة للعلم والتربية الروحية، ومركزا لنشر قيم التصوف السني المعتدل القائم على الكتاب والسنة، وخدمة المجتمع، وتربية الأجيال على الأخلاق الفاضلة. كما ساهمت في تخريج العلماء والفقهاء وحفظة القرآن الكريم، وحافظت على استمرارية المدرسة المغربية الأصيلة المرتبطة بإمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.

وإلى جانب رسالتها العلمية والروحية، اضطلعت أسرة آل بصيري بأدوار اجتماعية بارزة تمثلت في الإصلاح بين الناس، وتعزيز قيم التضامن والتكافل، ودعم طلبة العلم، والمساهمة في نشر ثقافة السلم والتعايش والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع المغربي. وقد ظلت الزاوية البصيرية فضاء للحوار والتواصل والتوجيه، وساهمت في ترسيخ روابط الأخوة والوحدة بين القبائل والجهات، بما يخدم الاستقرار الاجتماعي ويعزز التلاحم الوطني.

كما تواصل مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام اليوم حمل هذه الرسالة النبيلة من خلال الاهتمام بالبحث العلمي وتوثيق الذاكرة الوطنية والتعريف بمآثر رجالات الصحراء المغربية وإبراز أدوارهم في الدفاع عن ثوابت الأمة. وقد أصبحت المؤسسة فضاء أكاديميا وثقافيا يجمع الباحثين والمفكرين من مختلف التخصصات، ويساهم في إنتاج المعرفة حول القضايا الوطنية والتنموية والفكرية المرتبطة بالمجتمع المغربي وقضاياه الاستراتيجية.

وقد أبرزت المداخلات العلمية المقدمة خلال الندوة المكانة المتميزة التي يحتلها العلماء الصوفية في تاريخ المغرب، باعتبارهم فاعلين أساسيين في نشر العلم وإصلاح المجتمع والمحافظة على الهوية الدينية والوطنية للمملكة. كما أكدت على أن الزاوية البصيرية تمثل نموذجا فريدا يجمع بين التربية الروحية والعمل الاجتماعي والعلمي والالتزام الوطني، ويبرهن على قدرة المؤسسات الدينية الوطنية على مواكبة التحولات المجتمعية والإسهام في تحقيق التنمية والاستقرار.

ومن خلال استحضار المسار النضالي والعلمي لسيدي محمد بصير ولأسرة الأشراف آل بصير عموما، يتبين أن الدفاع عن الوطن لم يكن بالنسبة إليهم مجرد موقف سياسي عابر، بل كان جزءا من مشروع متكامل يقوم على خدمة الإنسان وصيانة الهوية وترسيخ قيم المواطنة الصادقة. لذلك فإن تخليد ذكرى انتفاضة العيون لا يقتصر على استذكار حدث تاريخي، بل يمثل مناسبة لتجديد الوفاء للمبادئ التي حملها رجال الإصلاح والعلم والجهاد الوطني عبر مختلف المراحل التاريخية.

إن التحديات التي تواجه قضية الوحدة الوطنية للمملكة اليوم تفرض على الصحراويين الوحدويين، أينما وجدوا داخل الوطن وخارجه، الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة والإبداع في تقديم الأفكار والتصورات والمشاريع القادرة على مواكبة التحولات الدولية والإقليمية. فمبادرة الحكم الذاتي التي نادى بها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، التي حظيت بإشادة واسعة من المجتمع الدولي، تحتاج إلى مساهمة فعلية من ابناء الصحراء الوحدييين في مجالات الحكامة والتنمية والثقافة والبحث العلمي، بما يعزز مكانة الأقاليم الجنوبية كنموذج للتنمية والاستقرار والتعايش، ويؤكد أن أبناء الصحراء هم الفاعل الأساسي في صياغة مستقبل أقاليمهم داخل السيادة المغربية.

وفي المقابل، بات واضحا أن الأطروحات الانفصالية لم تعد تملك مشروعا حقيقيا يخدم مصلحة الساكنة الصحراوية بقدر ما أصبحت رهينة لأجندات سياسية خارجية توظفها لخدمة حسابات إقليمية ضيقة. لذلك فإن الواجب الوطني يقتضي من جميع القوى الحية، من منتخبين وفاعلين مدنيين ومثقفين وشيوخ قبائل وشباب ونساء، التكتل حول الثوابت الوطنية والتصدي بالحجة والعلم والعمل الميداني لكل المحاولات الرامية إلى التشكيك في مغربية الصحراء أو المساس بالوحدة الوطنية، مع الوقوف صفا واحدا في وجه كل من يسعى إلى تفتيت اللحمة الوطنية أو عرقلة مسار التنمية والاستقرار الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية للمملكة.

ومن هذا المنطلق، نستحضر بكل تقدير وإجلال الجهود المتواصلة التي تبذلها مؤسسة الأشراف آل بصير وزاويتها العريقة في خدمة الدين والوطن والذاكرة الوطنية، وهي جهود تنبع من إرث تاريخي وروحي أصيل يمتد من القطب الرباني الشريف سيدي أحمد الرقيبي الجد الجامع للشرفاء الرقيبات إلى الزعيم الوطني سيدي محمد بصير، وصولا إلى الأجيال الحالية التي تواصل حمل مشعل العلم والإصلاح والوفاء للوطن. وما تنظيم هذه الندوة العلمية الدولية إلا تجسيد حي لأصالة هذه الأسرة الشريفة ووطنيتها الصادقة وإخلاصها الراسخ للعرش العلوي المجيد وللوحدة الترابية الوطنية للمملكة المغربية، وإسهامها المستمر في ترسيخ قيم الاعتدال والمواطنة وخدمة القضايا الوطنية الكبرى.